الدراسات والبحوث

المفكر الإسلامي زيد بن علي الوزير المفكر الإسلامي زيد بن علي الوزير

زيد بن علي بن عبدالله الوزير. أديب، شاعر، مفكر، سياسي، مؤرخ، محقق، يتميز بالوسطية والعقلانية في منهجه الفكري، مع إدراك عميق، وإلمام واسع، وطرح متزن.

 يتضح ذلك من خلال ما طرحه في بعض مؤلفاته الفكرية والسياسية لعدد من القضايا أبرزها مسألة الفردية في الفقه السياسي عند المسلمين، وما تمثله من أزمة في فهم صلاحية الحكم الفردي، أطروحة عميقة، ودراسة جادة صاغها وقدمها بحرية في كتابه (الفردية ـ بحث في أزمة الفقه السياسي الفردي عند المسلمين).

عندما تغيب المؤسسات الإطار الضائع

2011/6/25
- ترجمة :
- التبويب : -

عندما تغيب المؤسسات

الإطار الضائع

من خلال كتاب الحسام المشهور

بقلم: زيد بن علي الوزير[1]

 

على حواشي الكتاب

(1)

يقدم كتيب "الحسام المشهور في الذب عن سيرة الإمام المنصور" تأليف المجتهد المطلق "محمد بن إبراهيم الوزير" المتوفى عام 840/1436  فصلا في الفقه السياسي ممتعا؛ فهو يناقش من خلاله بعض الشروط الخاصة باستحقاق الخلافة من زاوية تخالف ما تعارف عليه جمهور الهادوية. وأهم هذه الشروط التي ناقشها وأبطلها هي إشتراط الاجتهاد في انتخاب الإمام. وهو شرط يكاد يبلغ عند جمهور الهادوية المرتبة الأولى فالتصدي له لايقدم عليه إلا من أوتي بسطة في العلم والعقل. وبالرغم من أن الكثيرين قد يُجَابهون بمخالفته لما اعتادوا عليه من ناحية، ولمكانة الاجتهاد عند الزيدية من ناحية أخرى، إلا أن ما عرضه من حجج تستحق الاهتمام والدراسة والتوقف عندها، لامن أجل أهميتها وصوابها أوخطأها وأنما من أجل أن تلك الشروط الرفيعة التي وضعتها الهادوية لاستحقاق الخلافة -مهما اختلف الناس حول بعضها- بقيت غير ذات تاثير بسبب عدم تأطرها في مؤسسة مرجعية حاكمة. وهذا ما سنركز عليه في تقديم هذا الكتيب الذي يحظى على الرغم من صغر حجمه بأهمية قصوى لأنه لا يعالج قضية تخالف ما يذهب إليه جمهور الهادوية فحسب، وإنما لأنه يصدر من علامة مجتهد مطلق.

ومن الشروط السياسية التي سنطرحها في هذا البحث شرط الأنهضية أو ما يسميه المؤلف النهضة التي يعبارها حقا معلوم في الخلافة، ولا اعتبر الاجهتاد كذلك حقا ثابتا، وإنما دعا إلى الأعدل والأتقى، وإن كان عالما مقلدا. و كان يرى أن من موانع استحقاق الخلافة أن يكون المرء ضعيفا، لأن طبيعة الضعيف لا تتحمل المسئوليات الكبار، ولا تقدر على إنجازها، ومن ثم ذهب إلى تحريم تولي الضعيف الخلافة وإن كان برا تقيا. من هنا أدخلنا في بحثنا هذا شرط الأنهض من حيث أن المؤلف طرح النهضة كشؤط لصلاج البيعة وطرح الضعف كمانع من الخلافة فكان الأنهض -الذي يناقض الضعف- يعني بلغة معاصرة الكفائة الإدارية. ونستخلص من ذلك أنه يضع شرطا جديدا إلى جانب العادل والتقي هو الأنهض- وإن لم يسم هذه الكلمة- وليس الضعيف. ونحن نعرف أن حظ شرط الاجتهاد أوفر من الأنهض عند الأكثرية من الهادوية، وأن هذا الشرط الاجتهادي ما يزال يعتبر أهم من شرط الأنهض حتى اليوم، حتى لو كان المرشح غير كفؤ في الإدارة والتدبير. فمن هنا رأينا أن نناقش مصطلح الأنهض تعبيرا معاكسا لما شرطه من استبعاد الضعيف، خاصة وأن الأنهضية هذه قد لعبت دورا في الوقائع التي دعت إلى تأليف هذا الكتيب.

والكتيب في الحقيقة ليس ذبا عن سيرة المنصور العامة، ولا عن مجريات أموره، كما يوحي إسمه، ولا دفاعا عن أخطأ وقعت منه، أو حتى من قادته وولاته، وإنما هو دفاع عن استحقاقه للخلافة لنيله في البداية علما نافعا، وأنه كان الأنهض، ثم أصبح مجتهدا أيضا. ذلك أن خصوم المنصور اعتبروا عدم اجتهاده سببا لعدم صحة بيعته لأن الاجتهاد عندهم يُقدم على الأنهض، وساقهم هذا الاعتقاد إلى أن بيعة المنصور "علي بن صلاح الدين" غير صحيحة لأنه بنظرهم لم يحز درجة الإجتهاد، بينما كان المرشح الآخر "أحمد بن يحيى المرتضى"-الذي سيلقب بالمهدي- مجتهدا كبيرا، وكان هو الأعلم، وكان هو المجتهد، ومن ثم استجازوا الخروج على المنصور ومحاربته ضاربين بكفاءة المنصور الإدرية- التي كان يعبر عنها بالأنهضية- عرض الحائط. فجاء هذا الكتيب فذب عن قضية الأنهض لا من أجل قضية المنصور فقد ربحها مرتين، وإنما من أجل المبدأ نفسه، لأن الكفائة الإدارية- الأنهضية -  مع التقوى والعدل هي ما تتطلبه المصلحة العامة كما يعتقد.

والكتيب أيضا لم يدافع عن علم المنصور فلم يكن جاهلا وإنما كان- عند المؤلف- عالما. وإذن فإنه من الأساس ومن حيث المبدأ يذب عن شرط فقهي مهضوم، ويدافع عن تشريع سياسي مهجور. ومن ثم ركز المؤلف في كتابه هذا على أن شرط الاجتهاد ليس مطلوبا بالضرورة، ويكتفى من الإمام بالعلم، لكن الاجتهاد إن وجد كان فيه مزيد فضل، ومزيد خير. ولابد من الإشارة هنا إلى أن المؤلف كتب هذا الكتيب وهو في أوج مكانته العلمية وفي أوج زهده، وهنا تأتي أهمية هذا الكتاب.

وهذا الكتيب هو تكميل لرسالة كان قد كتبها المؤلف وسماها "واضحة المناهج وفاضحة الخوارج" رد فيها على عالمٍ اعترض في رسالة له على صحة بيعة الإمام النصور بسبب عدم نيله درجة الاجتهاد، لكنه رأى أن رسالته تلك كانت غير كافيه، وأن عليه أن يبسط الكلام في نقض شرط الاجتهاد ويتوسع فيه. فكان هذا "الحسام المشهور".

وليس غريبا أن يعترض بعض العلماء بعد ثلاثة وثلاثين عاما من خلافة المنصور، وليس غريبا أن يخرج هذا الإمام على ذاك، ويقاتل بعضهم بعضا، لأن المبادىء السياسية لم تتمثل في مؤسسة مرجعية تشريعية لها قوة الحماية، وإليها يرجعون ويحتكمون.

(2)

وقد شرح المؤلف نفسه أسباب تأليفه لتلك الرسالة و لهذا الكتيب فقال:

(إنّه لما كان في سنة ستة وعشرين وثمانمائة سنة من الهجرة النبوية على صاحبها افضل الصلاة والسلام بلغ إلى مولانا أمير المؤمنين المنصور بالله.. كتاب من(...)[2]   وتعرض فيه لذكر أشياء أهمها شروط الإمامة وأجبت عليه بجواب مختصر[3] .. ثم إني استخرت الله تعالى في بسط الكلام في المسألة المقصودة من كلامه في شروط الإمامة، وهي إشتراط الاجتهاد في العلم في الإمام وتجريدها بالذكر؛ لأن النزاع في الحقيقة خاص بها دون غيرها) [4]  

إذن فهو نفسه قد حدد إطار بحثه في النزاع حول اشتراط الاجتهاد دون غيره. ولأنه وصل بأدلته إلى أن الاجتهاد ليس شرطا فكان عليه أن يضع البديل أو الشرط التي لا تستقيم بيعة الإمام بغيره. وكان العلم والعدل والتقوى وعدم الضعف (وبديله الأنهضية) هي البديل الأفضل الذي قدمه للناس. ومن ثم فلابد من طرح الاجتهاد والأنهضية للنقاش غي هذا البحي باعتبارهما مما اختلف الناس حول الأساسي منهما. أما العدل والتقوى فليس في ذلك خلاف.

(3)

وقبل الدخول في ما أثاره الكتيب من حوار علمي فإنه من المفيد- لنزداد معرفة بأهمية هذا الكتيب- أن نربطه بظروفه الزمنية ووقائعه التاريخية؛ وموجبات تأليفه؛ فالأتيان بها تنير مقاصد هذا الكتيب.

كان الإمام الناصر صلاح الدين "محمد بن علي" قد أرسى دولة قائمة على العدل والنظام امتدت إلى "ينبع" و "الصفراء" و "حلي" و "تهامة" و "الشحر"[5] ويجمع المؤرخون الزيود على عدله وحزمه وفضله، كما يتحدثون –بإعجاب- عن دولته التي أقامت أمنا مستتبا، وحاولت إعادة توحيد اليمن المفكك، ونشرت العلوم، واتسمت بالانفتاح المذهبي. ولهذه الأسباب اشتد الخوف على مصير الأمة وأمنها ووحدتها وانفتاحها عندما اختطف الموت ذلك الحارس المهاب في 3 القعدة 793/أكتوبر 1391 [6]

وقد فزع أولو الأمر والعلماء لهول الحادث، خوفا من اضطراب الفتنه بين الناس نتيجة غياب القائد المحنك في مجتمع خلي فيه من المؤسسات التشريعية المرجعية، أو أن هذه المؤسسات كانت ما تزال تتبرعم فيأفواف الأيام ولم تستكمل نشأتها بعد، كما في هذه الفترة والحالة التي نتحدث عنها بالذات. وفي كلى الحالتين تكون القوة هي المتحكمة والفارضة،والمنتصرة في النهاية، ويكون الحاكم القوي -عادلا كان أو ظالما- هو المأمن من الفوضى، وبغيابه- وقد ركن الناس عليه- تتولد حالة من الفزع مصدرها الخوف من الفوضى والقتال والدمار بعد رحيله، خاصة وأنه ما مات إمام أو ملك أو سلطان إلا وأعقبه قتال واقتتال. وحتى في الحكم السلطاني الوراثي فإن الورثة سلوا السلاح في وجه بعضهم بعضا.

ليس أدل على ذلك الفزع أن أولي الأمر لما توفى الله الإمام "صلاح الدين" (جصصوا عليه وكتموا موته إلى أواخر ذي الحجة)[7] وكتبوا (إلى علماء صعدة، ولم يصرحوا لهم بموت الإمام وإنما رمزوا إليهم رمزا خفيا)[8] وانتظروا جوابهم. وجاء جواب علماء صعدة (إلى الوزراء يأمرونهم بالتوقف حتى يصلوا)[9]

في خلال ذلك كان بعض علماء صنعاء قد رأوا بعد أن تسرب خبر موت الإمام أن يبايعوا للسيد العلامة "أحمد بن يحيى المرتضى" لنيله درجة الاجتهاد، ولمنع الطريق على رغبة بعض العلماء ورجال الدولة في مبايعة "علي بن الإمام صلاح الدين" مرشح أولي الأمر. وكان الإمام الراحل قد رشح العلامة الورع "علي بن أبي الفضائل" خليفة له؛ فكان هناك ثلاثة مرشحون. لكن "علي بن أبي الفضائل" رفض ترشيح نفسه للخلافة، وأعلن عزوفه عنها بسبب عدم قدرته على تحمل مسئولياتها، ولكنه رأى أن يوجه ولائه "لابن المرتضى". وتموقفه هذا خرج من الصراع على الرياسة، لكنه لم يخرج من حلبة المعركة.   

وقبل أن بحزم "المهديون" أمرهم وصل كبير العلماء "عبد الله بن الحسن الدواري" و من معه من كبار علماء صعدة إلى صنعاء،  فكان عليهم أن يحسموا الأمر بين المختلفين.

وفي موازنة سريعة بين القوتين يمكن القول بأن "المهدي" كان قد حظي  بتأييد بعض علماء صنعاء الكبار، ولعل تأييد العلامة الكبير الورع "على بن أبى الفضائل" - وهو الذي رشحه الإمام الراحل ليخلفه فأبى قبول الخلافة – "للمهدي" كان أكبر دعم تلقاه المهدي في تلك الظروف. فالرجل الذي عاف الخلافة لنفسه وصرفها إلى من يعتقد فيه الصلاح، قد أعطى زخما قويا لصالح "المهدي" لأن التأييد من هذا الرجل بالذات بعد أن تخلى عن الخلافة يحسب له حساب، ويأُخِذ منه دليل على صحة مقاصده وصدق توجهه، وعلى أن تأييده للمهدي ينطلق من موقف عقائدي سما به فوق المآرب والمنافع الشخصية، وعلى أنه لم يعتبر تكريم الإمام الراحل له باختياره خليفة له يدا يجازيه بتأييد ابنه، وإنما صرفها عن نفسه وعن ابن الإمام إلى رجل مقتنع به. وإلى جانب ذلك كان ترشيح الإمام الراحل لعالم آخر له وزنه وثقله متخطيا ابنه، ليس في صالح "علي بن صلاح" فاستغل خصوم المنصور هذه القضية، واعتبروها حجة على عدم استحقاق المنصور للخلافة لأنه لو كان مستحقا لها لرشحه أبوه. لكن هذه ادعاء يناقض ما تعارف الأئمة الكبار الهداة عليه من عدم ترشيح أبنائهم بعدهم حتى ولو كانوا مجتهدين، ولكم مما لاشك فيه أن هذا اللغط الفقهي قد استخدم إعلاميا لصالح المهدي" وخطه الفقهي السياسي.

 في المقابل حظي  "المنصور" وحطه الفقهي السياسي بتأييد بعض العلماء الكبار يوازي حجم "علي بن أبي الفضائل" بل يفوقه، فتأييد أكبر علماء اليمن آنذاك "عبد الله بن الحسن الدواري" يرجح تأييد أي عالم آخر. وإذ حظي "المهدي" بعلماء بارزين حظي "المنصور" بعلماء بارزين أيضا هم "الهادي بن إبراهيم الوزير" وأخوه "محمد بن إبراهيم" –مؤلف هذا الكتيب- والعلامة "على بن محمد ابن أبي القاسم" والفقيه العلامة "محمد بن حسن المعافى" صاحب السودة[10]. كما أيده العلامة- الإمام فيما بعد-" على بن المؤيد" قبل أن ينقلب عليه بعد أربع سنوات[11] وغيرهم من العلماء الكبار، وإلى جانب ذلك أيده كبار رحال الدولة وقادة الجيش.

وكان المرشحان في عمر واحد في أصح الأقوال، إذ كانا من مواليد عام 775/ 1376على ما ذهب إليه الشوكاني وهو الذي نرجحه[12]  لكن ما لاشك فيه أن "المهدي" كان  الأعلم، وأن "المنصور" كان الأنهض. وبهذه الحجة ووسط هذا المعترك الغائم بين الاجتهادية والأفضلية حسم كبير العلماء الأمر لصالح الأنهض ضد الأعلم. فانتصرت الأنهضية على الاجتهادية بفتوى دينية في الجولة الأولى. وكان الحافز للعلماء في احتياره إماما –كما يقول الشوكاني- أنهم (رأوا في ذلك صلاحا لكونه ناهضا بالملك وإلا فهو لم يكن قد نال من العلم في ذلك الوقت ماهو شرط الإمامة عند الزيدية، ولكن جعل الله في هذا الرأي الخير والبركة)[13] أي الاجتهاد. ومع ذلك فقد  ضمن المنصور النجاح بسبب الأنهضبة فكسب هذه الجولة.

(4)

من خلال ما تقدم لاح ما يمكن تسميته ببدايةٍ هشةٍ لمؤسسة سياسية مرجعية تفصل في الأمر وتبت فيه. والحق أن المؤرخ لا يستطيع تجاوز هذه الظاهرة التي لمعت في هذه القضية بالذات؛ وهي أن الخليفة الناصر صلاح الدين "محمد بن علي" قد صرف ابنه عن الخلافة ورشح رجلا أخر، وأشار إلى قادته -كما يقضي المنطق- بضرورة الاتصال بعلماء صعدة في حالة رفض "علي بن أبي الفضائل" ليحسموا الأمر. والحركة التي تمت عقب وفاة الإمام صلاح الدين تسمح لنا أن نستنتج أنه قد ترك ورائه ما يشبه تشكيل مؤسسة مدنية غائمة الملامح لم تتشكل بعد، ولكن عند البحث نحس بوجود شيء من ذلك القبيل.

أول ما نلمسه من وجودها أن قادة جيش الإمام الراحل وأرباب الدولة وهم السلطة القائمة، التي بيدها وقوتها اتخاذ القرار لم تجرأ على إعلان خليفة جديد، وأنها توجهت تلقاء صعدة لتأخذ القرار من كبير العلماء "عبد الله بن الحسن الدواري" وزملائه ، فوصل منهم أمر بالتوقف إلى حين وصول العلماء إلى صنعاء، ولابد من التمعن في كلمة يأمرونهم بالتوقف، إذ أن هذه اللهجة لا تخرج إلا من عند من يملك البت والحسم, كما أنه لابد أيضا من استنتاج أن الإمام الراحل هو الذي خلق في قادته هذا التوجه وأنهم اتبعوا وصيته. وبدون ذلك لا تستقيم لنا قراءة منطقية لحوادث ما كان يجري آنذاك، وإلا فما الذي جعل قادة الجيش وأمراء الدولة ينتظرون وصول كبير العلماء والعلماء؟ ولماذا يصبح لهؤلاء العلماء - وهم بلا حول ولا طول وفي مكان بعيد- قوة التنفيذ والبت؟

الذي نستنتجه وقد سارت الأمور على ذلك النحو أن يكون الناصر "صلاح الدين" قد مهد له وبث في قادته وولاته هذا التوجه الجديد، وأنهم عملوا به وطبقوه بعد رحيله، وأنهم فزعوا إلى هذا الرجل الجليل-كما أوصاهم به- وأمثاله يطلبون عنده وعندهم الحل وحسم الموقف.

ويبدو لي من هذه القراءة أن مؤسسة مرجعية قد كانت تتفتح في برعمها الوليد. وإذا كان الأمر كذلك فإننا نجد لها جذورا متقطعة في فترات من التاريخ، لكن تقطع التجربة وعدم استمرارها في خط متواصل حال دون ظهورها وتفتحها. على أننا نلحظ منذ أن بايع ما يزيد على خمسمائة من العلماء[14] الإمام المهدي "علي بن محمد" عام 750/1349 واضعين بذلك حدا للمرشحين الآخرين، استمرار هذا الخط في تواصل صاعد، فبعد موت الإمام "علي بن محمد" عام 773/1371 حسم الأمر"عبد الله بن الحسن الدوري" وجماعة من السادة والعلماء[15] لصالح الإمام "صلاح الدين" أيضا ضد المنافسين الآخرين. ثم لما توفى الإمام "صلاح الدين" عام 3 القعدة 793/أكتوبر 1391 حسم العلماء برياسة "الدواري" مرة ثانية هذا الخلاف. وكانت نتيجة الاستمرارية أن رفدت برعم المؤسسة الوليدة.

ومن ناحية ثانية أدى استمرار دور العلماء في تأدية مسئولياتهم إلى تجلي حقيقتين الأولى تقول: بأن من جاء إلى الخلافة عن طريق العلماء تكون فعاله حميدة، وأعماله مرضية، ومن جاء عن طريق الوراثة أو التغلب فإن أفعاله تسؤ مصيرا. وليس من شك أنه لو استمر دور العلماء كمؤسسة مرجعية لأفضى ذلك إلى تولي القيادات الجديدة المتخصصة في الزمن المعاصر المسئولية، لأن علماء اليوم –من مثقفين ومتخصصين- هم أحق بوراثة العلماء الأقدمين. لكن القوة ورثت القوة.

(5)

علينا الأن أن نتعرف بسرعة على هذه الشخصية التي لعبت أهم دور في هذه القضية وأعني به كبير العلماء "عبد الله بن الحسن الدواري" يقول العلامة الشوكاني: (ليس لأحد من علماء عصره ماله من تلامذة وقبول الكلمة وارتفاع الذكر وعظيم الجاه بحيث كان يتوقف الناس عن مبايعة الأئمة حتى يحضر كما اتفق عند دعوة الإمام المهدي..ومعارضه المنصور بالله)[16] ويجمع المترجمون والمؤرخون على فضله وزهده. ولمأجد في مطالعاتي عنه من يوجه لهم سهما معيبا، وإن اختلفوا في موقفه هذا. واتخذ منه البعض نقطة ضعف، ولكن لا أحد شك في دينه وأمانته وإخلاصه.

ومن هنا فلا يوجد- في وجهة نظري- أي شك في وجود تأثير الدولة على الدواري، لأنه كان مطلوبا ليقول كلمة الفصل في هذا النزاع، وليس طالبا يتحين الفرص. وقد توقف الجميع -كما رأينا- حتى وصل، وعندما فصل في الأمر كان يراعي مصلحة للمسلمين لا غير، وقد روي عنه أنه كان يرى اشتراط الاجتهاد مثل قول الجمهور، لكنه بعد هذا الموقف غير رأيه وجعل العالم المقلد مع التقوى أحد شروط الخلافة، بل إن بعضهم اتخذ من هذا الموقف غمزا ولمزا[17] وقد يكون رجع عن قوله باشتراط الاجتهاد، ولا عيب في ذلك ولا مذمة؛ فالعلماء يطورون معلوماتهم وعلومهم، وهذا أمر معروف عنهم، لكن مما لا شك فيه أنه عندما أسقط شرط الاجتهادية كان على رؤية مستبصرة، وعلى يقين من ربه سواء وافقه من وافق وخالفه من خالف؛ فليس أدل على صدق إخلاصه للمصلحة العامة من أنه لما كان على فراش الموت وفي لحظات لقاء بربه  (ذكر له بعض أولاده القضية لعله يستغفر في حق الإمام المهدي فحلف أن مبايعته للمنصور أرضى عمل يرجوه عند لقاء الله؛ لأنه ما أراد إلا حفظ الإسلام بنهضة المنصور، وما أقدم إلا ببصيرة)[18]

(6)

لكن هذا البرعم الوليد ما لبث أن قصفته عاصفات الغيوم، وهذه المؤسسة الهشة مالبثت أن سحقها الاحتكام إلى القوة؛ إذ لم يقبل أنصار المهدي هذا الحكم، فأشهروا السلاح، فقابلهم المنصور بنفس الطريقة، ودارت بين الطرفين عدة معارك انتهت بانقضاض الصقر عليهم في "جهران" عام 794/1392 فصادهم المنصور جميعا وطار بهم إلى سجن صنعاء[19]وهكذا فرضت القوة إرادتها، وكسب الجولة الثانية بالقوة. وبرفض علماء المهدي لقرار كبير العلماء انتقل الأمر إلى منطق القوة، وتم حسم المعركة –كما رأينا- لصالح الأنهضية بواسطة القوة لا المرجعية الفكرية كما بدا في أول الأمر.

وخلال حكمه المديد أثبت الإمام "علي بن صلاح الدين" قدرة إدارية ممتازة وأفشى العدل بين الناس، وأظهر انفتاحا بين المذاهب، وزهد في الملبس والمأكل والمشرب[20]. وانصرف كليا لإقامة الدولة، وتمم ماكن أبوه وجده قد بدءا به.

(7)

كما رأينا حسم "الدواري" وعلماؤه  الموقف النظري مؤقتا لصالح "المنصور" بينما أكملت المهمة قواضب السيوف مع الأسف، ولأن "المهدي" وعلمائه لم يحضعوا لرأي العلماء الأخرين وهم الأكثرية فقد بقيت للتفسيرات الفقهية مساحة واسعة بين الطرفين، مُتخذَين من "الأسبقية" و"الاجتهادية" و"الأنهضية" مجالا للكر والفر حتى اليوم. وإذا كانت صوارم أصحاب الأنهضية قد ثلّمت أسنة أصحاب الاجتهادية, إلا أن ألسنة الاجتهادية ظلت تنافح عن معتقدها مصرة على أن المجتهد هو الأولى بالخلافة.

أما دعوى "الأسبقية" فقد ذهب أنصار "المهدي" إلى أنه السابق في الدعوة، وذهب مؤيدو "المنصور" إلى أنه هو السابق. ولأن الفترة كانت متقاربة بين الدعوتين فقد قال "الزحيف" بحق  (يمكن الجميع بين الروايتين بأنها لما وقعتا في يوم وليلة تسومح في حكاية ترتيب أحدها على الأخرى)[21] وللأسبقية-مع تكافؤ بقية الشروط- مكانة قوية، لكن لأن أحدا من الجانبين لم يثبت الأسبقية لصاحبه فقد تُسومح فيها، واحتدم الخلاف حول الاجتهاد أو بتعبير أخر حول "الأنهضية" و"الاجتهادية" وبقي شرارها مستطيرا وما يزال.

من هذه النقطة أي عدم اشتراط الاجتهاد والأكتفاء بالعلم والتقوى والعدل وعدم الضعف انطلق المجتهد المطلق "محمد بن إبراهيم الوزير" في كتيبه هذا يدافع عن الأنهض الصالح العادل ويجول ويصول.

والمؤسف أننا حتى الآن لم نعثر على رسالة المعترض على سيرة الإمام "المنصور" لتكتمل لدينا الصورة من وجهتي نظر مختلفة. وضياع مثل هذه الرسائل خسارة فعلا. والمؤسف أيضا أن المؤلف لم ينقل نصوص المعترض وأدلته، بل اكتفى اجمالا بما ذهب إليه.

الكتاب

(1)

على كل حال فإن المؤلف كما قال قد حصر رده في كتابه هذا على قضية واحدة هي إشتراط الاجتهاد في العلم في الإمام وتجريدها بالذكر. اي تخصيصها بالذكر ومن هنا  تعرض لها من ناحيتين: الأدلة الدينية، والوقائع التاريخية.

بدأ المؤلف بالإشارة إلى العلم الحقيقي فقال: (إن جماعة من الجهلة بحقيقة العلم الحق الذي كان عليه الصدر الأول لما رأوا مولانا أمير المؤمنين المنصور بالله عليه السلام مستغرق الأوقات بالنظر إلى المصالح مقبلا على ما كان عليه السلف الصالح من النظر في القرآن الكريم والأخبار النبوية والأثار الصحابية قليل الخوض  فيما حدث في الأعصار الأخيرة بعد انقراض خير القرون من البدع) [22] فهو هنا يشير إلى أن العلم الحقيقي –وهو ما وضحه فيما بعد- هو العلم بالقرآن الكريم والسنة المطهرة أثر الصحابة وهو ما يحتاجه الخليفة من علوم، أما ما سواه من علم أخر كعلم الكلام وغيره فليس شرطا نيله لحصول الخلافة.

لكن حصر المؤلف معرفة الإمام بقلاقة المصادر فقط تحجير لواسع. إذ لا بد من الأخذ بكافة العلوم وخاصة في هذا العصر المتشعب المعرفة فلا بد أن يكون ضليعا في علم السياسة والاقتصاد إلى جانب علوم القرآن والسنة.

بعد أن انتهى من الإشارة إلى هذه النقطة قام ببحث ممتع عن تيسير أمر الاجتهاد نافيا دعوى الخصوم بعدم اجتهاد المنصور لأن الاجتهاد شهل ويسير وقال أن دعوى عدم اجتهاده: (محض البهت والتجري، لأن أقل الاجتهاد أمر خفي قد اشتد الاختلاف بين علماء الإسلام في تفسيره وتيسيره أو تعسيره)[23].

ثم مضى يؤكد على تسهيل أمر الاجتهاد فقال: (وقد جعلته طائفة المعتزلة البغدادية مقدورا ممكنا لجميع النّاس، من أهل البله والأشغال والعبيد والنسا والإماء.. [و] البغدادية حرموا التقليد على جميع العامة في الفروع فيسّروا الاجتهاد لعلمهم تيسير رسول الله صللم على العامة وذهبوا إلى أن العامي متى سمع الفتيا بدليلها من المفتي صار مجتهدا في المسألة خارجا بذلك القدر عن التقليد. ويعضد ماقالوه أن حقيقة التقليد عند الجميع اتباع قول الغير من غير حجّة ولا شبهة زايدة على حال من قلده، وشيوخ البغدادية من أئمة العلم عند جميع النقاد من أئمة العلم والنظر والاجتهاد)[24].

وهنا يصل إلى الدفاع عن حق المنصور في الخلافة باعتباره مجتهدا فيقول: (فكيف مع مثل هذا الاختلاف العظيم في معنى الاجتهاد ومقداره يقطع من يتقي الله عز وجل على نفي الاجتهاد عن إمام من أئمة الهدى قد تظلع من المعارف الدينية وارتوى من الآيات القرآنية والسنن النبوية مع  أوفر حظ من الذكاء والبراعة ووراثة النبوة) [25]

ثم يعود إلى بحث تيسير الاجتهاد وتسهيله فيقول: (وقد يسّر الاجتهاد وشروطه غير واحد من المتقدّمين والمتأخرين، والاجتهاد مختلف جدّا فمنه المعلوم المجمع عليه، ومنه المضنون المختلف فيه، ومنه الجزئي والكلّي والأعلى والأدنا، والمستحضر حفظا وبديهة، والمتمكّن من البحث مع طور التّروي والبحث عن الحكم في مظانّة)[26].  

ثم  نقل عن كثير من العلماء الكبار ما يعضد رأيه .

وبعد ان تقصى البحث في الاجتهاد من كل زاوية انثنى إلى ما سبق أن أشار إليه من حصر العلم في كتاب الله وسنة رسوله قضية فقال: (أجمع العقلاء والعلماء على أن العلم يشرف بشرف معلومه فكيف لا يسمى العالم بأجل المعلومات عن الله سبحانه عالما؟ فتأمل هذا فصح الأدلة عليه كتاباً وسنة فمن الآيات الكريمة قوله تعالى {شهد الله أنه لاإله إلا هو والملائكة وأولو العلم} فظاهرها يقضي بأنهم أهل الإسلام كافة، ومن أخرج بعضهم من أولي العلم فقد أخرج من أدخله الله..  وذلك لأنهم علموا اجل المعلومات سبحانه، وعلموا اجل مراداته وهي اركان الإسلام الخمسة، ومتواترات المحرّمات التي زعمت "البغدادية من المعتزلة"  أنه لا يجب العلم بغيرها على العلماء) [27] ويفهم من هذا ان العلم المشروط للخليفة هو العلم باركان الإسلام الخمسة، ومتواترات المحرّمات. واستدل على ذلك بحديث (من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين) وهو حديث صحيح مشهور[28].

وختم هذا البحث أن إشتراط الإجتهاد لصحة الإمامة أمر محتلف فيه بين العلماء (قديما وحديثا حتى فيما بين "ائمة اهل البيت" المشاهير، وفي كتب الزيدية المشهورة؛ فمن اجِّل المخالفين في ذلك منهم الإمام "احمد بن عيسى بن زيد" قال "محمد بن منصور" "قلت: صف لي الرجل منكم الذي اذا دعا وجبت اجابته؟ فقال الورع العاقل الشديد العقدة، العالم بما يحب من الأمور والأحكام، العالم بإختلاف الناس وان كان دون هذه الصفة لبعض الاسلاف .... وكذلك الإمام" يحيى بن حمزة" فانه نص على الخلاف. واختار جواز ذلك ...  وروى القاضي العلامة  "محمد بن عبد الله بن ابي النجم" رحمه الله تعالى في كتابه  "الذريعة" جوار التقليد للإمام عن جماعة من علماء الزيدية وقال مالفظه: "وحكى عن بعض أهل العلم انه يجوز امامة المقلد في باب العلم ان لم يبلغ درجة الإجتهاد في الأحكام الشرعية" قال: "وهو قول جماعة من شيعة اهل البيت المتأخرين وهو قول الأمير "الحسن بن محمد" والإمام  "الحسن بن وهاس" والقاضي شمس الدين "جعفر بن احمد" والشيخ "الحسن بن محمد الرصاص" وغيرهم من العلماء")[29]  

قال: (وهو قول جماعة من شيعة اهل البيت المتأخرين وهو قول الأمير "الحسن بن محمد" والإمام  "الحسن بن وهاس" والقاضي شمس الدين "جعفر بن احمد" والشيخ "الحسن بن محمد الرصاص" وغيرهم من العلماء وحكى القاضي العلامة "عبد الله بن حسن الدواري" رحمه الله تعالى الخلاف في ذلك في تعليقه على "اللمع" عن "الغزالي" وغيره، وصرح بنفي الإجماع وهو اختيار السيد العلامة المجتهد "داوود بن يحيى الهادي" رحمه الله تعالى، وذكر "ابن الحاجب" في "فروعه" في كتاب القضاء عن القاضي ما لفظه... "ان يكون ذكرا حرا بالغا عاقلا مسلما عدلا مجتهدا فطنا فإن لم يوجد مجتهد فمقلد)[30]

ثم ذكر قول الشيخ "خليل بن اسحق المالكي الحيدي" وعضد رأيه بقول "ابن كثير" و "الحاكم ابي سعيد"في كتابه  "تنزيه الأنبياء" ثم قال (وقد صح الإختلاف في جواز القضاء للمقلد ولا شك ان القاضي احوج الى الإجتهاد من الإمام لأجل النص النبوي فيه) [31]

وعقد مقارنة بين القضاة والأئمة وأنه لا فرق بينهما (فكما جاز ان يكونوا مقلدين إجماعا كذلك الإمام. واما اختصاص الإمام بوجوب معرفة الأدلة في الصلاة والطلاق والحج ونحو ذلك فلا وجه له من الآثار ولا من الأنظار، ولا فرق بين الإمام في ذلك وسائر المكلفين من المسلمين والله سبحانه أعلم)[32]

وقال أنه وقف على كتب "ابن حزم" و "يحيى بن محمد بن هبيرة" و "محمد بن عبد الله الريمي" و(كل هؤلاء وقفت على مصنفاتهم في الإجماع لم يذكر احد منهم اشتراط الإجتهاد في الإمامة، ولا انه قد ادعى دعوى غير صحيحة كما ذلك عادتهم في غيره ولا أُستدرك عليهم فيما تركوه من الإجماعات شيء، بل استدرك عليهم فيما ادعوه شيء كثير) [33]

وانتهى إلى القول (وهذا يدل على ماذكرته من شهرة الخلاف حديثا. واما ما ذكرته من شهرته قديما فهو اكثر، والإحتجاج به اقوى وأظهر، لأنه يدل على اجماعهم على عدم اشتراط الإجتهاد)[34]

فتقرر من هذا أن ليس هناك إجماع على الاجتهاد عند الزيدية كما ترى.

(2)

وبعد أن اشبع هذا الموضوع وصل إلى الوقائع التاريخية مستمدا منها الدليل القوي في عدم اشتراط الاجتهاد في العلم فذكر أن (الأنصار- على مالهم من الفضائل والبصائر- قد كانوا أرادوا ان تكون الخلافة في "سعد بن عبادة" لما كان له من الرئاسة السابقة فيهم والجود المتوارث في بيته، ولم يكن يذكر بفقه ولا قراءة ولا رواية ولا علم من العلوم) [35]

وقال: (ولم يكن القدح لعدم اجتهاد "سعد بن عبادة" في جملة ما قدحوابه على الأنصار، ولا ذكروا لهم عدم اختبار معرفته بالأحكام، وانما ادعوا أن الخلافة في قريش لا سوا) [36]

وقال: (وقد كان من الأنصار مثلا "ابي بن كعب" الذي كان راسيا في العلم والعمل وكذلك "زيد بن ثابت" الذي جمع القرآن و"معاذ"  الذي كان افقه الصحابة بالنّص، وقال فيه "ابن مسعود" كنّا نشبهه بـ "إبراهيم الخليل" كان أمة وحده؛ فعدلت الأنصار كلهم عن هؤلاء الأعيان الى "سعد بن عبادة" لرئاسته وصلاحيته وأهليته للقيام بالمصالح في ظنهم واجتهادهم وذلك هو القوة والنهضة)[37]

وقال: (وقد اتفق "الأنصار" على صلاحية "سعد" للخلافة، ولم يعقدوا له مجلس المناظرة والإمتحان ولا اشتهر بـ "علم الآثار" ولا "علم القرآن" ..  ولا ذكر "أهل الكتب الستة" التي في "جامع الأصول" له شيئا من المناقب كغيره من الصحابة، ولا نقم عليهم ذلك احد من المهاجرين وسائر أهل الإيمان. ومع ما اشتهر من كراهية "المهاجرين" لذلك فلو بايع الأنصار "لسعد" وعزموا على ذلك واصرّوا عليه ما حاربهم عليه "المهاجرون" على مادلّ عليه كلام "عمر بن الخطّاب" الآتي في اعتذاره عن بيعة "ابي بكر" من غير مشورة بأنهم خافوا ان يسبقهم "الأنصار" فان نازعوهم كان فسادا وكذلك انقياد الأنصار "لأبي بكر" انما كان لخوف الفساد والاّ فقد حرصوا على ان تكون الإمارة فيهم حتى همّوا بما لايهم به ذو رأي حيث قالو" "منّا أمير ومنكم أمير" هذا وهم كلّهم خير أمة اخرجت للناس كما وصفهم بذلك العليم الخبير في كتابه الذي لايأتيه الباطل، واحوالهم تقتضي البعد عن الإصرار على الاختلاف المفضي الى الفساد الكبير)[38]

وثاني الأدلة التاريخية بيعة أبي بكر وقال أنهم اختاروه لا بسبب علمه لأنه لم يكن متضلعا فيه وبيعته أوضح دليل على عدم اشتراط الإجتهاد في الأئمة..(وفي الصحيحين وغيرهما انّ الجدّة لم سألته عن سهمها لم يكن يعرفه واحال الجواب عليها الى سؤال النّاس، وأظهر ذلك ولم يكتمه وجرى على عادتهم رضي الله عنهم في الإخلاص والبرآة من الشرك الخفي. ولينظر المنصف لو فعل مثل ما فعله امام مع المتأخرين المتعمقين وأظهر بجهل مثل هذه المسألة الجليّة كيف كان هتك عرضه بين شرار القرون. ثمّ لينظرالمنصف من يعجز من اهل التمييز في العلم عن الرجوع إلى ما رجع اليه "ابو بكر" من سؤال اهل العلم والعمل لما بلغه منهم عن رسول الله صللم)[39]  

وثالث الأدلة التاريخية بيعة "عمر بن الخطاب" فإنه نفسه صرح على المنبر "كلكم افقه من عمر حتى المخدرات في البيوت" (وصدور مثل هذه الأشياء من مثل "عمر" على المنبر وفي المحافل المحشودة منادٍ على نقيض دعوى الخصم خصوصاً مع العلم بعدم ذكرهم لإختيار الخلفاء وامتحانهم عند العقد، وعدم ذكر واحد منهم لذلك واستمرارهم على عدم الخوض فيه والذكر له، والتعليل لتقديم من قدّموه)[40]

وقال(ولم يقدح في "عمر" بسوء الحفظ مع نسيانه مثل قصّته وقصّة "عمار" في التيمم ولا بأغلاطه في الأحكام التي رجع فيها الى "علي" عليلم حتى قال: لولا "علي" لهلك "عمر" بل كان معدوداً من علماء الصحابة مع هذا، كما ذكره "ابن عبد البر" في ترجمته من "الإستيعاب" بل كان مع ذلك من المحدّثين الملهمين، كما ثبت في "الصحيح" ولذلك مانُسب الى العناد ولا إلى سوء الإجتهاد مع توقيه عن العمل على حديث "عمار" في التيمم مع عموم {ما جعل عليكم في الدين من حرج} وقدم رأيه على ذلك كله في ترك الصلاة، التي هي من اجل اركان الإسلام) [41].

والدليل الرابع بيعة عثمان و(مما يدل على عدم اشتراطهم وجوب الإجتهاد في الخلافة ماثبت من بيعة "عبد الرحمن بن عوف" لـ "عثمان" على متابعة "ابي بكر" و "عمر" خرجه "البخاري" وامتناع علي عليلم حين بدأ به واشترط عليه ذلك في البيعة فامتنع ان يحكم إلا بإجتهاده وعرض ذلك على عثمان فقبله فبايعه ... وهذا ظاهر في جواز إمامة المقلّد رواه "ابن ابي الحديد... وقال "عمر" في وصيته ما أرى احدا احق بهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين مات رسول الله صللم وهو عنهم راض فسمّا "عليا" و"عثمان" و "الزبير" و"طلحة" و"سعدا" و "عبد الرحمن" فاعتبر رضى رسول الله صللم ولم يذكر سواه. وكذالك قالوا لـ "أبي بكر" حين اوصى الى "عمر" مايقول ربك وقد وليت علينا فظا غليظا؟ قال: اقول وليت عليهم خيرهم في نفسي، ولم يقولوا ماتقول لربك وقد وليت علينا من فينا افقه منه ولا قال أقول وليت عليهم اعلمهم في نفسي)[42].

وانتهى إلى القول (وبالجملة فلوكان الاجتهاد شرطا في الإمامة كما أن الوضوء شرط في الصّلاة لقضت العادة بذكرهم له عند بيعة الخلفاء، ولأنكروا على الأنصار قطعهم بصلاحية "سعد" لذلك من غير استشهار بفقه ولا نقل ذلك من وجه صحيح ولا ضعيف ولا شهير ولا غريب فيما اعلم والله سبحانه اعلم.) [43]

وهكذا اعتبر أن اشتراط الإجتهاد (قدح صريح على جميع خلفاء خير القرون فكيف يدعي من فيه حيا- دع عنك تقوى- اجماع الصدر الأول على ذلك)[44]

(2)

بعد هذه الأدلة التاريخية على سقوط شرط الاجتهاد انثنى إلى الحديث إلى الموانع الحقيقية التي تحول دون الخلافة فوضع الظلم على رأس القائمة قال: (ثم انا نظرنا اولا في كتاب الله عز وجل فوجدنا فيه الإشارة الى ان المانع استحقاق الإمامة الظلم لا سوا، ومفهوم كتاب الله يقضي جوازها لغير الظالم وذلك ظاهر من مفهوم الصفة في قوله عزّ وجل {لا ينال عهدي الظالمين} وانما احتججنا بالأية وهي في العهد لا في الإمامة لان سياق الأية من اولهه في الإمامة ولا بد من مطابقة آخرها لأولها ليلائم الكلام وارتباط التعليل بالمعلل فإن آخر الأية.. جوابا على "ابراهيم الخليل" حيث سأل الإمامة لذريته فإن أراد بالإمامة النبوة كما قال كثير من المفسرين كانت الآية من قبيل العموم الوارد على سبب خاص  ويتقوَّى العمل بعمومها بما جاء في السنة النبوية متواترا في الثناء على الإمام العادل والذم والوعيد للخائن مما لو أوردته لطال ولأدى الى الإملال ومن مظانه "مجمع الزوائد" ذكرته لمن احب نظر ذلك فيه، وقد دل ذلك على ان المعتبر العدل وترك الجور، ولم يرد في الكتاب ولا في السنة الثناء على الإمام العالم والوعيد للجاهل، وإن كان العلم محمودا والجهل مذموما، لأن علم الأحكام المتعلقة به منهل قريب، فلم يكن الظالم من جهة جهل القبح الذي في الظلم ولا جهل الحسن الذي في العدل فإن حسن العدل والتمكن منه في التنبيه على امر مهم مما يستوي فيه المجتهد والمقلد ولذلك تمكن "كسرى" من العدل مع كفره حتى ضرب به المثل في العدل، واشتهر اسمه به، واختص باسم الملك العادل فكيف لا نعرفه ويتمكن منه امر الإسلام ولذلك علق الثناء والوعد بالعدل والذم والوعيد بالظلم.)[45]

 والمانع الأخر هو الضعف في اتخاذ القرار فإن ذلك يفضي إلى الانهيار وانتهى  في بحث هذا الضعف إلى (تحريم الإمامة على الضعيف عن القيام بحق الجهاد والنهوض بأعبائه، وفي "صحيح مسلم" و"مسند احمد" وغيرهما من حديث "ابي ذر" رضي الله عنه ان رسول الله صللم قال له (اني اراك ضعيفا لاتأمرن ّعلى الناس ولا تولن مال يتيم)[46]

وقال: (وقد ثبت وصح نهي مثل "أبي ذر" رضي الله عنه عن العمالة الصغرى حتى على اثنين دع عنك الإمامة الكبرى على جميع المسلمين لمجرد ضعفه رضي الله عنه، مع الورع الشحيح والعلم الكبير والمناقب الجمّة... ولابد من معرفة نكتة نفيسة تنبني عليها هذه المسئلة وإلا أدى ذالك الى الغلط على كثير من الأئمة الذين لم تظهر شوكتهم وذلك ان الضعف امر نسبي لا حقيقي، ومعنى ذلك ان كل قوي ضعيف بالنظر الى من هو اقوى منه، وكل ضعيف قوي بالنظر الى من هو اضعف منه، والقوي على الإطلاق الذي لا يلحقه ضعف بوجهٍ من الوجوه هو الرب سبحانه وتعالى؛ فيجب ان يكون الإمام الضعيف المحرّم عليه القيام بالامر هو الضعيف بالنظر الى اهل زمانه الذين يصلحون لهذا الأمر، وكذلك القوي هو القوي بالنظر الى اهل زمانه لأناّ لو اعتبرنا مثل قوة "علي" عليلم أو من يليه من الأئمة لتعطل الجهاد، واستولى اهل الكفر والفساد، ونحن انما حرمناّ ولاية الضعيف من خوف ذلك مما ادّى الى ذلك فهو المحرّم فعلى هذا انما كان ضعف "ابي ذر" بالنظر الى من عاصره والله اعلم.)[47]

(3)

ثم ختم الكتاب على اصل الكلام في الإمامة وشرائطها  وقال أن أن اهل العلم اعتمدوا في ذلك على أمرين:

(احدهما وهو المعتمد في الحقيقة أن الله عز وجل نص في كتابه المبين على الأمر بطاعة أولي الأمر وعطف ذلك على الأمر بطاعته وطاعة رسوله عليلم،[ص] وذلك يقتضي ان طاعة اولي الأمر للوجوب بإتفاق المختلفين لأنه معطوف على الأمر بطاعة الله ورسوله صللم وهو للوجوب وهذ قرينة تدل على انه للوجوب عند من يقول انه للندب وعند من يجيز ورود اللفظة الواحدة لمعنيين فإنهم الجميع لا يجيزون ذلك مع قيام العربية  بغيره، ويعضد ذلك ما جاء في الأحاديث الصحيحة الصريحة من وجوب طاعة الأمير وأولي الأمر ان كانوا هم الأئمة خاصة فلا اشكال، وأن كانوا اعم من الأئمة بحيث يدخل فيهم ولاة الأئمة فأقوى للإستدلال.)[48]

(والأمر الثاني مما اعتمده المحققون  في باب الإمامة النظر في أصلها في العقل قبل ورود الشرع والصحيح أنها حسنة عقلا، بل واجبة عقلا، ولذلك فزع العقلاء الى الرئاسة قبل الشرع، والصحابة إلى الخلافة بعده من غير نص لما في النظر من الضرورة اليها فيجوز فيها كل ما لم يمنعه الشرع) [49].

(4)

واضح أن هدف الكتاب من ذلك كله هو تقرير صحة بيعة الإمام المنصور لاستحقاقه شرط العلم وأنه أنهض، وأنه تقي فاجتمعت لدى المؤلف كل شروط الخلافة فيه، وكانت هذه الدراسة التي قدمها في هذا الموضوع في غاية الامتاع السياسي.

ولكي تتم الاحاطة بمناحي الكتاب فإنه لابد من الإشارة هنا إلى أن اشتراط الانهضية لا يعني عنده إلغاء شرط العلم فهذا الشرط ضروري  بل محتم لكنه عارض اشتراط الاجتهاد، وعنده أن الأنهضية مع العلم والصلاح هي الأهم. ومن ثم كان المنصور عندما بويع بالخلافة مستوفيا شروطها العلمية لأنه ذكر عن من خالط الإمام في أول خلافته فقال: (سمعت من غيري فيما فاتني من مجالسته عليلم في اوائل خلافته مثل مارأيته وحدثني حي الفقيه الحافظ "حسن بن محمد القرشي العلفي" انه سمع عليه "الجامع الصحيح" كلّه في مدّة قريبة احسبه حكى لي انه كان يسمع في يومه جزءا كاملا من اجزاء نسخته عليه السلام، وكان حي الفقيه يتعجب من جودة قرأته واستقامة لسانه وعدم وقوع اليسير من اللحن في قرأته، مع سرعة القراءة وكثرتها، وقرأ علوم الأدب على السيد العلامة عماد الدين "يحيى بن القاسم العلوي" رحمه الله تعالى وسمع {القرآن الكريم} وانا في حضرته الشريفة على الفقيه المقري الحافظ جمال الدين "محمد بن داوود")[50]

أما بعد أن خالطه هو فقال في شهادته عنه (ولقد شاهدتُ من عُلومه ومعارفه مالا يتسع له هذا الموضع ولا يصدّق به الاّ مؤمن منصف، وسمعت منه عليلم انه سمع "شفاء الأوام" واكثره على والده الإمام "الناصر" عليهما السلام. وقد سمعنا عليه اربعة مجلدات ويقضي المجلد الخامس في التفسير من سنن الحافظ "البيهقي" الكبرى بإجازة "العلوي" له، وسمعتُ منه من المباحث في التفسير وغيره مالم اسمعه من جميع من قرأت عليه، وكنّا نرجع اليه عند الإختلاف ومتى خالفناه في الضبط وجدنا الصواب ما ذكره عليلم دون ما ذكرناه كلنا غالباً او دائماً)[51].

وقال: (واليه المنتهى سلام الله عليه في معرفة كتاب الله تعالى تلاوةً وتفسيراً وتعظيماً وتوفيراً مع الورع الشحيح، مع العمل بالعلم الصحيح، والتوقف عند متشابهه كما هو قول أمير المؤمنين "علي بن ابي طالب" عليلم والكلام في هذا يطول وقد بسطته في غير هذا الموضع) [52]

وعلق الشوكاني على ذلك بقوله: وناهيك (هذا من مثل هذا المجمع على إمامته في جميع العلوم)[53] وهي شهادة عظيمة ولا شك فكونه شيخ ذلك المجتهد المطلق شهادة تقدير.

(5)

والحق أن اختيار الإمام المنصور "علي بن صلاح الدين" كان موفقا من كل الوجوه. إذ مالبث بحسن إدارته وعدله ورفقه أن انتزع من خصومه شهادة اعتراف بحقه بعد فترة من الشقاق ما كان أغناهم عنها. فقد  قوم الإمام الهادي "عز الدين بن الحسن" المتوفى عام 900 / 1494 في كتابه "العناية التامة بتحقيق مسائل الإمامة" أحداث هذه الفترة بقوله: (والذي ظهر لنا-والله يحب الإنصاف-أن فراستهم فيه صدقت.. وانه بلغ في أحكام السياسة وإحكام الرياسة والاستقلال بالنظر في الأمور.. لها مبلغا عظيما لا مطمح وراء5)[54]

وعلق الزحيف على  هذا التقويم  بقوله أنه كان (كالحجة في موضع النزاع والخصام لأنه سبط أحد الأئمة الثلاثة الذين تجاذبوا ذلك الزمام) [55]

وقوَم الإمام المهدي نفسه عندما جاءه البشير بموت الإمام على بن صلاح الدين فقال: (بما تبشرون؟ كان هذا الرجل حافظا لهذا المذهب وأهله، فاليوم انهد ركنه)[56]

وقوم السيد "صارم الدين إبراهيم بن محمد الوزير" في بسامته هذه الدراما بقوله:

هذا إمام جهاد لامراء به                وذا إمام اجتهاد ثاقب النظر

وقوم الإمام الشوكاني هذا الموقف من اختيار المنصور (لكونه ناهضا بالملك وإلا فهو لم يكن قد نال من العلم في ذلك الوقت ما هو شرط الإمامة عند الزيدية. ولكن جعل الله في هذا الرأي الخير والبركة، فانه ولى الخلافة وحفظ بيضة الإسلام ودفع أهل الظلم واحسن إلى العلماء وقمع رؤوس البغي وانشغل بالمعارف في خلافته حتى فاق في كثير من المعارف)[57]

كان في اختيار "المنصور" للقيادة السياسية الخير والبركة على النضال السياسي، وكان في ابتعاد الإمام "المهدي" عنها الخير والبركة على الفكر اليمني نفسه. فلو انصرف "المهدي" إلى السياسة لما قام به المنصور ولما أثرى الفكر اليمني بتلك الينابيع الثره الذي سقى به الحقول المتنوعة.

الخاتمة

(1)

خرج المؤلف الكبير من بحثه بهذه النتائج التي ترى. وقد يقول قائل أن الوقائع التاريخية عن الخلافة الراشدة لا تلزم من لا يقول بإمامة الراشدين، ومن ثم فإن مضرب المثل بالراشدين لا يغدوا حجة عليهم، ولا يسقط شرط الاجتهاد ما دام وهم لا يقرون إمامة الثلاثة الخلفاء، لكن حجة المؤلف "بسعد بن عبادة" لا تبق للمعترض أي حجة، فكل الذين اعترضوا على سعد إنما اعترضوا عليه بهيمنة قبيلة قريش لا بالاجتهاد.

وربما كان السبب بالتمسك بالاجتهاد نابع عند أتباع الإمام "علي" من أنه عليه السلام  كان أعلم الخلفاء الراشدين؟ ولأنه كذلك فقد تمسكوا بالاجتهاد واشترطوه.

وقد يكون من أسباب اشتراط الاجتهاد أن مرجع الحدود الشرعية قد أصبحت من حقوق الإمام، فوجب نتيجة لذلك حتمية أن يكون عالما بالشريعة متبحرا فيها حتى يبت فيها، وتفرع من ذلك أن اصبح للإمام ليس فقط حق الإجتهاد، بل وحق العمل باجتهاداته هو. ومن هنا كان اشتراط الاجتهاد في الإمام والعمل باجتهاداته تقليص لصلاحية القضاة.  

أما عدم اشتراط الاجتهاد للإمام فقد أدى إلى تفعيل اجتهاد القاضي واستقلال القضاء عن السلطة السياسية كما كان الحال في خلافة الراشدين. وبالرغم من مكانة الإمام "علي" العلمية إلا أنه ابقى القضاء مستقلا.

من موقع أخر اسفرت ابحاث المؤلف أن كثيرين من علماء الزيدية لا يقولون بالاجتهاد شرطا، وإنما بالعلم، ومن ثم فيمكن التسليم بأن المنصور (لم يكن قد نال من العلم في ذلك الوقت ماهو شرط الإمامة عند الزيدية)[58] وهو الاجتهاد لكنه لم يكن خاليا من العلم المطلوب الذي يشترطه المؤلف وأمثاله، ثم توسعت معارفه حتى بلغ شأوا عظيما في العلم. وبيعته قد تمت وفق رأي كثير من العلماء المجتهدين الزيود كما رأينا، لكنها لم تتم على وفق ما توصل إليه المتأخرون من ضرورة الاجتهاد.

وليس من شك أن اشتراط الاجتهاد قد أدى إلى أن تبقى القيادة العلياء في يد أكابر العلماء، بحيث كان الإمام هو أعلم عصره، أومن أعلم عصره، وقد قال الإمام "يحيىحميد الدين" قبح الله إماما يدخل عليه من هو أعلم منه.

وليس من شك أيضا أن شرط الاجتهاد قد أدى- بحكم المنافسة السياسية بين العلماء الكبار- أن يسعى كل طامح إلى أن يكون أعلم أهل عصره، وهو طموح محمود يخلق نخبة متميزة. ومن محاسن هذا الشرط أنه أدى إلى كثرة العلماء وتساويهم في العلم، ومن ثم حق كل واحد في الخلافة،  مما اضطر إلى حلق قاعدة المناظرة والامتحان والاختبار لاختيار الأفضل منهم. وهذا تطور مفيد.

ولكن الاجتهاد مع كل محاسنة يظل ميزة شخصية ومفيدة لكن يمكن أن يقوم بها القضاة، بخلاف الانهضية فهي ميزة لايملكها إلا الموهوبون ولا يقوم بها غيرها، ومن هنا فتقديم الاجتهاد على الانهضية ليس دائما على صواب، إذ ان كثيرين من الأئمة المجتهدين لم يكونوا يحسنون الإدارة، أو لم يدفع بهم علمهم إلى فتح آفاق جديدة. بينما يحل القضاة محل الاجتهاد عند الأنهض العادل.  

والرأي الذي أراه هو أن الاجتهاد الديني وحده لا يكفي، إذ الحكم إدارة وإبداع وليس مجرد فتاوى هي إلى طبيعة القضاء والقضاة أقرب.

(2)

وليس من شك أن قاعدة الأنهض هي من القواعد الرئيسية في النظرية الهادوية. وبالأخذ بها حدث تطور هام لا بأس فيه إذ جعل الكفاءة الإدارية الصالحة تسبق الأجتهادية غير المؤهلة إداريا.

لكن هناك خلل يلاحظ على قاعدة الأنهضية التقية من الناحية العملية لأن التقوى أمر غيبي لايُعرف إلا عند التطبيق. وقد كان "عبد الملك بن مروان" يُسمى حمامة المسجد وكان لا يترك قراءة المصحف، فلما بويع بالخلافة أغلق المصحف برفق وقال: هذا فراق بيني وبينك. وسواء أصحت هذه الرواية أم لم تصح فإن التظاهر بالتقوى كثيرا ماينكشف عن سراب خلب أو عن أنياب حداد. وبغياب المؤسسات الحامية سقطت الأنهضية التقية –لأنها بدون حماية - في فخ الأنهضية القوية التي ابقت كل صلاحيات الأنهضية التقية بين يديها لتدعم حكم القوة والجبروت.

أما اشتراط الأنهضية مطلقا بدون شرط التقوى والعدل فقد أدى إلى فتح الباب أمام المتغلبين الجهلة الأقوياء الذين لا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر، كما يؤدي إلى تسهيل أمر الوراثة. لذا وجب الاحتراز في الشرطين؛ فالاجتهاد مع الأنهضية والأنهضية مع التقوى أمر حتمي، ومتى تم ذلك فقد استوفى الأمر حقه. لقد أسس كثيرا من الدول أشخاصٌ كبني عثمان في الماضي و كمحمد علي الكبير في الزمن الحديث بدون علم ولا اجتهاد. وليست العيوب التي رافقت تلك الدول إلا من نقص في تقوى قادتها وعدلهم، مع أنهم يتحلون بالأنهضية المجردة. من هنا على الأمة أن تشترط العلم والأنهضية والتقوى والعدل وتسهر على المحافظة عليها.

وهكذا نرى أن شرط الاجتهاد، أو شرط الأنهضية في واقع الأمر أو غيرهما من الشرزط الرفيعة لم تحقق سلوكا سياسيا ثابتا ولا منهجا مستمرا، فكانت دائما ياستثناء حالات معدودة تسقط في فخ المتغلب الأقوى. ومن المؤكد أن تلك القواعد السياسية كانت تقع في فخ العبث والاستغلال.

ولكي تصان تلك القواعد والنظريات والمواصفات والشروط فلابد من قيام مؤسسات سياسية ذات قرار مكين تظل تبني وتراقب وتحمي، لكن المؤسف أن تلك النظريات الجميلة والرائعة التي حملها المذهب الزيدي بقيت شعارات مرفوعة بدون أن تتأطر في شكل مؤسسي يبني ويحمي. ومن ثم فقد فقدت مزاياها بفقد من يمثلها، ولو أنها أطرت في مؤسسات أو هيئات ذات نفوذ وقرارات لتغير الحال، ولما سمح للأقوى أن يحل محل الأنهض والأعلم كما حدث في عصور الجبابرة أو المتغلبين. كما كان الحال مع  المهدي "عبد الله بن أحمد" وأبيه وجده.

وبسبب غياب المؤسسات التي تبني وتراقب وتحمي فقد تحولت الأنهضية حجة للمتغلبين الأقويا من الأئمة الجهلة والسلاطين والملوك، فاعتمدوها مبررا لقيامهم وتغطية عريهم العلمي الفاضح. ولم يكن فيهم ناهض تقي كما يقضي بذلك شرط الانهضية التقية. وإنما كان فيهم القوي الظالم، أو المتغلب العابث.

ونحن الآن في هذا العصر الذي توسعت فيه آفاق العلم وتنوعت، ولم تعد الدراسة الدينية وحدها، ولا الاجتهاد وحده، ولا الأنهضية وحدها، ولا بقية المفردات القديمة كافية لمتطلبات العصر، فلا بد أن يكون القائد على دراية واسعة بالاقتصاد، والاجتماع، وعلم السياسة الخ إلى جانب تفقهه في الدين، أي ملما بحاجة عصره حتى يكون قادرا على التعاون مع مؤسسات المجتمع المدني، الذي من المفترض أن تكون قد وجدت وحكمت.

 

 

 

 



[1]  

[2]  حاشية من الأصل: يباض في الأم.

[3]  لعله واضحة المناهج وفاضحة الخوارج

[4]  الحسام المشهور ورقة 1

[5] غاية الأماني 2: 537

[6] غاية الأماني 2: 537- 538.

[7] مآثر الأبرار 256. غاية الأماني2: 537

[8] غاية الأماني 2: 537

[9]  يحيى بن الحسين: المستطاب2: 6.

[10] غاية الأماني 2: 536

[11] تاريخ بني الوزير 258 أ

[12] يحدد الشوكاني مولد المهدي باليوم والشهر والسنة الاثنين 7 رجب 775/ لكن ابن الوزير فى (الإبريز 43) والكبسي في (اللطائف 03 1) والحبشي في (حكام اليمن 173) يذهبون إلى انه ولد عام 764/ وعليه فيكون عمره 26 عاما عندما بويع. والمهدي قد ذكر أنه لا يصلح للخلافة لصغر سنه. وليس ابن الثلاثين بصغير السن. ولو كان عمره في تلك السنة قد أوفى على الثلاثين لما شكلت أمامه عقبة ولربما رشحه الإمام صلاح الدين نفسه لمكانته العلمية. أما المنصور علي فقد ولد في عام 775(البدر الطالع1: 487) وعليه فيكون عمره وعمر المهدي عتد الشوكاني 18 عاما عندما ادعيا الخلافة.

[13] البدر الطالع1: 487

[14] البدر الطالع1 : 486

[15] البدر الطالع: 486

[16]  البدر الطالع1: 382

[17] المستطاب 2: 6-7 نسخة

[18] البدر الطالع 1: 382

[19] غاية الأماني2: 539-547

[20]  ذكر ابن الوزير انه (كان رجلا كثير العبادة والزهد والتقشف في المطعومات والملبوسات لا يلبس إلا القطن. ولا يأكل من الطعام إلا المعتاد والمحتاج إليه، وان أكل شيئا عن الفاكهة استغنى بها عن الطعام) ويصف تعبده وتدينه بقوله أن (له أوراد لا ينقطع أبدا لا في سفر ولا إقامة، وصلوات ووظائف عظيمة) فيقول (ولم يضع حجرا على حجر ولا خلف من المال شيئا يعول عليه. قسمت تركته من مأتي أوقيه) (تاريخ بني الوزير 240- 245 أ)

[21] وقد حذف الزحيف تلك الأسماء كما رفض أن يشير إلى السبب الذي أدى في نظر ابن المهدي إلى بيعة علي بن المنصور لأن (فيها طرف طعن على الجماعة لا أحب ذكرها هنا لبنائي هذا الشرح على عدم أذية أحد من العترة ولا من شيعتهم ولا من سائر المسلمين) " وليته لم يخضع لهذه "التقوى التاريخية" وإلا كنا وجدنا فيها خيرا يضيء الطريق.

[22] الحسام المشهور ورقة 1

[23] الحسام المشهور ورقة 2

[24] الحسام المشهور ورقة 2

[25] الحسام المشهور ورقة 2

[26]  الحسام المشهور ورقة 2

[27]  الحسام 4

[28]  الحسام 5

[29] الحسام 8. وقد توسع أحمد بن عبد الله الوزير في ما ذكره بن ابي النجم فقال في ( كتابه "الذريعة" على أن الإمام المطهر بن يحيى وولده محمد مقلدان. وحكى جواز ذلك عن عدة من العلماء، وهو اختيار من اتبع الإمام المنصور من العلماء مثل القاضي عد الله ونص على ذلك في كتبه [أي القاضي عبد الله] في حق الإمام "محمد بن المطهر" والإمام "علي بن محمد" وولده  وولد ولده، حتى أن بعض أولاد القاضي كشط ذلك من كتابه "شريدة الغواص على خلاصة الرصاص " حياء من الإمام)تاريخ بني الوزير 251أ

[30]  الحسام 8

[31]  الحسام 8

[32]  الحسام 9

[33]  الحسام 9

[34]  الحسام 9

[35]  الحسام 9

[36]  الحسام 10

[37]  الحسام 10

[38]  الحسام 9 -10

[39]  الحسام 11

[40]  الحسام 11

[41]  الحسام 11

[42] الحسام 12

[43] الحسام 13

[44]  الحسام 10

[45]  الحسام 14

[46]  الحسام 15 ولم يكن أبو ذر بعد ذلك ضعيفا فقد جالد دون رأبه وربما ولعل الحديث من صنع خصومه

[47]  الحسام  15

[48]  الحسام 16

[49]  الحسام 16-17

[50]  الحسام 6

[51]  الحسام 6

[52]  الحسام 6

[53] البدر الطالع1: 478

[54]  مآثر الأبرار 246

[55]  مآثر الأبرار 246

[56]  مآثر الأبرار 246

[57]  البدر الطالع1: 478. وقد قدمنا أن القول بأن اختيار الإمام المنصور لم يكن مخالفا للمذهب الزيدي لأن كثيرين منهم ما كانوا يشترطون الاجتهاد في العلم. ولست أدري كيف غفل عنها الإمام الشوكاني. وهو رأيه وقد تولى لخلفاء جهلة وظلمة.

[58]  البدر الطالع1: 487

جميع الحقوق محفوظة لمركز التراث والبحوث اليمني 2011 - 2012 ©