الدراسات والبحوث

الدكتور زيد بن علي الفضيل الدكتور زيد بن علي الفضيل

  • ولد في الطائف 1386هـ / 1967م.
  • حاصل على بكالوريوس تاريخ كلية الأدب، جامعة الملك سعود بالرياض، ماجستير في التاريخ الحديث المبكر حول منطقة جنوب غرب الجزيرة العربية (اليمن) في الفترة ما بين (912 - 965هـ) من جامعة الملك سعود بالرياض، يعمل على انهاء رسالة البحث لنيل درجة الدكتوراة في التاريخ الحديث من قسم التاريخ بكلية الآداب – جامعة الملك عبدالعزيز بجدة.
  • شارك بالعمل الصحفي الثقافي والكتابة في كل من جريدة الرياض، والمدينة، والندوة، علاوة عل الشرق الأوسط، والحياة اللندنيتين، ومجلة الحج والعمرة، واهلا وسهلا.. بمقالات تاريخية وسياسية واجتماعية، كما شارك في العديد من البرامج الفضائية حول الشأن المحلي السعودي والعربي وبخاصة فيما يتعلق بالشأن اليمني على النطاق السياسي والاجتماعي.
  • عضو الجمعية التاريخية السعودية.
  • عضو جمعية تاريخ وآثار دول مجلس التعاون.
  • عضو صالون  الروضة الثقافي والاجتماعي المؤسس.
  • المشاركة في العديد من المؤتمرات العلمية المحلية الاقليمية.
  • إلقاء عدد من المحاضرات والمشاركة ايضاً في بعض الصالونات الثقافية بمدينة الرياض وجدة.
  • المشاركة في العديد من اللقاءات والمؤتمرات المحلية والخارجية.

الزيدية: علامات وأفكار ..الخصائص الفكرية والمؤثرات الثقافية

2011/5/16
- ترجمة :
- التبويب : -

النشأة والتكوين
تنسب الزيدية[1] إلى الإمام زيد بن علي بن الحسين ابن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين المتوفى بالعراق سنة 122هـ/739م، ويعتقد الزيديون أن نسبتهم إلى الإمام زيد ما هي إلا نسبة اعتزاز وافتخار لا نسبة تقليد كلي كما هو الحال لدى المذاهب الأخرى، ذلك أن الإمام زيد -من وجهة نظرهم- ليس أولى بالتقليد من غيره من أئمة آل البيت المعاصرين له، ولا أنه أولى بالتقليد من الإمام القاسم بن إبراهيم المتوفى سنة 246هـ/859م، أو حفيده الإمام الهادي إلى الحق يحيى ابن الحسين المتوفى سنة 298هـ/910م، أو غيرهم. كما وفي المقابل، فإن الزيدية تُحرِّم التقليد على كل عالم مجتهد، علاوة على أن هذه النسبة لم يطلقها الإمام زيد على نفسه، ولا أطلقها أتباعه من بعده أيضاً على أنفسهم، بل أطلقها الحكام الأمويون على كل ثائر علوي عليهم من آل البيت، ليصبح شعاراً رسميًّا للفريق القائل بحتمية الخروج على الحاكم الظالم من وجهة نظرهم بعد ذلك[2].
وعليه فقد أطلقت كلمة الزيدية على العديد من أئمة آل البيت، ومن تابعهم أو وافقهم في الاعتقاد:
* بعدل الله المطلق.
* وتوحيد الله في ذاته وصفاته دون تجسيم أو تشبيه أو تعطيل.
* وأفضلية الإمام علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) وأولويته بالإمامة.
* والقول بإمامة الإمام زيد بن علي.
* واستحقاق الإمامة بالفضل والطلب لا بالوراثة أو القوة.
* ووجوب الخروج على الحاكم الظالم في حال توفر الشروط اللازمة لذلك، المقررة في كتبهم.
* والقول بجواز إمامة المفضول مع وجود الأفضل منه[3].
أمّا ما عداها من الأمور فكلٌّ وما أدّى إليه نظره؛ ويمثل إجماع أئمة آل البيت بالنسبة للزيدية المصدر الثالث من مصادر التشريع الإسلامي، من بعد الكتاب، والصحيح من السنة النبوية[4].
وتحتل مسألة الإمامة الجانب الأكبر في ثنايا الكتب والمؤلفات الزيدية، حيث شكّلت فارقاً جوهريًّا بينهم وبين مختلف الفرق الشيعية والسنية على السواء.
ذلك أنها [أي الإمامة] -ومن بعد استحقاق الإمام علي وولديه الحسن والحسين رضوان الله عنهم بالنص الخفي المؤول من وجهة نظرهم- لم تنحصر في أحد بعينه، كما لا يرتكز بناؤها على الوراثة، ولا تقوم بالوصية، وإنما بالترشيح من قبل الشخص العارف من نفسه الأهلية والصلاحية عبر إصداره لمنشور الدعوة الذي يوضّح فيه موجبات دعوته وصحة أهليته للقيام بأمر الإمامة، ويبيّن من خلاله منهجه العملي، وعند ذلك يجتمع رجال أهل الحل والعقد لمناقشته إن كان غير معروف لديهم، ومن ثم يتشاورون فيما بينهم لبيان مدى استحقاقه لتولي الأمر، فإذا ارتضوه بايعوه، وإذا لم يرتضوه نظروا فيمن يصلح للخلافة والإمامة فيرشحونه لذلك[5]. كما تقرر الزيدية عدم العصمة للإمام، ومن أجل ذلك فهم يقررون عزله إن خان أو أصابه عجز.
وتشترط الزيدية في الإمام توفر عدد من الشروط وهي: علاوة على ما يقرره علماء السياسة الشرعية من:
1) الإسلام.
2) البلوغ.
3) العقل.
4) الذكورة.
5) الحرية.
6) سلامة الحواس والأطراف.
7) أن يكون مجتهداً مطلقاً.
8) عدلاً.
9) سخيًّا.
10) مدبراً.
11) مقداماً.
12) لم يتقدّمه مجاب الدعوة (أي من يصلح للإمامة).
13) أن يكون علويًّا فاطميًّا، وهو شرط أولوية لدى أغلبهم وليس شرط وجوب[6].
وبالرغم من أن فقهاء السياسة الزيدية قد تطابقوا في رأيهم القاضي بشرط العلوية الفاطمية لتولي أمر وواجبات الإمامة مع فقهاء السياسة الشرعية في مذاهب أهل السنة قاطبة، المشددين على وجوب تحقق شرط القرشية في النسب لصحة الخلافة الشرعية[7]، إلا أنهم لم يتشددوا في ذلك بصورة مطلقة، حيث جعلها الفقهاء الزيديون شرط أولوية لا شرط وجوب، فاتحين بذلك باب الاجتهاد في هذه المسألة، ومؤكدين على رفض مبدأ التوارث في الحكم، باعتبار أن تولي الإمامة لا يكون إلا بالفضل والاستحقاق، وليس بالنسب والوراثة، منطلقين في ذلك من معطيات مادية ومعنوية عديدة مبيَّنة في مجمل كتبهم الشرعية[8].
وهو ما انعكس أخيراً في كثير من تجليات أفعالهم السياسية خلال حقبة العهد الجمهوري في اليمن، التي أيّد فيها العلماء الزيديون قاطبة أمر تولي ولاية الأمة للكفء من أبناء اليمن، الذي يتم ارتضاؤه بوسائل الاختيار الديموقراطي، بغض النظر عن نسبه وانتمائه[9]. ولم يكتفوا بتسويغ ذلك نظريًّا، بل عمدوا إلى المشاركة الفاعلة في نظام الحكم الجديد، وتولي العديد من الوظائف الشرعية والإدارية فيه.
وقد عد العلماء مجموعة من الأئمة باعتبارهم مؤسسين رئيسيين للمذهب الزيدي وهم:
* الإمام زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب المتوفى سنة 122هـ/739م.
* الإمام محمد النفس الزكية بن عبد الله الكامل (ت 145هـ).
* الإمام الحسين الفخي بن علي بن الحسن المثلث (ت 169هـ).
* الإمام يحيى بن عبد الله الكامل (ت 175هـ).
* أخيه الإمام إدريس بن عبد الله (ت 175هـ).
* الإمام محمد بن إبراهيم طباطبا بن إسماعيل الديباج (ت 199هـ).
* الإمام محمد بن سليمان بن داود بن الحسن المثنى المتوفى سنة 200هـ.
* الإمام محمد الديباج بن جعفر الصادق (ت225هـ).
* الإمام إبراهيم بن موسى بن جعفر الصادق (ت بعد عام 200هـ).
* الإمام القاسم بن إبراهيم الرسّي المتوفى سنة 246هـ.
* الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بن القاسم الرسي المتوفى سنة 298هـ.
* الإمام الناصر لدين الله الحسين الأطروش بن علي بن الحسن بن عمر الأشرف ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (ت سنة 304هـ) وهو المؤسس للمذهب والدولة الزيدية في خراسان (منطقة طبرستان والجيل والديلم)[10].
ويعتبر الإمام يحيى بن الحسين ابن الإمام القاسم بن إبراهيم الرَّسِّي الملقب بالهادي إلى الحق، الذي كانت قد تركزت في شخصيته زعامة آل البيت الفكرية والقيادية في الحجاز[11]، المؤسس لدولة الأئمة الزيدية باليمن، حيث توجه إلى اليمن قادماً من قرية «الدور» بمنطقة وادي الفُرْع في الجنوب الغربي من المدينة المنورة سنة 284هـ/897م[12]، بدعوة من بعض زعماء القبائل اليمنية ليقوم بحل المنازعات والحروب التي استشرت بينهم، وليكون عمودهم الديني والسياسي الذي يرتكزون عليه، خاصةً وأنه قد انتشر في اليمن خلال تلك الفترة أتباع المذهب الإسماعيلي بزعامة الدَّاعيين الحسن بن حوشب (منصور اليمن) وعلي بن الفضل الخَنْفَري، اللذين تمكنا من بسط نفوذهما على معظم المناطق اليمنية، وفشل الزعامات القبلية اليمنية من التصدي لذلك التوسع أيضاً، وبخاصة مع احتدام النزاع فيما بينها حول مقاليد السلطة، حيث استحوذ النزاع في الغرب من صنعاء بين الشَّرَاحِيين وبني زياد وغيرهم بهدف السيطرة على المناطق التهامية. وفي شمال صنعاء احتدم الصراع بين قبيلة بَكِيْل، بزعامة الدَّعام بن إبراهيم، وقبيلة حاشد بزعامة آل الضَّحاك. وفي منطقة صَعْدَة اشتد النزاع بين بني سَعد، برئاسة آل أبي فَطِيمَة، وقبيلة الرَّبيعة.
ولذلك كان أول عمل قام به الإمام الهادي هو توحيد الجبهة اليمنية، بفض المنازعات بين القبائل، آخذاً في تقرير ملامح سياسته الشرعية التي جعلت من الأسس الإسلامية أساساً تستند إليه حسبما ورد في خطبته حيث قال:
«أيها الناس، أدعوكم إلى ما أمرني الله أن أدعوكم إليه، إلى كتاب الله وسنة رسوله، وإلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فما جاء به الكتاب اتَّبعناه، وما نهانا عنه اجتنبناه، وإلى أن نأمر نحن وأنتم بالمعروف ونفعله، وننهى نحن وأنتم عن المنكر جاهدين ونتركه».
ثم اشترط على نفسه عدة شروط فقال:
«أيها الناس، إني أشترط لكم أربعاً على نفسي: الحكم بكتاب الله وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم)، والأثرة لكم على نفسي فيما جعله الله بيني وبينكم، أؤثركم فلا أتفضَّل عليكم، وأُقَدِّمَكم عند العطاء قبلي، وأتقدَّم أمامكم عند لقاء عدوي وعدوكم بنفسي. وأشترط لنفسي عليكم اثنتين: النصيحة لله سبحانه وإليَّ في السِّر والعلانية، والطاعة لأمري على كل حالاتكم ما أطعت الله، فإن خالفت طاعة الله فلا طاعة لي عليكم، وإن مِلت وعدلت عن كتاب الله وسنة رسوله، فلا حُجَّة لي عليكم»[13].
بهذا تكوّنت دولة الأئمة في اليمن، فأوجدت لها مكانة راسخة في نفوس كثير من اليمنيين، وتتابع عديد من أئمتها آخذين على عاتقهم مهمة توحيد اليمن، في ظل دولة سياسية تعيش حُرَّية فكرية بما لا يتعارض مع الثوابت من الشريعة الإسلامية، متخذين من مدينة صَعدَة عاصمة دينية وسياسية، وجاعلين مدينة صنعاء عاصمة سياسية لهم متى سيطروا عليها، ومن أبرز أولئك الأئمة الذين رسَّخوا قواعد الدولة، وكانت لهم أثارهم البارزة في تشكيل الحياة السياسية والفكرية عبر مختلف الحقب التاريخية:
* الإمام محمد المرتضى ابن الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين، وقد تنازل عن الإمامة لصالح أخيه أحمد الذي تلقب بالناصر لدين الله، وتوفي سنة 310هـ/922م.
* الإمام الناصر لدين الله أحمد ابن الإمام الهادي إلى الحق يحيى (دعوته301هـ،وفاته325هـ/913-936م).
* الإمام المنصور بالله يحيى ابن الإمام الناصر لدين الله أحمد (دعوته325هـ،وفاته366هـ/ 936-976م).
* الإمام الداعي إلى الله يوسف ابن الإمام المنصور بالله يحيى (دعوته368هـ، وفاته403هـ/978-1012م).
* الإمام المنصور بالله القاسم بن علي العياني (دعوته 388هـ، وفاته 393هـ/ 998 - 1002م).
* الإمام أبو الفتح الديلمي[14] الناصر بن الحسين بن محمد (430 - 459هـ/ 1038 - 1066م).
* الإمام المتوكل على الله أحمد بن سليمان (532-566هـ/1137-1170م).
* الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة (583-614هـ / 1187 - 1217م).
* الإمام الداعي إلى الله يحيى بن المحسن (614-636هـ/ 1217-1238م).
* الإمام المتوكل على الله المظلل بالغمام المطهر بن يحيى بن المرتضى (676 - 697هـ/ 1277 - 1297م) .
* الإمام المؤيد بالله يحيى بن حمزة الحسيني (729-749هـ/ 1328-1348م).
* الإمام الناصر للدين صلاح الدين محمد بن علي (773 - 793هـ/ 1371 - 1390م).
* الإمام المهدي لدين الله أحمد بن يحيى بن المُرْتضى (793 - 840هـ/ 1390 - 1436م).
* الإمام المتوكل على الله المُطهَّر بن محمد بن سليمان الحَمْزي (840 - 879هـ/ 1436 - 1474م).
* الإمام الهادي إلى الحق عز الدين بن الحسن بن علي المؤيد (879 - 900هـ/ 1474 - 1494م).
* الإمام المنصور بالله محمد بن علي الوُشَلي السِّرَاجي (900 - 912هـ/ 1494 - 1506م).
* الإمام المتوكل على الله يحيى شرف الدين بن شمس الدين (912 - 965هـ/ 1506 - 1557م).
* الإمام المنصور بالله القاسم بن محمد (ت 1029هـ/ 1619م) ومن بعده ولداه الإمام المؤيد بالله محمد (ت 1054هـ/ 1644م) والإمام المتوكل على الله إسماعيل بن القاسم (1054 - 1087هـ/ 1644 - 1676م).
* الإمام المتوكل على الله المحسن بن أحمد من ذرية الإمام المظلل بالغمام (1271 - 1295هـ / 1854 - 1878م).
* الإمام الهادي شرف الدين بن محمد الحسيني (1296 - 1307هـ/ 1878 - 1889م)، الذي تزامن معه الإمام المنصور بالله محمد بن عبد الله الوزير (1270 - 1307هـ / 1853 - 1889م).
* ومن بعدهم الإمام المنصور بالله محمد بن يحيى (1307 - 1322هـ/ 1889 - 1904م).
* وأخيراً الإمام المتوكل على الله يحيى بن محمد حميد الدين (1322 - 1367هـ/ 1904 - 1948م)، الذي أسس المملكة المتوكلية اليمنية، لتدخل اليمن مع عهده مرحلة جديدة من تاريخها السياسي، تقوم عراها على فكرة الملكية الوراثية، التي عمدت إلى تسويغ فكرة توارث السلطة، وسعت إلى تعميد ذلك على أرض الواقع.
وهو ما رفضه عديد من علماء ومثقفي اليمن خلال تلك الفترة، وسعوا إلى تصحيح طبيعة الوضع السياسي الذي فرض عليهم، وفق أسلوب مؤسسي دستوري، يتوافق مع مرتكزات البناء الرئيسي لنظام دولة الأئمة السياسي، ويتناغم مع وتيرة العمل السياسي المؤسسي الحديث، الذي وضحت آلياته في ثنايا بنود ميثاقه الوطني المقدس (الدستور).
إلا أن جهدهم السياسي، وثورتهم العسكرية التي تم إعلانها سنة 1367هـ/1948م لم تكلل بالنجاح، حيث تمكن ولي العهد الأمير أحمد ابن الإمام يحيى من القضاء عليها، فسجن من سجن، وأعدم من أعدم، وقد مكّنه ذلك من أن يتولى حكم اليمن في الفترة ما بين سنتي (1367 - 1382هـ / 1948 - 1962م)، وخلفه نجله ولي العهد الأمير محمد البدر بن أحمد بن يحيى حميد الدين، الذي سقطت المملكة المتوكلية اليمنية في عهده، إثر أحداث السادس والعشرين من شهر سبتمبر سنة 1962م/ 1382هـ التي آذنت بقيام النظام الجمهوري في اليمن.
وكانت دولة الأئمة الزيدية في اليمن قد عاصرت عدداً من الدول السُّنية المتعاقبة كالدولة الزِّيادية، والنَّجاحية، والصُّليحية، والأيوبية، والرَّسولية، والطاهرية، كما عاصرت من ثم مختلف القوى العثمانية في اليمن خلال العصر الحديث، التي كان ابتداء مجيئها بشكل رسمي سنة 945هـ/ 1538م، وذلك بعد استكمال سيطرتهم على منطقة بلاد الشام ومصر سنة 923هـ/ 1517م، وتبعية شريف مكة أبو نمي الثاني محمد بن بركات (911 - 992هـ/ 1506 - 1584م) للسلطان العثماني سليم الأول في السنة نفسها.

خصائص المذهب الزيدي الفكرية
مع استقرار الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين في مدينة صعدة، واتخاذه إياها عاصمة سياسية له، بدأت المدينة في التحول إلى مركز علمي يؤمها العلماء والشعراء، فقامت بها حركة فكرية خصبة، وثار فيها جدل فكري وسياسي، وأصبحت منارة حضارية يُهاجر إليها من داخل اليمن وخارجه[15]، بغض النظر عن مدى حجم التوافق المذهبي والفكري مع السائد في المدينة، وذلك لما اشتهر عنها من التزام بالشرع، ورعاية للحرمات، وموطن للعدل[16].
وكان ممن هاجر إليها من صنعاء: العلامة أبو نصر الحنبصي، وتلميذه العلامة أبي محمد الحسن بن أحمد بن يعقوب الهمداني، الذي تبلور تكوينه العلمي والوجداني والسياسي بها[17]، علاوة على العلامة نشوان الحميري المتوفى سنة 573هـ/ 1178م، وغيرهم ممن تجذرت خلافاتهم الفكرية مع أئمة المذهب الزيدي في مسائل عديدة، يأتي على رأسها موضوع الإمامة[18]، علاوة على غيرهم من الأئمة الفحول وأقطاب العلماء والشعراء[19]. ثم ما لبثت هذه الحالة المشرقة أن أصبحت ديدن مختلف المدن الزيدية بوجه عام، التي شكّلت معاقل حصينة للعلم والعلماء، وأثمرت عن بروز كمٍّ غزيرٍ ونوعيٍّ من الإنتاج الفكري، الذي لم يكن قاصراً على العلماء والشعراء من أفراد المجتمع وحسب، بل شمل أيضاً جُل أئمة دولة الأئمة الزيدية، الذين تميزوا بغزارة المعرفة وقوة الحجة وفقاً لما تعكسه مؤلفاتهم المعرفية[20].
وقد شكّلت الزيدية نقطة التقاء بين فرق السنة والشيعة، بما تمثله من آراء وأفكار عقدية، واجتهادات وأقوال فقهية، غلب عليها سمت الاعتدال جراء انفتاحها على مختلف المذاهب، ومقتها للانغلاق والتعصب[21].
فهي لم تغالِ في مظاهر تشيعها للإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وآل البيت رضوان الله عليهم بصفة عامة، مع إقرارها بفضلهم وأولويتهم، كما لم تخض بالنقد الهادم والمسرف في أمر الخلافات الحاصلة على عهد الخلفاء الراشدين بشكل عام[22].
من جانب آخر، فقد قالت الزيدية في المسائل العقدية بمقالة العدليين من علماء الكلام، واتفقت بذلك مع العديد من المذاهب الإسلامية السنية والشيعية[23]، كما أنها نهجت في بحثها الفقهي، واستنباطها التشريعي، مناهج مختلف الفرق الإسلامية من الاعتماد على روايات آل البيت المروية بطرقهم الخاصة من جهة، وعلى روايات أصحاب المصنفات المشهورة في الحديث، كالبخاري، ومسلم، والترمذي، وغيرهم، من جهة أخرى[24].
وكان من جراء ذلك أن تباينت الآراء حول تحديد هوية المذهب الزيدي إجمالاً، ليصنفه البعض على أنه أقرب فرق الشيعة إلى السنة، في حين رأى البعض الآخر أنه مذهب سني بملامح شيعية، معللين ذلك بعدم وجود أي غضاضة عند علمائه في عرض دليل غيرهم دون النظر إلى مدى تطابقه مع اجتهادهم، عوضاً عن القبول به وموافقتهم إياه في آليات الاستنباط وإجراء الحكم، وهو ما جعلهم وفقاً لذلك روّاداً لما يعرف بالفقه المقارن منذ أبكر الفترات التاريخية[25].
وبلغ التباين حدَّه، حين اختلفت الآراء حول تحديد هوية بعض علمائه المذهبية، إذ تم تصنيف السيد محمد بن إبراهيم الوزير المتوفى سنة 840هـ/ 1436م، والسيد حسن بن أحمد الجلال المتوفى سنة 1084هـ/ 1673م، والقاضي صالح المقبلي المتوفى سنة 1108هـ/ 1696م، والسيد محمد بن إسماعيل الأمير المتوفى سنة 1182هـ/ 1768م، والقاضي محمد بن علي الشوكاني المتوفى سنة 1250هـ/ 1834م، على أنهم من علماء مذاهب أهل السنة، بسبب ميلهم للأخذ بمقالة أهل الحديث في الاستنباط الشرعي[26]. وبلغ أوج هذا التباين عند بعض الباحثين ليجعل من السيد الوزير، وابن الأمير، والقاضي الشوكاني، رواداً لمدرسة علمية جديدة لا تمت إلى الزيدية بصلة، كما أنها غير تابعة لمنهج أهل السنة، لكونهم قد كانوا «نوعاً مختلفاً من الرجال، ونوعاً مختلفاً من العلماء ورجال الإصلاح الديني، ليشكّلوا ظواهر خاصة لم تكن قائمة في عصورهم»[27]. على أن الرأيين -في تصوري- لم يكونا دقيقين في تشخيص ملامح هويتهم العلمية وفقاً لمقتضيات المنهج الزيدي الذي يفرض الاجتهاد ويمنع التقليد، كما وبحسب رأي الدكتور صبحي «فإن إيثارهم الفقه والحديث على الكلام والجدل، وميل بعضهم إلى مذهب أهل السلف، لا يعني بحال ما تحوّلهم عن المذهب الزيدي إلى غيره أو إلى مذهب جديد، وإنما تلك سمة التفتح في الزيدية على مر العصور سواء في الأصول أو الفرع»[28].
وفيما يتعلق بمسائل الأصول فقد صنفت الزيدية بوصفها تابعاً للمعتزلة حذو القذة بالقذة[29] استناداً إلى تتلمذ الإمام زيد على يد واصل بن عطاء. وهو ما يصعب القبول به على علاته، لكون الأخير كان ممن يُجوِّز وقوع الإمام علي في الخطأ خلال حربه في موقعة الجمل وصفين على وجه الخصوص.
كما أن الخوارج والإمامية تتفق مع الزيدية في مجمل المسائل العقدية، ولم يُذكر أن أحداً من علمائهم قد تتلمذ على يد واصل أو الإمام زيد نفسه، الشيء الذي يدل على أن مرجعية مختلف تلك الفرق تعود إلى أصل فكري واحد وهو الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه بحسب رأي ابن أبي الحديد المعتزلي الذي قال:
«ما أقول في رجل إليه تعزى كل فضيلة، وتنتهي إليه كل فرقة، وتتجاذبه كل طائفة، فهو رأس الفضائل وينبوعها، كل من بزغ فيها بعده فمنه أخذ وبه اقتفى وعلى مثاله احتذى... فالمعتزلة وكبيرهم واصل بن عطاء تلميذ أبي هاشم بن محمد ابن الحنفية، وأبو هاشم تلميذ أبيه، وأبوه تلميذ علي وابنه، وأما الأشعرية فإن أبا الحسن الأشعري تلميذ أبي علي الجبائي أحد شيوخ المعتزلة، وأما الإمامية والزيدية فانتماؤهم إليه ظاهر»[30].
على أن الصلة الفكرية كانت وثيقة بين أئمة الزيدية وعلماء المعتزلة التي بلغت حد المناصرة والمبايعة، حيث نادى واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد بإمامة محمد النفس الزكية[31]، وتتلمذ عدد من أئمة الزيدية على بعض علمائهم لاحقاً، وتوّجت تلك العلاقة بإرسال الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة المتوفى سنة 614هـ/ 1217م دعاته إلى بغداد لاستنساخ كتب ومصنفات المعتزلة الفكرية، لتصبح مكتبات اليمن -من حينه- مخزناً حافظاً لتراث المعتزلة حتى الوقت الراهن[32].
تجدر الإشارة إلى أن التواصل الثقافي بين أئمة آل البيت وغيرهم من أئمة العلم كان واضحاً ومتجدداً، حيث حرص عديد من علماء وأئمة المذاهب السنية المختلفة على الانتهال من علومهم إجمالاً، والتتلمذ على عدد من علمائهم الزيديين من أمثال: سفيان بن عيينة، وسفيان الثوري، وصالح من حي، وولده الحسن، ومقاتل بن سليمان، وغيرهم[33].
ومن ذلك أيضاً ما كان من تتلمذ الإمام أبي حنيفة النعمان على أئمة آل البيت بشكل عام، والإمام زيد بن علي بشكل خاص، الذي كان قد أعلن مناصرته له حال خروجه على هشام بن عبد الملك سنة 122هـ/ 739م، وشبَّه خروجه بخروج الرسول عليه الصلاة والسلام يوم بدر[34]، كما جاهر بانحيازه لآل البيت في خلافهم مع بني العباس، مقرراً أولويتهم بالحكم منهم، صادعاً برأيه في تأييد ثورة النفس الزكية محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، على أبي جعفر المنصور سنة 145هـ/ 762م، وباكياً مصائر العلويين في تلك الثورة وما بعدها، وهو ما أثار النقمة عليه بعد ذلك[35].
كما اعتمد منهجه العلمي في قبول الحديث على رأي أستاذه الإمام جعفر الصادق الذي لم يكتفِ بتحري الرواة وصدقهم، بل اهتم بتحري معاني الأحاديث، ورفض منها ما يخالف القرآن، أو السنة المشهورة، أو مقصداً من مقاصد الشريعة، وهو ما يتعارف عليه أئمة آل البيت بمنهج العرض[36].
وكذلك الحال مع الإمام محمد بن إدريس الشافعي الذي مثّل مذهبه بآلياته الفقهية، حلقة وسطى بين مدرسة أهل الرأي القائلين بتقديم العقل على النقل، ومدرسة أهل الحديث الناصين على أهمية تقديم النقل على العقل، وتجلّت وسطية علماء الشافعية في اليمن وغيره في اختيارهم الأخذ برأي الإمام أبي الحسن الأشعري الذي كان من أبرز تلاميذ الإمام أبي هاشم الجُبائي شيخ معتزلة البصرة[37].
وبالتالي فلم تنتفِ مرجعيتهم لأهل السنة، كما ظلّوا متوافقين في عديد من المسائل الرئيسة مع علماء المعتزلة[38]، مما انعكس إيجاباً على طبيعة علاقتهم الفكرية والمذهبية مع علماء الزيدية إجمالاً، لاسيما وأن الإمام الشافعي كان قد اشتهر بميوله التشيعية للإمام علي وآل البيت، المعلنة في مواضع شعرية ونثرية عديدة، إلى الدرجة التي لم يبالِ فيها بأن يُتَّهم بالرفض بحسب قوله في بعضها[39].
وفي مقابل ذلك فلم يعمل الإمام الشافعي على إخفاء موقفه التاريخي والشرعي من البغاة الذين خرجوا على الإمام علي حال توليه الخلافة، مبدياً صواب قتال الإمام علي لهم وأن قتالهم كان واجباً شرعاً بحسب رأيه[40].
وعزّز من هذا التقارب تتلمذ الإمام الشافعي على أيدي أئمة آل البيت وعلمائهم[41]، وتعلُّمه منهم «أن العقل هو أقوى أدوات الاستنباط حين لا يكون نص، وأنه هو وحده أداة فهم النصوص لا الاتِّباع والتقليد»[42]، وكان لذلك كله وغيره أكبر الأثر في بناء طبيعة العلاقة الإيجابية بين الزيدية والشافعية، بحيث انعكس ذلك إيجاباً على تلاميذ المدرستين، حيث لم يتحرّج أحد أبناء المدرسة الزيدية في طبرستان وهو الرضي بن المهدي من التتلمذ على يد العلامة محمد بن محمد الغزالي الشافعي الأشعري المعروف بأبي حامد (450 - 555هـ/ 1058 - 1160م) ورواية كل مصنفاته[43]، كما لم يتوانَ الإمام المنصور بالله عبدالله بن حمزة (583 - 614هـ/ 1187 - 1217م) عن رواية مصنفات أبي حامد الغزالي أيضاً[44].
وكان من جرّاء ذلك أن حرص الأئمة الزيديون في اليمن على توثيق عرى الوشائج الفكرية مع العلماء الشافعية، وعملوا على الحفاظ على شخصيتهم الفكرية والسياسية حال السيطرة على مناطق امتدادهم الجغرافي، وهو ما لاحظه المعاون السياسي للمندوب السامي البريطاني في عدن الكولونيل هارلود جيكوب Gaikub حين زيارته لليمن سنة 1338هـ/ 1919م بهدف لقاء الإمام يحيى حميد الدين بقوله:
«وكانت عادت الإمام دوماً وما زالت هي تعيين الحكام على الأقاليم الشافعية من الأشخاص الشوافع تحاشياً من إحراج الأحاسيس الدينية والمشاعر المذهبية عند أبناء هذه الطائفة»[45].
ومارسه بعدئذ الإمام أحمد حميد الدين فعليًّا حال توليه إمارة لواء تعز خلال فترة حكمه لليمن، حيث استقر بمدينة تعز قرابة 25 سنة، لم يؤذن فيها بـ«حي على خير العمل» وهو جزء من الأذان عند الزيدية إلا في مسجده الخاص، في الوقت الذي احتفظت فيه المدينة بشخصيتها الاجتماعية والعلمية والمذهبية.
كما وفي المقابل فقد أخذ الصراع العثماني الإمامي في اليمن، بعد ذلك، طابعه السياسي البحت، بحيث لم يتوانَ القادة العثمانيون الأحناف في توثيق علاقاتهم مع القوى الإسماعيلية الشيعية خلال تواجدهم في المرحلة الأولى، وعملوا على الاستفادة منهم حال حربهم للدولة الطاهرية الشافعية، ودولة الأئمة الزيدية، وهو ما لم يستمر خلال تواجدهم في المرحلة الثانية، حيث قاموا بمهاجمة تلك القوى نتيجة لقوتها، وإمكانية تهديدها لمصالحهم.
وفي المقابل فلم تستبعد دولة الأئمة فكرة الانضواء تحت لواء الدولة العثمانية منذ اللحظة الأولى، حيث حملت معظم رسائل الأئمة إلى الولاة العثمانيين عبارات الثناء والدعاء بالنصر والعزة للدولة على أعداء الله عز وجل والرسول عليه الصلاة والسلام، ومن ذلك ما أورده الإمام المنصور بالله محمد المتوفى سنة 1322هـ/ 1904م في معرض رده على رسالة مندوب السلطان عبد الحميد الثاني السيد محمد بن علي الحريري الرفاعي الحموي مفتي حماه بقوله:
«.. نعم، الأمر كما ذكرتم مما وقع بيننا وبين من تعلق بالسلطنة القاهرة أعز الله بها الإسلام، وقمع بها ذوي الإلحاد الطغام»[46].
وكذلك ما أورده الإمام يحيى من بعده في معرض رده على رسالة الشريف علي باشا حاكم الحجاز المرسلة سنة 1324هـ/ 1905م، التي حث فيها على موالاة الدولة العثمانية، حيث أوضح أن حرب الأئمة راجع إلى ما أوجبه الله عليهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جراء بعض أعمال الولاة الفاسدة مثل:
«.. إرهاقهم للرعية، واستخفافهم بسلطان الدين، وولعهم بالجور، ومجاهرتهم بالمنكرات..»[47].
وهو ما أذكى نار المقاومة الأهلية والرسمية في اليمن بحيث لم يفتأ الأئمة عن التذكير بضرورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي أوجبها الله لضمان صلاح المجتمع والأمة[48].
ولذلك فإنه حال اتباع أحد الولاة لقواعد الشرع الحنيف فإن الأحوال السياسية والعسكرية تعود إلى حالتها الطبيعية من الهدوء والوئام، ولعل فترة ولاية حسن باشا تحسين سنة 1327هـ/ 1909م خير دليل على ذلك، حيث وكما يذكر المؤرخ عبد الله العزب في كتابه أن الأحوال قد اتسمت بالهدوء في عهده لكونه:
«كان على جانب عظيم من العقل والذكاء، وحب الإصلاح، فاستطاع بذلك أن يخمد النيران المشتعلة، واختلطت رجال الإمام برجال السلطة العثمانية، واحترم كل فريق الآخر، وكانت أوامر الإمام تنفذ وتقرر في كل مكان من اليمن»[49].
وعلاوة على ذلك فقد أكد معظم الأئمة على أن قيامهم بأمر وواجبات الإمامة وحربهم للعثمانيين ما كان إلا نتيجة للممارسات القمعية، والإجراءات التعسفية التي مارسها الجيش العثماني على الأهالي في اليمن، علاوة على رغبة الولاة في السيطرة الانفرادية على مختلف المقدرات الاقتصادية، والسياسية، دون الاهتمام بمصالح ومعنويات الزعامات المحلية، التي نظر إليها القادة والولاة بشيء من الدونية الاجتماعية، الأمر الذي لم يرفضه اليمنيون فقط، بل وشاركهم فيه كثير من الشعوب العربية والإسلامية.
وعلى ذلك فقد مثلت الزيدية بما تملكه من قدرة على مزج خاصية الفكر بالحراك السياسي عنصراً هامًّا من عناصر التجديد المستمر، وتمكنت بما تختزله من قواعد جوهرية في تكوينها الفكري المؤمن بأهمية الانفتاح، وضرورة احترام العقل، والبعد عن التعصب[50]، من تحقيق خاصية التعايش البنّاء مع مختلف المذاهب والفرق الإسلامية.
فكان إيمانهم الفكري بأن «كلَّ مجتهد مصيب»، وأن «تقليد الحي أولى من تقليد الميت» وأن «الإمام (أي إمام العلم) حاكم» مصدراً خصباً لتفعيل جوانب البناء والحركة التجديدية ضمن إطار المجتمع اليمني بوجه عام[51].
فقاعدة «كل مجتهد مصيب» تحمل في ثناياها همًّا فلسفيًّا يقضي بنسبية الحقيقة، إذ ما يراه أحدهم مكتمل الصواب يمكن أن يكون غير ذلك لدى الطرف الآخر، بحسب مدى واختلاف زاوية النظر، وآلية التفكير التي ينطلق منها العالم الفقيه، وبذلك فقد حرّر أئمة المذهب عقولهم من داء الجمود العقيم، وانطلقوا باحثين في آفاق العلم دون حرج أو إحساس بالتضارب النفسي الذي قد يعتري بعض الباحثين عند الوصول إلى نتائج وأحكام فقهية لا تتوافق مع النتائج والأحكام السالفة التي وصل إليه الرعيل الأول من أئمة المذهب.
كما أن قاعدة «تقليد الحي أولى من تقليد الميت» (وهي خاصة بالعامة) تحمل بين جوانبها روحاً معاصرةً تجديديةً، حيث حرصت الزيدية عبر هذه الآلية على تعميق فكرة أهمية الاجتهاد في حياة الأمة، وتأكيد انتقاصها بكل عالم لا يضيف جديداً أو يجتهد في فكر[52]، وهي بذلك تعمل على تفعيل آلية الخروج من ربقة سيطرة الأحكام التراثية على واقع الحياة المعاصرة، لتلامس باجتهادات علمائها جوهر الحياة، ومتطلباتها، ورغباتها التي تتغير بتغير الزمان والمكان، مدركة عميق الفرق بين قدسية النص الديني العابر للزمان والمكان، والوعي به، الذي هو ابن لحيثيات واقع ذلك الزمان وذلك المكان، ولا يمكن الوصول إلى ذلك إلا من خلال الفقيه المجتهد، المعايش لمشاكل العصر، العارف بتغيرات الظرف، المدرك لهوية المجتمع، فيكون لاجتهاده الأثر المطلوب، والغاية المنشودة، في ظل الالتزام بالقواعد الشرعية.
وتؤسس قاعدة «الإمام حاكم» لمجتمع مدني يتمتع فيه الفرد بحريته العقائدية دون وصاية من أحد، فيمارس عبادته وصلاته بالصورة التي يراها دون حرج أو إشكال، أو تخوف من اعتراض أو رفض، لاسيما وأن كتب الفقه الزيدي قد امتلأت بأقوال واجتهادات العلماء من المذاهب الأربعة وغيرهم، وبالتالي فلم يعش الفقيه الزيدي بمنأى عن معرفة الرأي الآخر وحجته، الأمر الذي حتّم عليه التعامل مع الموروث الفقهي، والسلوك العبادي للطوائف الأخرى بكل احترام وتقدير، وهو ما تجسّد في معظم الفترات التي انضوى فيها اليمن الشافعي تحت حكم دولة الأئمة، ولا يخرج عن ذلك في اليمن إلا ما كان من توتر العلاقة مع الطائفة الإسماعيلية التي يجب أن تدرس ضمن سياقها التاريخي وظرفها الزمني.
وفي السياق ذاته فقد آمنت الزيدية بحرية إرادة الإنسان في جميع أعماله وأفعاله إن خيراً فخير، وإن شرًّا فشر، نافين ما حاولت السلطة الجبرية إذاعته بين الناس، بهدف التأكيد على أن وصولها إلى الحكم كان «بقضاء الله وقدره، نافذ فعله، ولا حيلة للناس في دفعه»[53].
وهو ما يعزز من روح الحرية الفكرية التي ترفض إشاعة ثقافة المقدس في أذهان المجتمع بشكل مطلق، على اعتبار أن ذلك من أبجديات الحكومات الظالمة التي تعمل على تسويغ مبرراتها الشرعية بحسب وجهة نظر فقهاء السياسة الزيديين[54].
ولهذا كان تقريرهم بأن لا قداسة لأحد على أحد، ولا لمفهوم على مفهوم، حتى لو كان صاحبه من آل البيت، ولا أحقية لأسرة على غيرها، فلا توارث للمرجعيات الدينية والسياسية، ومن هنا يكمن جوهر فعل التغيير الدائم في قائمة الأسر الهاشمية المتوالية على منصب الإمامة الزيدية، ويكمن جوهر فعل التجديد الثقافي الكائن ضمن الدائرة الزيدية، ولم يخرج اليمن الزيدي عن هذه الحالة إلا في عهد تملك أئمة التغلب في القرون الأخيرة من عمر الدولة.
وتأكيداً لذلك فقد أنكرت الزيدية مسألة العصمة القطعية التي تفيد المنع لأئمتها، والعلم اللدني لأي إنسان كائناً من كان، مخالفين بذلك الشيعة الإمامية (اثنا عشرية وإسماعيلية) الذين كرّسوا مفهوم القداسة لأئمتهم المعصومين، ومعارضين كذلك لبعض مظاهر التصوف السني الذين حصروا تلك القداسة في الولي العارف بالله.
جاعلين العصمة المعنوية التي هي بمعنى اللطف وليس المنع من وجهة نظرهم، قاصرة على الخمسة أهل الكساء وهم: النبي عليه الصلاة والسلام وفاطمة وعلي والحسن والحسين رضوان الله عليهم طبقاً لخصوصية قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}[55]
مؤمنين في الإطار ذاته بحتمية اكتساب المعرفة بوجه عام، مما انعكس إيجاباً على طبيعة سلوكهم الفكري، الذي لم يتبلور في ردهات مغلقة، ولم يكن حبيس منهج محدد، وأطر ثابتة.
ولم يعترف الفقهاء الزيديون في السياق نفسه بمبدأ التَّقية، التي هي في حقيقتها: إظهار المرء لخلاف ما يبطن، خوفاً من البطش تارة، ورفضاً لفتح باب النقاش في المسائل المختلف عليها تارة أخرى[56]. مما ميزهم من غيرهم بالجرأة وعدم الخشية، فكان أن صدع أئمتهم آمرين بالمعروف وناهين عن المنكر في أعلى درجاتها وهي الإمامة، منطلقين من مشروعية الفكرة القاضية بأن فساد الحكم فساد للرعية[57]، وناقش -وفقاً لذلك- العلماء الزيديون آراءهم الفقهية والفكرية جهراً، دون أن يكون لتراكم التراث أي تأثير جوهري على اجتهاداتهم المعرفية التي قد تخالف اجتهادات من سلفهم من الأئمة والعلماء.
ويمكن استجلاء ذلك من جوهر إجابة السيد محمد بن إبراهيم الوزير على العالم المكي ابن ظهيرة الذي اقترح عليه تقليد أحد أئمة المذاهب الأربعة، حين أبان خاصية المذهب الزيدي في هذا الجانب في محضر قوله: «لو كان يجوز لي التقليد لم أعدل عن تقليد الإمام القاسم بن إبراهيم أو حفيده الهادي»[58].
ويتحقق برهان ذلك أيضاً في جواب السادة العلماء في هجرة حُوث الزيدية على رسالة القضاة بني العنسي أهل برط، التي شنعوا فيها على السيد العلامة محمد بن إسماعيل الأمير لاستخفافه بمذهب أهل البيت، وتضليل من كان مقلداً لهم، إلى غير ذلك من الأقوال التي جعلوها حجة عند الله على سادة هجرة حوث[59]، حيث تضمن رد سادة حوث توضيح منهج السيد محمد بن إسماعيل الأمير العلمي القائم على إعمال الاجتهاد بعد امتلاك آلياته، رغماً عن اختلافهم معه في عديد من الاجتهادات الفقهية، منطلقين في ذلك من إيمانهم بقاعدة «كل مجتهد مصيب» و «أن الإمام حاكم» في قوله واجتهاده، ومما جاء في رسالتهم:
«.. فإنه والله صحيح العقيدة، سليم الطوية، من أهل الحل والعقد، متبع لأكمل الشرع وهو كتاب الله العزيز وسنة نبيه محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، فإنه عرفهما حق معرفتهما، وعظّم من شأنهما وأظهر أمرهما، واجتهد فيهما، وفي سائر علوم أهل البيت (عليهم السلام) وغيرهم من الأصول والفروع العربية، وصار غاية أهل زمانه مجتهداً عارفاً محققاً مدققاً مستنبطاً للأحكام الشرعية من الكتاب والسنة النبوية، وعرف حقيقة الإجماع والقياس، عاملاً بما أدى إليه نظره الثاقب... ومن القاعدة الفروعية أن من تحصّلت فيه هذه الشروط أنه يحرم عليه التقليد لأحد من أهل البيت (عليهم السلام) وغيرهم»[60].
ثم أخذوا في المدافعة عن اجتهاداته الفقهية المتعلقة بمسألة الرفع والضم والتأمين وتوضيح حججه فيها[61]، مبينين أنه لا يجوز الاعتراض على أحد فيما أدى إليه اجتهاده لأي مسألة خلافية، لكون ذلك يعارض مقتضيات الاعتراف بحق الاجتهاد، وهو ما أوضحوه في رسالتهم بقولهم: «ففي حق العالم المجتهد الذي بذل وسعه في النظر في الأدلة، واستنباط الأحكام الشرعية منها، أحق بألَّا يُخطئ ولا يعترض لما أسلفنا من أنه يحرم عليه التقليد، ويجب عليه العمل بما أدى إليه نظره»[62].
وقد كان لذلك النهج أثره الإيجابي في مسيرتهم الفقهية والفكرية التي اتَّسمت بالاعتدال نتيجة لانفتاحهم على سائر المذاهب والآراء[63]، وتميَّز خطهم التاريخي بالروية والعقل، ليبرز منهم العديد من المتكلمين النوابغ من أمثال الإمام المؤيد بالله يحيى بن حمزة الحسيني (669 - 749هـ/ 1270 - 1348م) الذي قدّم -بحسب قول الدكتور صبحي- «منهجاً للتحليل أكثر ثراء مما قدم سقراط، ونسقاً أكثر موضوعية من أصحاب التحليل المعاصرين»[64]، مما جعلهم «واحداً من أهم التيارات العلمية والعملية في الفكر الإسلامي» إلى الدرجة التي «لا يمكن فهم السياق الفكري العام للإسلام ما لم توضع الزيدية في مكانها الصحيح من مناهج البحث الإسلامي الحديث» بحسب رأي الدكتور المقالح[65].
ويتجسّد فحوى الإيجاب والاعتدال أيضاً عند العلماء الزيديين في خاصية حفظهم لتراث خصومهم، ممن أعلن مخالفة نهجهم السياسي، ولو صاحب ذلك التراث قذعاً لشخوص أئمة الزيدية وعلمائها، إيماناً منهم بأهمية الأمانة في النقل، وحرية التعبير.
ولذلك فقد كان لهم الفضل في حفظ تراث العلامة الحسن الهمداني ونشوان الحميري، اللذين دعيا إلى توسيع دائرة الإمامة لتشمل جميع الناس، وهاجما القائلين بحصرها في قريش عامة وآل البيت منهم بخاصة، ومن ذلك ما ورد شعراً على لسان نشوان بقوله[66]:
إن أولى الناس بالأمر الذ     هو أتقى الناس والمؤتمن
كائناً من كان لا يجهل ما     ورد الفرض به والسنن
أبيض الجلدة أو أسودهـا      أنفـه مخرومـة والأذن
أيها الشيعة هـيا فلقــد          طال ما استولى عليك الوسن
وقوله:
حصرَ الإمامة في قريش معشر          هم باليهود أحق بالإلحاق
جهلاً كما حصرَ اليهود ضلالة           أمر النبوة في بني إسحاق
وقوله أيضاً:
حصر الإمامة ظالم في ظالم            وكلاهما في مثله محصـور
حصر الهدى والخير في بعض الـ        ـورى والخير ما عن أمره مقصور.
وكذلك الحال مع القاضي العلامة محمد بن علي الشوكاني الذي هاجم اجتهادات أحد أبرز أئمة المذهب وهو الإمام المهدي لدين الله أحمد بن يحيى بن المرتضى المتوفى سنة 840هـ/ 1436م في كتابه السيل الجرار، ومع ذلك فقد تبوّأ عدداً من المناصب الرسمية العالية في الدولة، والأمر أيضاً مع السيد العلامة محمد بن إسماعيل الأمير، والسيد العلامة الحسن الجلال، والقاضي العلامة صالح المقبلي وغيرهم، الذين تمتعوا بصيت علمي فائق.
كما لم تعمد الدولة حال انتشار الطباعة إلى إقصاء نتاجهم المعرفي، بل قامت بطباعة كتاب (نيل الأوطار) و(الدرر المضيئة) و(البدر الطالع) للشوكاني، وكتاب (العلم الشامخ) للمقبلي، وكتاب (ضوء النهار) للجلال، وكتاب (سبل السلام) لابن الأمير[67].
وفي الإطار نفسه، فقد حافظت المنظومة الفكرية لدولة الأئمة على الكتب التاريخية التي ناصرت الدولة العثمانية في حربها ضد دولة الأئمة، مثل تاريخ العيدروس الموسوم بـ(النور السافر في أخبار القرن العاشر)، وتاريخ الموزعي الموسوم بـ(الإحسان في دخول اليمن تحت راية آل عثمان)، وغيرها[68].
وفي جانب آخر، فقد حرصت دولة الأئمة بشكل عام على تأكيد مسألة الانفتاح الجاد على بقية الأفكار[69]، وتفعيل عجلة التلاقي المعرفي، والحوار الثقافي البنّاء مع مختلف التيارات الفكرية والمذهبية عبر تبني ثقافة ما يتعارف عليه حاليًّا بـ(المثاقفة)، رغبة في إيجاد التغيير والتطوير الثقافي المطلوب بين مختلف الجماعات البشرية، الناتج عن حميمية التواصل والتفاعل بين بعضهم البعض، مما يؤدي إلى تنمية كياناتهم الثقافية بشكل خلّاق، لينعكس ذلك إيجاباً على روح الثقة والتسامح بين الأفراد والجماعات، حيث تزول كثير من الأوهام، وتخفّ حدة التوتر وسلبيات العداوة البينية، التي عادة ما يغذيها الجهل بالآخر، والإيمان بما يكون في الذهنية من أحكام سلبية مسبقة عنه.
ويتجلى ذلك في عديد من الأعمال الفكرية التي حرص أئمة الدولة الزيدية على تنفيذها، ومن ذلك ما كلّف به الإمام المتوكل على الله يحيى شرف الدين المتوفى سنة 965هـ/ 1557م العلامة الزيدي القاضي محمد بن يحيى بهران بالمواءمة بين تفسير الكشاف لجار الله عمر الزمخشري، المعتمد لدى مختلف الفرق العدلية، وتفسير ابن كثير الذائع الصيت لدى علماء مدرسة أهل السنة، «وكان الاحتفال بالانتهاء منه سنة 945هـ/ 1538م بحضور الإمام والعلماء في حفل بهيج، ضُربت فيه الطبول، واصطفت فيه الجنود، وقُرئت فيه خطبة الكتاب، وجزء منه»[70].
عوضاً عن حرص عديد من الأئمة والعلماء على تطعيم كتبهم بمختلف الأقوال والآراء الفكرية، ومجانسة مكتباتهم بعديد من المؤلفات المتباينة في التوجه والطرح والأسلوب، كما هو الحال مع مكتبة الجامع الكبير بصنعاء التي حوت مجموعة مؤلفات د. طه حسين وبخاصة كتابه المثير للجدل (الشعر الجاهلي)، ومؤلفات الأستاذ عباس العقاد وبخاصة (عبقرياته)، وبعض مؤلفات الشيخ محمد رشيد رضا، وأغلب مؤلفات جبران خليل جبران الأدبية على الرغم من مسيحيته، وبعض مؤلفات د. زكي مبارك وبخاصة كتابه الجدلي (النثر الفني)، وغيرها[71].
لكن وعلى الرغم من بروز تلك المعالم المشرقة في التراث الفكري والعملي الزيدي، إلا أن عدداً من الكتّاب المعاصرين قد آثر إعمال التشويه لأغراض سياسية بحتة، حيث عملوا على تسويغ فكرة ربط معالم التخلف الواضحة نتائجها حاليًّا في اليمن، بموضوع الإمامة التاريخي، المربوط في ذهنهم بالمذهب الزيدي، وهو ما يتضح صراحة في ثنايا كتابة أحدهم، حيث يقول:
«إن الجهل الذي كان سائداً بين القبائل (بحسب رأيه) وهم السواد الأعظم في اليمن، هو من صنع الحكم الإمامي، وقد وضع وفق خطة مدروسة ليبقى الشعب جاهلاً فلا يعرف شيئاً في الوجود غير حكم الأئمة ووجوب طاعتهم ديناً وعقيدةً... فلهذا فقد حرص الأئمة على احتكار العلم في أسرهم وفيمن يليهم، ثم فيمن يليهم من الأسر العلوية، لتكون المناصب العليا في الدولة حكراً عليهم وحدهم»[72].
ولاشك فإن في حديثه كل المغالطة والتشويه، حيث وبالنظر إلى كتب الفهارس العلمية (الببلوجرافيا)، وإلى فهارس أسماء العلماء في عدد من الكتب المنشورة، يتضح مدى بعد مثل تلك المقولات عن مطابقتها للواقع الذي أراد تقريره، لكون معظم علماء اليمن الزيدي والشافعي من أبناء الشرائح الاجتماعية المتنوعة، وبخاصة من شريحة طبقة القضاة، الذين شكّلوا في الجانبين، لبنة الحياة العلمية الرئيسيين، حيث قد بلغ تعداد العلماء مثلاً من طبقة القضاة أو الفقهاء المنحدرين من أصول قبلية في وادي السر باليمن مثلاً، وفي القرن العاشر فقط، ما يزيد على (195) عالماً مجتهداً وطالب علم، مقابل (75) عالماً من أهل البيت (السادة)[73]. ولم يقتصر ذلك على مراحل متقدمة من الحقب التاريخية، بل امتد ليشمل عهد الكاتب نفسه، الذي يعدّ نتاجاً أساسيًّا لعهد الأئمة، الذين استهدفهم بمقالته؛ كما مثّلت أسرته وغيرها من الأسر المنتمية لطبقة القضاة الاجتماعية في اليمن، وطوال فترات عهود دولة الأئمة وصولاً إلى حكم المملكة المتوكلية اليمنية، مثّلت الركيزة الأساسية في حكم اليمن وإدارة مؤسساته الشرعية والتنفيذية، بحسب ما تثبته القرائن التاريخية العديدة الثابتة.
وفي السياق ذاته، فقد تشكّلت البعثات العلمية خلال عهد المملكة المتوكلية اليمنية، المرسلة إلى بلدان مصر والعراق ولبنان من عدد غير قليل من الفئات الاجتماعية المتنوعة والشرائح المختلفة، حيث تألّفت البعثة العسكرية الأولى إلى العراق سنة 1355هـ/ 1936م من عدد غير قليل من الفئات الاجتماعية غير الهاشمية كالقضاة والقبائل وغيرها[74]، وكان أبرز ضباط الدفعة العسكرية الأولى والثانية التي تخرّجت في اليمن تباعاً سنة 1360هـ/ 1941م وسنة 1361هـ/ 1944م كانوا من الفئات غير الهاشمية إجمالاً[75]. والأمر كذلك في المجال الشرعي والأدبي وفقاً لدلائل الأسماء وانتماءاتها الاجتماعية.
كما وفي المقابل فقد تجلّى هذا التوافق بين مختلف الأطياف الزيدية وغيرها، وأطياف وشرائح المجتمع المختلفة، في طبيعة التركيبة السياسية خلال عهد المملكة المتوكلية اليمنية، حيث تشكّلت موازين القوة للطبقة الحاكمة من بعض شريحة الهاشميين ممثلة بالإمام يحيى حميد الدين وباقي أفراد أسرته، بالتحالف مع بعض شريحة القضاة ممثلة بطبقة الوزراء والمستشارين، الذين يقومون بتسيير دفة الحكم الاستشاري والتشريعي في البلاد، كما هو ملاحظ في دور عدد من القضاة الذين كان على رأسهم القاضي عبد الله العمري، والقاضي عبد الكريم مطهر، وآخرون[76]، يدعمهم جميعاً بعض من شريحة القبائل المشكلين لب القوة التنفيذية العسكرية لنظام الحكم[77].
وهكذا يمكن الاستعانة بآليات الفكر الزيدي في تذليل عقبات الحوار بين مختلف المذاهب والأطياف الفكرية الإسلامية ضمن الإطارين السني والشيعي في عالمنا الحديث على وجه الخصوص، لكونها قد لامست خصائص كل توجه بشكل معتدل، وعملت على ترسيخ جوانب الحرية الفكرية والاختيار المذهبي ضمن جنبات المجتمع بصورة حضارية، بعيداً عن التعصب والإقصاء.


الهوامش: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 * باحث في الشؤون التاريخية والسياسية.
[1] يقتصر الحديث حول أهم مبادئ زيدية اليمن المتفق عليها عند أغلبهم، دون الرجوع إلى مبادئ الفرق الزيدية التي انتشرت في العراق وهي: الجارودية والبترية والصالحية، كما لن يتم التطرق إلى أحوال زيدية طبرستان والجيل والديلم. انظر:الشهرستاني، الملل والنحل، ج1، 179 - 189؛ المحيميد، علي، دراسات في تاريخ المشرق الإسلامي (الرياض: مطبعة السفير، 1993م)، 21 - 30.
 [2] ابن حمزة، الإمام المنصور بالله عبدالله، مجموع رسائل الإمام المنصور بالله عبدالله بن حمزة، تحقيق: عبد السلام الوجيه (عمّان: مؤسسة الإمام زيد بن علي الثقافية، 2002م)، ج2، القسم الأول، 384؛ شرف الدين، علي عبد الكريم الفضيل، الزيدية نظرية وتطبيق (عمّان: جمعية عمال المطابع التعاونية، 1985م)، 11 - 13. والحاكم الظالم في نظر الزيدية هو الذي يستبد برأي أو مال، ويتعدَّى بظلمه وجوره إلى الرعية في أي حق من حقوقهم المشروعة، ويشترط الزيدية للخروج عليه بعد استفراغ النصح له، توفر خمسة شروط منها: وجود الجند الناصر المؤهل بالعدة والعتاد، ووجود الحاكم البديل الذي تتوفر فيه الشروط اللازمة للإمامة وغير ذلك، انظر: شرف الدين، الزيدية، 89.
 [3] ابن المرتضى، الإمام المهدي بالله أحمد بن يحيى، البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار، مراجعة: يحيى عبد الكريم شرف الدين (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1975م)، ج1، 40، 94، 95؛ ابن حمزة، مجموع الرسائل، ج2، القسم الأول، 352، 353.
 [4] ابن حمزة، مجموع الرسائل، ج2، القسم الأول، 361.
 [5] شرف الدين، الزيدية، 118.
 [6] شرف الدين، الزيدية، 116 - 117؛ المقالح، عبد العزيز، قراءة في فكر الزيدية والمعتزلة، (بيروت: دار عودة، 1982م) 49.
 [7] أبو الحسن علي بن محمد الماوردي، الأحكام السلطانية والولايات الدينية، تحقيق: خالد العلمي (بيروت: دار الكتاب العربي، 1410هـ/1990م) 31 - 32. وقد استند القائلون بذلك باحتجاج أبي بكر الصديق (رضي الله عنه) على الأنصار يوم السقيفة بروايته لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «الأئمة من قريش»، وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «قدِّموا قريشاً ولا تقدَّموها». انظر لتخريج صحة رواية الحديثين: الماوردي، المرجع السابق، 32.
 [8] شرف الدين، الزيدية، مرجع سابق، 116 - 117.
 [9] وضح ذلك في بيان العلماء المعلن والمنشور في 24/4/1411هـ - 12/11/1990م حول موضوع الإمامة، الذي وقّعه كل من العلامة السيد محمد بن محمد المنصور، والعلامة السيد أحمد بن محمد الشامي، والعلامة السيد حمود بن عباس المؤيد، والسيد قاسم بن محمد الكبسي.
 [10] شرف الدين، الزيدية، 16؛ صبحي، أحمد محمود، الزيدية (الإسكندرية: منشأة المعارف، 1980م)، 743 - 755.
 [11] العلوي، علي بن محمد العباسي، سيرة الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين، تحقيق: سهيل زكار (دمشق: دار الفكر، 1972م) 35 - 43.
 [12] يعرف حاليًّا بفرع الردادي على بعد نحو 75كم جنوب غرب المدينة المنورة بالقرب من جبل الفقرة ووادي حزرا، وهو يختلف عن وادي الفرع الواقع على طريق الهجرة البعيد عن المدينة المنورة نحو 180كم باتجاه مكة المكرمة.
 [13] العلوي، ص48.
 [14] ينتمي بنسبه إلى الإمام زيد بن الحسن ابن الإمام علي بن أبي طالب (رضي الله عنهم).
 [15] زيد، علي محمد، معتزلة اليمن: دولة الهادي وفكره، ط1 (صنعاء وبيروت: مركز الدراسات والبحوث اليمني ودار العودة، 1981م) 131.
 [16] الشجاع، عبد الرحمن، الحياة العلمية في اليمن في القرنين الثالث والرابع للهجرة، (صنعاء: وزارة الثقافة والسياحة، 1425هـ - 2004م)، 43.
 [17] زيد، معتزلة اليمن، 132.
 [18] زيد، علي محمد، تيارات معتزلة اليمن في القرن السادس الهجري، ط1 (صنعاء: المركز الفرنسي للدراسات اليمنية، 1997م) 111 - 115. وحول ذلك فقد قال الهمداني والحميري بعدم حصر الإمامة والخلافة في قريش، وأنها صالحة في جميع المسلمين، متوافقين في ذلك مع فرقة الخوارج.
 [19] الشجاع، الحياة العلمية، 43.
 [20] انظر في ذلك: المقراني، يحيى بن محمد، مكنون السر في تحرير نحارير السر، تحقيق: زيد الوزير، ط1 (د. م: مركز التراث والبحوث اليمني، 2002م)؛ الحبشي، مصادر الفكر الإسلامي في اليمن، سبق ذكره؛ حسين العمري، مصادر التراث اليمني في المتحف البريطاني، (دمشق: دار المختار للطباعة والنشر، 1980م)؛ عبد السلام الوجيه، أعلام المؤلفين الزيديين، ط1(عمّان: مؤسسة الإمام زيد بن علي الثقافية، 1999م).
 [21] صبحي، أحمد محمود، الزيدية، (الإسكندرية: منشأة المعارف، 1980م) 256؛ المقالح، قراءة في فكر الزيدية والمعتزلة، 21.
 [22] المقالح، قراءة في فكر الزيدية والمعتزلة، 20.
 [23] قسّم العلماء المعرفة الدينية إلى أصول متعلقة بالفقه وأخرى متعلقة بمسائل العقيدة التي تبحث في قضايا الأسماء والصفات (التوحيد)، والقضاء والقدر (العدل)، والوعد والوعيد والثواب والعقاب، والإمامة، وجعل بعضهم منها مثار فرقة وتباعد نتيجة لتعصبهم. انظر: الشهرستاني، أبا الفتح محمد بن عبد الكريم، الملل والنحل، تحقيق: أمير مهنا وعلي فاعور، ط5 (بيروت: دار المعرفة، 1996م) جزأين؛ عبد الجبار بن أحمد، شرح الأصول الخمسة، تعليق: الإمام أحمد بن أبي هاشم، تحقيق: عبد الكريم عثمان (القاهرة: مكتبة وهبة، 1965م)؛ ابن المرتضى، البحر الزخار، سبق ذكره؛ صبحي، الزيدية.
 [24] برنارد هيكل، علماء أهل الحديث عند زيدية اليمن، مجلة المسار، العدد الخامس (1422هـ - 2001م) ص 32.
 [25] حول هذه المسألة يمكن النظر إلى موسوعات الفقه الزيدي ومنها: ابن المرتضى، أحمد بن يحيى، البحر الزخار، سبق ذكره؛ ورسائل العدل والتوحيد، دراسة وتحقيق: محمد عمارة (القاهرة: دار الهلال، 1971م)، جزأين، ويحتوي الكتاب على مجموعة رسائل للإمام الحسن البصري، والإمام القاسم بن إبراهيم الرّسي، والقاضي عبد الجبار بن أحمد، والشريف المرتضى، والإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين.
 [26] الأكوع، إسماعيل، أئمة العلم المجتهدون في اليمن، ط1 (عمان: دار البشير، 2002م)؛ وانظر مقالته أيضاً في كتابه الزيدية نشأتها ومعتقداتها، ط3 (دمشق: دار الفكر، 1997م) 37 - 51.
 [27] المقالح، قراءة في فكر الزيدية، 54.
 [28] المقالح، قراءة في فكر الزيدية، 70. والنص مقتبس من رسالة الدكتور أحمد صبحي الجوابية على مقالة الدكتور المقالح المنشورة كاملة في كتابه الآنف. انظر: المقالح، قراءة في فكر الزيدية، 64 - 70.
 [29] الشهرستاني، الملل والنحل، ج1، 189.
 [30] صبحي، الزيدية، 31.
 [31] صبحي، الزيدية، 259.
 [32] صبحي، الزيدية، 262.
 [33] ذكرهم ابن النديم من علماء الزيدية، انظر: ابن النديم، محمد، الفهرست، تحقيق: إبراهيم رمضان، ط2 (بيروت: دار المعرفة للطباعة والنشر، 1997م)، 221 - 222.
 [34] الوزير، إبراهيم، زيد بن علي: جهاد حق دائم، ط2 (واشنطن: منشورات كتاب، 1999م)، 142 - 148؛ الشرقاوي، أئمة الفقه، 33، 60.
 [35] الشرقاوي، أئمة الفقه، 63؛ 64.
 [36] الشرقاوي، 64.
 [37] سيد، المرجع السابق، 74.
 [38] المرجع السابق، 79.
 [39] محمد أبو زهرة،الشافعي:حياته وعصره-آراؤه وفقهه، ط2 (القاهرة: دار الفكر العربي، 1948م)،139-142؛ وانظر: ديوان الإمام الشافعي، تحقيق: يوسف البقاعي (بيروت: دار الفكر،1988م)، 78،101.
 [40] الشرقاوي، المرجع السابق، 158.
 [41] المرجع السابق، 131، 134.
 [42] المرجع السابق، 134.
 [43] يحيى بن الحسين، طبقات الزيدية الكبرى، تحقيق: عبد السلام الوجيه، (عمان: مؤسسة الإمام زيد بن علي الثقافية، 1421هـ - 2001م)، ج2، 1069.
 [44] المرجع السابق، ج2، 1070.
 [45] هارولد جاكوب، ملوك شبه الجزيرة العربية، ترجمة: أحمد المضواحي، ط2 (بيروت: دار العودة، 1988م)، 261.
 [46] محمد محمد زبارة، أئمة اليمن بالقرن الرابع عشر للهجرة (القاهرة: المطبعة السلفية، 1979م)، ج1، 214.
 [47] عبد الله محسن العزب، تاريخ اليمن الحديث «فترة خروج العثمانيين الأخير»، تحقيق: عبد الله الحبشي، ط1 (بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر، 1986م)، 26.
 [48] ركزت المصادر التاريخية اليمنية على هذا الجانب حين الحديث عن أوجه الصراع العثماني الإمامي في اليمن، كما تبين عدد من الوثائق والرسائل التي تبادلها بعض الأئمة مع عدد من القيادات المحلية، والزعامات القبلية، أهمية وجوهر هذه المسألة خلال فترات الصراع. انظر: السيد مصطفى سالم، وثائق يمنية: دراسة وثائقية تاريخية (القاهرة: المطبعة الفنية، 1982م)، 51 وثيقة (2)، 133 وثيقة (14)، 169 وثيقة (18). زبارة، أئمة اليمن، ج1، ص ص 209- 227.
 [49]العزب، تاريخ اليمن، ص 56.
 [50] المقالح، قراءة في فكر الزيدية، 22.
 [51] لمعرفة المزيد حول قواعد المذهب الزيدي الكلية انظر: شرف الدين، علي، الزيدية نظرية وتطبيق؛ الأكوع، الزيدية، 37؛ صبحي، الزيدية.
 [52] المقالح، قراءة في فكر الزيدية، 22.
 [53] صبحي، الزيدية، 73 - 74.
 [54] صبحي، الزيدية، 200.
 [55] سورة الأحزاب: آية 33؛ وحول تخصيص الخمسة في هذه الآية بالتطهير فقد ورد على لسان أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق (رضي الله عنهما)، أنها قالت: خرج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) غداةً وعليه مرطٌ مرحل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً (صحيح مسلم، ج8، جزء 15، ص 194).
 [56] صبحي، الزيدية، 75 - 76.
 [57] صبحي، الزيدية، 100.
 [58] الأكوع، أئمة العلم المجتهدين، 22.
 [59] الأكوع، إسماعيل، الزيدية نشأتها ومعتقداتها، ط3 (دمشق: دار الفكر، 1418هـ - 1997م) 41 - 42.
 [60] الأكوع، الزيدية، 43.
 [61] لا ترى الزيدية ذكر لفظة (آمين) بعد الانتهاء من قراءة الفاتحة في الصلاة جهراً أو سرًّا، كما تقول بصحة إسبال اليدين على ضمهما في الصلاة، وتتوقف في مسألة صحة رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام فقط، وفي ذلك يتفق ويختلف معها عديد من المذاهب الفقهية الأخرى. انظر: ابن المرتضى، البحر الزخار، ج2، كتاب الصلاة.
 [62] الأكوع، الزيدية، 44.
 [63] صبحي، الزيدية، 256.
 [64] صبحي، الزيدية، 406.
 [65] المقالح، قراءة في فكر الزيدية والمعتزلة، 18.
 [66] زيد، تيارات معتزلة اليمن، 113 - 114.
 [67] البردوني، الثقافة والثورة، 114.
 [68] البردوني، الثقافة والثورة، 443.
 [69] المقالح، قراءة في فكر الزيدية والمعتزلة، 18.
 [70] شرف الدين، محمد بن إبراهيم، السلوك الذهبية في خلاصة السيرة المتوكلية، تحقيق: زيد علي الفضيل، رسالة ماجستير، جامعة الملك سعود، الرياض، (1418هـ)، غير منشورة، أحداث سنة 945هـ.
 [71] البردوني، الثقافة والثورة، 441.
 [72] الأكوع، هجر العلم، مرجع سابق، ج3، 1668 - 1669.
 [73] انظر في ذلك: يحيى محمد المقراني، مكنون السر في تحرير نحارير السر، تحقيق: زيد الوزير، ط1 (د.م: مركز التراث والبحوث اليمني، 2002م)؛ الحبشي، مصادر الفكر الإسلامي في اليمن، سبق ذكره؛ حسين العمري، مصادر التراث اليمني في المتحف البريطاني، (دمشق: دار المختار للطباعة والنشر، 1980م)؛ عبد السلام الوجيه، أعلام المؤلفين الزيديين، ط1 (عمّان: مؤسسة الإمام زيد بن علي الثقافية، 1999م).
 [74] عبد الله السلال وحسين عنبة وآخرون، ثورة اليمن الدستورية، ط2، (صنعاء: مركز الدراسات والبحوث اليمني ودار الكلمة، 1406هـ/ 1985م) 43 - 44.
 [75] السلال وآخرون، ثورة اليمن الدستورية، المرجع السابق، 49 - 50.
 [76] الشماحي، مرجع سابق، 189. وفي هذا الإطار يذكر الدكتور حسين العمري أن القاضي محمد بن علي الشوكاني قد قام بدور هامّ في مجال القضاء وفي الحياة السياسية والفكرية طوال حكم الإمام المنصور بالله علي، وحكم ولده الإمام المتوكل على الله أحمد، وحكم حفيده الإمام المهدي لدين الله عبد الله، انظر: حسين العمري، تاريخ اليمن الحديث والمعاصر (922 - 1336هـ/ 1516 - 1918م)، ط2 (دمشق: دار الفكر، 2001م) 128 - 129؛ وانظر حول مسيرة القاضي الشوكاني الفكرية والسياسية: عبد العزيز المسعودي، الحياة السياسية والفكرية في العالم العربي (922 - 1337هـ/ 1516 - 1918م)، (صنعاء: دار الآفاق، 2002م)، 435 - 444؛ صلاح رمضان محمود، ذكريات الشوكاني: رسائل المؤرخ اليمني محمد بن علي الشوكاني، (بيروت: دار العودة، 1983م).
 [77] الشماحي، المرجع السابق، 189، 191.

جميع الحقوق محفوظة لمركز التراث والبحوث اليمني 2011 - 2012 ©