الدراسات والبحوث

أ. د. بركات محمد مراد أ. د. بركات محمد مراد

-

التصوير والزخرفة الإسلاميَّة

2011/5/18
- ترجمة :
- التبويب : -


 «الصورة الظاهرة إنما هي لكي تدرك الصورة الباطنة، والصورة الباطنة تشكل إدراك صورة باطنة أخرى

على قدر نفاذ بصيرتك»

جلالالدين الرومي

التصوير:

لقد آن الأوان أنيتوقف الحديث عن موضوع «تحريم الصورة» في الثقافة العربيَّة الإسلاميَّة. إن مسألة«الخلق» مسألة دينيَّة محضة، ومسألة كلاميَّة لها إطارها المرجعي الخاص ومجالهاالسجالي، ويصعب حرق مسافات الزمن والتاريخ لفرضها مجدداً، وبشكل دائم، على الممارسة الفنيَّة والجماليَّة العربيَّةالمعاصرة.

هذا فضلاً عن أن الإسلام لا يضع التعاملمع الصورة بشكل واضح ومطلق، اللَّهمّ إلا ما يتعلق بصور الأصنام. ثم إنه حتى على صعيدالسياق الكلامي، فإن الله، باعتباره - سبحانه - خالقاً ومبدعاً للكون، قد خلقالعالم وأبدع الإنسان وسخّر له «السماوات والأرض» للاستفادة منها، ومنحه عقلاًللتمييز بين الخير والشر، وولّد فيه الإرادة لممارسة حريته في علاقته بذاتهوبالآخرين شريطة أن يكون مسؤولاً عن أفعاله وسلوكاته.

ليس من الضروري أن يكون المرء متكلماًمعتزليًّا للقول بهذا الكلام، ولكن ما هو أساس هو أن الآيات القرآنيَّة والأحاديثالنبويَّة، التي تتعرض لمسألة الصورة والأصنام، لا تفيد أي تحريم للصورة من زاويةاعتبارها تجليًّا لإبداع فني، كل ما تؤكد عليه هو الطابع الخارق للخلق الربانيولقدرته اللامتناهية على منح الصور للكائنات وللأشياء، وأن لا أحد يمكنه أن يرقىإلى مستوى هذه الاستطاعة الإلهيَّة، لذلك فإن استمرار إثارة مسألة «تحريم الصورة» فيالإسلام، هو في واقع الأمر استمرار لطرح مشكلة غير حقيقيَّة، ورغبة واعية أولاواعية، في التثبت بالإطار الفكري الذي أراد التراث الاستشراقي أو غيره، حبسالفكر العربي الحديث والمعاصر فيه([1]).

فالتراث العربي ـ الإسلامي مليئ بالصوروالرموز والأشكال وبالإحالات الجماليَّة، والفنانون العرب، منذ ما ينيف عن القرن،أنتجوا تراكماً فنيًّا تشكيليًّا يطلب من المثقف العربي الاعتناء به، ومساءلتهومحاورته ودمجه داخل سياق الممارسة الثقافيَّة العربيَّة.

ومن ثم فإن أمام الفكر العربي مهام أساسيَّة تتعلق بمواكبة الحساسيَّة العربيَّة ومدى قدرتها على إدراك واستيفاء تعبيراتالحداثة الجماليَّة. وكما نعلم فقد أفتى الإمام محمد عبده في بداية القرن العشرينوذكر بشأن المصورين، أن «الأحاديث الخاصة بهم جاءت أيام الوثنيَّة، وكانت الصورتتخذ في ذلك العهد لسببين : اللهو والتبرك بمثال من ترسم صورته من الصالحين.والأول مما يبغض الإسلام، والثاني مما جاء الإسلام لمحوه، والمصور في الحالين شاغلعن الله، أو ممهد للإشراك به، فإذا زال هذان العارضان، وقصدت الفائدة، كان تصويرالأشخاص بمنزلة تصوير النبات والشجر في المصنوعات كما في حواشي المصاحف وأوائل السور،وأن الشريعة الإسلاميَّة أبعد من أن تحرم وسيلة من أفضل وسائل العلم، بعد تحقيقأنه لا خطر فيها على الدين، لا من جهة العقيدة ولا من جهة العمل».


(1)


وهذا أيضاً مما أفتى به تلميذ الإماممحمد عبده، الشيخ رشيد رضا، ونشره في مجلة المنار وأتبع فتواه بقوله: «ثم كان في قولالرسول r: «روِّحوا القلوب ساعة بعد ساعة، فإنَّالقلوب إذا كَلَّت عَمَتْ »، تصريحاً بمزاولة الفنون، إذا لم تؤد إلى شرك أو وثنيَّةأو انصراف عن الدين، وبذلك سمح للقاص، والراوي، والمنشد، والمغني، والعازف،والشاعر بالعمل على رقي هذه الفنون، بل كان القرآن الكريم، في قصصه رائداً ومعلماً،وإن كان يهدف إلى الوعظ والإرشاد»([2]).



ومن هنا لم يجد المسلمون قديماً وحديثاًغضاضة في الرسم والتصوير، بل أصبح هذا نشاطاً فنيًّا يرون أنه مشروع طالما أدى إلىفائدة عمليَّة أو جماليَّة للمسلمين، وعلى الرغم من تشدد بعض الفقهاء وشدة احترازالبعض الآخر من الوقوع في شبهة التحريم إلا أننا وجدنا الغالبيَّة العظمى منالمسلمين تحرص على تنمية هذه الاتجاهات الفنيَّة والجماليَّة.


ولذلك وجدنا كثيراً من الحمامات العامةمثلاً تزدان بصور الأشخاص متأثرة في ذلك بما ورثته من تقاليد كانت سائدة قبلالإسلام بقرون، فلقد رأى المسلمون في طبيعة هذا المكان ما يتيح لهم أن يصوروا،وهكذا أصبحت تلك الأماكن مجالات للمصورين من الفنانين يطلقون فيه العنان لمواهبهمولأيديهم المجال لتصور ما تشاء.


غير أن معظم آثار التصوير الجداريالإسلاميَّة قد اختفت للأسف خلال غزوات التتار لعالم الإسلام وتدميرهم لبغدادحاضرة العرب وروضة الفن الإسلامي، ولم يبق ما يدلنا عليها غير بعض شواهد تنطق بماكان عليه التصوير في حياة عهود الإسلام الأولى، ثم قلة من كتب تحدثنا بحديث هذا التصوير،على ما سنرى بعد قليل.


وينبغي أن ننبه إلى أن وقفة العالمالإسلامي من التصوير لم تكن على درجة واحدة - على مر العصور - تحريماً وتحليلاً.ويدلل «توماس أرنولد» على ذلك بأن تلك الوقفة العدائيَّة للتصوير لم تنشأ إلامتأخراً على يد إمام من أئمة الشافعيَّة هو الإمام النووي المتوفي في مصر عام 1332هـ حين حرم التصوير، ما له ظل وما ليس له ظل، وإن كان قد أحلتصوير النبات وما لا تدب فيه حياة.


ولقد كان النووي فيما ذهب إليه في كتابه«المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج» من تحريم تصوير الكائنات الحيَّة يرى أن ذلكمحاولة لمجاراة صنع الخالق فيما خلق، ولا يرى بأساً في التصوير إذا كان زخرفة فحسب.


وقد ذهب «ماسينيون» في تفسير القرارالذي أصدره الخليفة يزيد بن معاوية عام 723مبتحريم التصوير إلى أنه كان وليد الرغبة في حرمان المسيحيَّة (المشركين) من أقوىالأسلحة التي تعمل على تثبيت عقيدتهم تمهيداً لفتح قلوبهم للإسلام، وأنه لم يكنتحريماً للتصوير ودعوة إلى نبذه([3]).


 ويؤيد ذلك «إتنجهاوزن»([4]) حيث يخبرنا بأن حفائر القصور الأمويَّة بالشام وفلسطين هيالتي أمدتنا لا بمعلومات جديدة في أصول المعمار والزخرفة الجصيَّة Stucco decoration فحسب، بل ساعدتنا أكبر المساعدة على دحض خرافة انعدام النحت في تصويرالكائنات الحيَّة في الفن الإسلامي. وعلى هذا كلما ازدادت المواد الأثريَّة لدينا ازداد استحضارناللماضي دقة وسلامة علمه.


وهكذا نرى العالم الإسلامي الذي عاشتتنازعه آراء الفقهاء لم يحجم عن التصوير، ولكنه كان فيما يأخذ فيه من ذلك بينالإقبال والإعراض، يستوي في ذلك المسلمون أنفسهم ومن يعايشونهم من أصحاب الدياناتالأخرى.


(2)


وفي الحقيقة، وكما يذكر د. ثروت عكاشة([5])، أن التصوير الديني لم يلق حظه من التشجيع في العصور الإسلاميَّةالأولى، وهذا طبيعي، مثلما لقي عند البوذيين والمسيحيين، فلم تبد المساجد مزينةبصورة دينيَّة، كما لم نر التصوير مستخدماً في أغراض تعليميَّة أو تربويَّة إلابعد القرن الرابع عشر.


كذلك انعدمت الرعاية والتوجيه في مجالالتصوير من قبل أئمة الدين على عكس ما جرى عليه أسلوب سلطة الكنيسة في العقيدةالمسيحيَّة، ولم يرد في الأدب الإسلامي كتاب موجه على غرار ذلك المؤلف المتداول «إيقونوغرافيا»الذي وصفه «بانز بلينوس» في جبل أثوس وجمع فيه التوجيهات التي يلتزم بها المصورونالبيزنطيون، أو على نهج التوجيهات التي اتفق عليها رجال الكنيسة الروسيَّة لتصويرالأيقونات خلال القرن السادس عشر.


ونرى هذا طبيعيًّا، لاختلاف الرؤيةالإسلاميَّة عن الرؤية المسيحيَّة، حيث إن هذه الأخيرة قد وجدت وحدة بين الملكوالملكوت، ووجدت أن ابن الله قد تجسد في صورة بشريَّة، لذلك يمكن للمقدس أن يحيا فيالعالم، ولملكوت الله أن يتحقق على الأرض، أما الرؤية الإسلاميَّة فترى أنه «ليسكمثله شيء» ولذلك فالانفصال كامل بين الملك والملكوت، ولا يمكن تصوير اللهلاستحالة تصوره، ومن هنا تصير الأخرويات في الإسلام ممتنعة - بحكم طبيعتها - عن التصوير.


ومما هو جدير بالذكر، أن الإسلام أثر فيالمسيحيَّة، فوجدت حركة كاسري الصور وهي التي تسمى بالأيقونية «أيكونوكلاسم» وهوالمذهب الذي أحدثه «ليو الثالث» إمبراطور بيزنطة في القرن الثاني الهجري /الثامنالميلادي، وحرم فيه عبادة صور القديسين وتماثيلهم، تلك العبادة التي كانت شائعةبين بسطاء القوم من المسيحيَّة، ولما لم تنفذ تعاليمه بدقة، أمر بكسر التحف الفنيَّةالدينيَّة، غير أن مجمع نيقية الذي عقد في عام 787م ألغى هذا القرار([6]).


 ومن هنا كان للإسلام أثره في طبيعـة التصويرالإسلامي، ونلاحظ ذلك في الأمور الآتية:

· عدم استخدام التصوير لنشر التعاليم الدينيَّة كالمسيحيَّة مثلاً،وخلو المصاحف وأثاث المساجد من الصور.

· الإقتصار على تزيين المؤلفات الأدبيَّة والعمليَّة والتاريخيَّة بالصور التي توضح حوادثها وتشرح قصصها، وبذلك اختفى ميدانان من الميادين الفنيَّة،وهما فن اللوحات، وعمل التماثيل.

· تعرض كثير من المخطوطات المصورة للتشويه بنزع الصفحات المصورةفيها أو بطمس وجوه الأشخاص المرسومين في الصور بالألوان، أو رسم نباتات فوقها،ونرى هذا الاتجاه الأخير يسود في العصور المتسمة بالتراجع الحضاري والانغلاقالفكري وسيادة الاتجاهات الدينيَّة المتشددة.

ولذلك نجد الباحثة د. وفاء إبراهيم([7])  تنتهي في بحث لها إلىأن المنع من التصوير ليس مبدأ يقره الدين للإستطيقا الإسلاميَّة، بل إنه مبدأ ترقووسيلة تربوية أخلاقيَّة للانتقال من المجسمات إلى اللامجسمات ـ وفقاً للرؤيةالإسلاميَّة في ثنائيَّة العالمين الروحي والمادي. فالفن الإسلامي في صدر الإسلامقام بنفس الدور الذي قامت به الرياضيات عند أفلاطون، أي تدريب الذات على التجريدبمعنى أن في الصدر الأول من الإسلام كانت هناك ضرورة ملحة للتدريب على المجردات،وذلك لأن المفاهيم الجديدة التي أتى بها الدين الجديد مفاهيم ذات طابع تجريدي،لأنها مما يخاطب العقل والفكر، وكان لا بد أن تعكس هذه المفاهيم والقيم الجديدةنفسها من خلال الفن في صورة تجانس طبيعتها الأصليَّة (التجريد) فقادت إلى نزعةتجريديَّة، ومن شبه المؤكد أنها لم تكن متعمدة بقدر ما كانت استجابة طبيعيَّةلمضامين ذات طبيعة تجريديَّة أصلاً.


(3)


ونضيف، لتأكيد صحة هذه الرؤية، أن طبيعة الدين في الجاهليَّة كانت قد انحدرت إلى التجسيد الكامل للإله في وثنيَّة شديدة فجّة،بل ووقعت في التعدديَّة بحيث صارت الآلهة كثيرة لا يحصيها العد، مما اقتضى على المستوىالفكري والروحي، ثورة على هذه المفاهيم الخاطئة والبالية، ومحاولة جادة للرقيبالعقل والوجدان تتجاوز كل محسوس لتعرج لسماوات الروح والوحدانيَّة.


ومن هنا كان التجريد ـ الذي اشتدتالحاجة إليه ـ في الفن في الصدر الأول من الإسلام، منهجاً يستهدف تربية قدرة جديدةمن النظر، يستطاع بها إدراك مجردات الدين. وتسوق الباحثة براهين على صحة هذهالدعوة([8]):

1- أن التجريد في الفترة الأولى كان منهجاًيفرض من نفسه، لأن تلك الفترة التجريديَّة الأولى هي الضامنة لعدم العودة إلىتجسيد الأجساد نباتيَّة أو حيوانيَّة أو بشريَّة، والاكتفاء بالنظر على أنهامنتجات فنيَّة تحاكي فيها الطبيعة محاكاة مباشرة دون أن تقترن بردة وثنيَّة يتعبدفيها لهذه الأصنام المصنوعة، ويرجع السبب في ذلك إلى أن الحركة التجريديَّة قدأسفرت عن نتيجتين هامتين:

أ ـ أنها عودة الفكر الإنساني، علىالمستوى المعرفي أو الأبستمولوجي أن يميز بين الأمثلة والتمثلات.

ب ـ أن الحركة التجريديَّة في صدرالإسلام قد تمخضت عن قدرة رياضيَّة أو هندسيَّة، أي القدرة على التحكم فيالتفصيلات المكانيَّة وعلاقات التداخل والتشكيل، وهذا ما كان يدعو بالضرورة إلىاستثمار هذه القدرة الجديدة استثماراً عمليًّا في مضاهاة الأصول مضاهاة تقترب منالواقع، وهذا نجد تطبيقه شائعاً في فن الأرابيسك الذي بلغ درجة كبيرة من التجريد،على ما سنرى، وفن الزخرفة الذي انتشر في المخطوطات وعلى أغلفة الكتب وفوق أسطحوجدران المساجد.

2- أن ما يطلق عليه البعض الفن الإلهي ويمثلون له بالنثر الفني المأثور عن الصوفيَّة، وكذلك دواوين الشعر الصوفي، إنماينتهي إلى إسلام الكيان الوجداني لرمزيات عامة دون تعبير مباشر، لكنها تنعكس بطريقة تلقائيَّة في تلك الحركة الجسديَّة الموقعة التي تستولي على كيان الصوفي على نحو يمثل به اتصالاً مباشراً مع الحقيقة، وهذا قد تجلى واضحاً في حركات الذكر الصوفيالجسديَّة والتي تمثلت في بعض الطرق الصوفيَّة، وكانت واضحة في طريقة المولويَّة،ثم بعد الغيبة فيها يصدر عن التجربة الصوفيَّة فن، الأساس فيه تخييل التجربةالوجدانيَّة على نحو من شأنه أن يستثمر قدرة التدريب الوجداني السابق(التدريب الرمزي) في خلق ما يسمى مشاركة في التجربة الوجدانيَّة العامة، وهذا يؤكد الهدفالتربوي للفن الإسلامي، كما يؤكد أن منهج الانتقال فيه إنما يكون من المحسوس إلىالمعقول، ومن الغيبي إلى المجرد، ومن الجزئي إلى الكلي، ومن النسبي إلى المطلق.

 ولعل هذا ما يفسر عدم ورود نصوص قرآنيَّة صريحةفي منع التصوير، لأن القرآن منهج لكل الأزمان، وليس للمرحلة الإسلاميَّة الأولى، ولقد اعتمد أصحاب المنع قبل النووي ـ وقد مر بنا ـ  على الأحاديث النبويَّة مثل: «لا تدخلالملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة» و«الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يومالقيامة يقال لهم أحيوا ما خلقتم» و«إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون»([9])، وقد وضح كثير من الفقهاء والعلماء أن المقصود بالمصورين هنامن يصنعون تماثيل وصوراً من أجل العبادة والتقديس، ولذلك كان المنع في صدر الإسلاممنع ترق وتربية للوجدان المسلم، وما أن صارت العقيدة ذات جذور في القلوب ورسوخ في النفوس،سقط مسوغ التحريم، وانطلق الفنان المسلم يبدع آيات فنيَّة هي تعبير عن الجمال في شتىمجاليه وفي مختلف صوره.


(4)


وتجلى التجريد الفني الإسلامي في أنواعمن الفنون الراقية مثل الخط العربي الذي استخدم بشكل غير مسبوق في الزخرفة، كماتجلى بقوة في فن الأرابيسك، الذي سنعرض له. ولم يمنع هذا المسلمين من أن يقوموابتصوير الأشخاص والأحداث. فنحن نعرف مثلاً أن «الأفشين» قائد جند الخليفة المعتصمالعباسي كانت عنده مخطوطات مصورة وكانت إحدى أسباب محاكمته، كما نعرف من هذهالمحاكمة أن محمد بن عبد الملك الزيات أحد قضاته كانت عنده كتب مصورة مثل كتابكليلة ودمنة وكتاب مزدك، بل نعلم من مقدمة ابن المقفع لكتاب كليلة ودمنة أنه كانمزوقاً بالصور والرسوم.


وكما ذكرنا من قبل، وصلت إلينا رسوم منالقرن الثاني الهجري، ونجدها في قصور خلفاء الأمويين ببادية الشام وأخرى من القرنالثالث الهجري، وقد عثر عليها في قصور سامرّاء، وفي حمام فاطمي بجهة أبي السعود([10]).

ولا تمضي عدة قرون إلا ونجد كثيراً منمدارس التصوير في الفن الإسلامي، وعلى رأسها أربعة مدارس هي: المدرسة العـربيَّة،والإيرانيَّـة، والهنـديَّة المغوليَّة، والتركيَّة العثمانيَّة.


الزخرفة:

أما الزخرفة فهي كل رسم يعمل على مسطحبقصد ملء الفراغ بهيئات جميلة متناسقة تستريح إليها العين. والزخرفة تكون خطوطاً أوهيئات هندسيَّة أو نباتيَّة أو حيوانيَّة. وجمالها يعتمد أولاً وآخراً على ذوقصانعها ودرجة سيطرته على المادة التى يزخرفها أو يزخرف بها. ويتأتّى أكبر جانب منجمال الزخارف من التكرار، فإن هيئة ورقة العنب شكل جميل، فإذا رسمنا هيئات ورق عنبمتجاورة في صورة متماثلة ـ على أي هيئة كانت ـ حصلنا على زخرفة. وكذلك يقال عن زهرة اللوتس أو الأكانتوس أو الليق أو أي زهرةأخرى.


وقد وصل الفنان المسلم في إبداعهللزخرفة، حيث جعلها ميدان إبداعه، ووصل بابتكاراته في هذا المجال إلى ما لم يصلإليه غيره من أهل الفن في أي نطاق حضاري آخر. حيث اعتمد الفنان المسلم على عنصري التكرار والتوازن.


فالتكرار المتوالي لأي هيئة يحدث أثراً زخرفيًّاجماليًّا، والتوازن كذلك له نفس الأثر. وهذا التوازن يبدأ من خطين أو منمنمينمتماثلين، ويستطرد إلى صور هندسيَّة ونباتيَّة وحيوانيَّة لا نهاية لها ولا حدّلجمالها. والزخارف قد تكون مجرد رسوم وقد تحفر بارزة، وقد تكون ذات لون واحد أوأكثر، وقد ابتكر الفنانون المسلمون من تقاطع، ما يسمى بالطبق النجمي، وهي زخارفمستديرة الهيئة تصنع خطوطها نجماً في وسطها، وتفننوا في ذلك تفنناً يحار فيه العقل.


وأبدعوا كذلك في استعمال ورقة العنب،وفروع النخيل، والحبيبات (وهي كل هيئة متخذة من أشكال حبوب النبات) والأقراصوالزيتون وسنبلة القمح والفصوص والورد والقرنفل والصنوبر واللبلاب وعباد الشمس،والمشبكات أي الخطوط والدوائر المتشابكة والخطوط المنكسرة والجدائل والخطوط المتعرجة، أو المنحنية، وما إلى ذلك. ونستطيع القول إن الفنان المسلم لم يغادرهيئة يمكن أن تخطر بالبال، كعنصر زخرفي، إلا استعملها بنجاح.


ومن الملاحظ أن الأشياء غير المزخرفة نادرة بحق في الفن الإسلامي، حتى أن الفخار الرخيص غير المزجج (الخالي من الطلاء) يتضـمـن دائماً شيئاً مـن الزخرفة، وقد لاحظ ذلك بحق المستشرق إتنجهاوزن في بحوثهعن الزخرفة الإسلاميَّة([11]). وقد استعملوا الزخارف على شكل إزارات متوازية، أو في صورة أطباق نجميَّة عند اتساع المساحات واستعملوا الألوان بنجـاح كبير، وكانوا يفضلونالألوان القرآنيَّة أي التي ورد ذكرها في القرآن، كالأخضر والأحمر والأصفر ولونالذهب والفضة.


واستخرجوا معاني خاصة للألوان، فقالواإن السندس هو الأخضر الفاتح، والإستبرق عند الرسامين والمزخرفين هو الأزرق، وفضلواالأحمر على غيره وسموه المرجان لورود اللفظ في القرآن الكريم([12])، ومن هذا القبيل سـموا اللـون الأبـيـض باللؤلؤ، أما الأحمرالقاني فقد سموه بالياقوت، واللفظ قرآني أيضاً.


ومعنى ذلك أن الفنانين المسلمين ظلوا فيأعمالهم دائماً مرتبطين بالإسلام والقرآن، مما أضفى على أعمالهم جمالاً وسحراً روحيًّالا يخطئه من يتأمل أعمال أولئك الفنانين الموهوبين. ولهذا السبب أيضاً استخدمواالكتابة كعنصر زخرفي، وخاصة آي القرآن الكريم، وبعض الأحاديث الشريفة ، بلاستعملوا أسماء الرسول صلى الله عليه واله وسلم، وأسماء الخلفاء الأربعة كعناصر زخرفية،وأبدعوا في ذلك أيما إبداع، وهم في الكتابة الزخرفيَّة يفضلون أن يكتبوا بالذهبعلى أرضيَّة زرقاء داكنة أو إستبرق كما يقولون، ومن مصطلحاتهم: «خط الذهب علىبحر الإستبرق»([13]).


ومن الجدير بالذكر أن الفنانين المسلمينقد استخدموا الفخار Terra Cotaوالخزف Ceramic وابتكروا منه نوعاً بالغ الجمال والرقة يسمىبخزف الفسيفساء Mosaic Jaunce وواضح أن استعمال الخزف لتغطية الجدران أو أجزاء منها كان القصدمنه إدخال نوع جديد من التلوين على زينة المباني، فإن الجص لا يقبل الألوان إلاإلى حد معين، ولكن ألوان الخزف تمتاز بالصفاء والعمق والثبات، ويقال إن الخزف دخلالعمارة في القرن الرابع عشر الميلادي عندما فقد الجص طلاوته واحتاج المعماريونإلى مادة جديدة.


وعلى أي حال - وكما يذكر د.حسين مؤنس([14]) - فقد أحدث الخزف انقلاباً واسع المدى في العمارة في تركستان،وما وراء النهر وإيران، وأقدم نماذج ممتازة توجد في سمرقند ومشهد، وسيصل الخزف إلىأوج استعماله كعنصر معماري في الطرازين الصفوي والتركي العثماني.


ولا ينبغي أن ننسى تأثير الصناعات الشعبيَّة،في الفنون الإسلاميَّة وزخرفتها، والصناعات الشعبيَّة ليست عملاً يدويًّا تلقائيًّا،بل هي خبرة فنيَّة متوارثة، ومهارة يدويَّة توارثها الإنسان ليجعل من كل شيء حولهشيئاً نافعاً له قيمة إنسانيَّة.


وقد تتداخل أشكال من الفنون التقليديَّةمع أشكال من الفنون الشعبيَّة، حتى لا نستطيع أن نحدد ما هو تقليدي ـ أي قديموثابت إلى حدٍّ ما ـ وبين ما هو شعبي ومتغير إلى حدٍّ ما أيضاً.. ولقد كان فنالزخرفة الإسلاميَّة قادراً دائماً على الاستفادة من الفن الشعبي الشائع، وهو «الفنالذي لم يتمكن في كثير من الأحيان البقاء، نظراً لاستخدامه مواد هشة، لا يمكنهاالبقاء مدداً طويلة».


لذا فإنه من الصعب تحديد كيف ومتى عضدالفن الشعبي الفنون الجميلة، ومع ذلك فإننا نلاحظ الظهور المفاجئ لأشكال وأساليبعتيقة في الزخرفة الهندسيَّة([15])، وسوف يتضح لنا ذلك إذا تأملنا مجموعة شبابيك القلل التييضمها المتحف الإسلامي بالقاهرة، وكيف أن هذه الشبابيك تجمع بين روعة التعبيروتواصله مع الفنون الإسلاميَّة التقليديَّة([16]). وأيضاً لا ينبغي أن ننسى تأثير رعاية الحكام للفنون الصغرى،فهارون الرشيد يأمر باستدعاء الفنانين لزخرفة قاعة شيدها في حديقة قصره ببغداد،فزينت بزخرفة ورسوم على نمط الرسوم الساسانيَّة. ومعروف أن هؤلاء الخلفاء قدأنشأوا مجالس طُلِيَتْ جدرانها بالزخرفة والصور. وصنع الفنانون لهارون الرشيدمجموعة من الكؤوس نقشت على كل واحد منها اسمه. ولم يقتصر رعاية الفن على الحكاموحدهم بل راح يقلدهم في ذلك وزراؤهم وكتّابهم وكبار موظفيهم في الدولة، فهؤلاءكانوا يكلفون الفنانين، بأعمال فنيَّة: كتزويق جدران دورهم أو الحمامات التي تشيدلهم. وكشفت الحفائر الأثريَّة التي أجريت في العديد من مواضع عواصم العباسيين عنعمائر قاموا بإنشائها وزخرفتها، منها بقايا قصور الخلفاء في سامرّاء وما وجد عليهامن رسوم ومناظر تصويريَّة. ولاشك في أن الفنان في العصر العباسي كان يجتهد في تفهمذوق راعي الفن ورغباته والامتثال لها.


مجال فن التصوير:

إن التصوير الإسلامي لم يصبح ذا موضوع بين الباحثين إلا بعدكشف «موزيل» مجموعة الصور الحائطيَّة في القصر الأموي في قصر عمرة بالشام عام 1898م، إذ أدى وصول أخبار هذه الصور إلى دهشة وحيرة بين المستشرقينالأوربيين، نظراً لما هو معروف من الكراهية التقليديَّة والتحريم الجامد للصور في بعضالكتب الفقهيَّة الإسلاميَّة، كما أدى إلى جدل طويل حول الموقف الديني من التصوير فيالإسلام.


ثم أدت كشوف «هرتزفلد» لعدد من الصورالحائطيَّة بعد ذلك بقليل في سامراء عام 1911 م إلى اعتبار فن التصوير ناحية من نواحي الحضارة الإسلاميَّة،حتى إذا عثر علماء الحفائر حديثاً على صور ذات مقاييس كبيرة في قصر الحير الغربيبالشام كذلك عام 1936م، وفي نيسابور بإيران عام 1939م لم يبق وجود هذه الصور موضع دهشة أو حيرة بين الباحثين بلتركز اهتمامهم في تحديد تواريخها، وأساليبها، وقيمتها التصويريَّة والفنيَّة([17]).

 ويمكن أن نقسم فن التصوير الإسلامي إلى:

1- فن تمثيلي يشمل:

 أ ـ التصاوير الفسيفسائيَّة.

ب ـ المنمنمات.

2- الفن اللّاتمثيلي ويشمل:

أ ـ الخط.

ب ـ فن التصوير الهندسيالتجريدي(الأرابيسك).

3- فن تمثيلي يشمل:

أـ التصاوير الفسيفسائيَّة على حوائطالجوامع وجدران القصور والمسكوكات: وأقدمها المرسومة على قبة الصخرة في القدس، وهوأول بناء ضخم بني بأمر من الخليفة عبد الملك بن مروان، وأيضاً المرسومة على الجدارالغربي من رواق المسجد الكبير في دمشق، والرسوم الجداريَّة في القصور مثل قصر عمرةوغيره، وفيها تظهر موضوعات حياتيَّة كالصيد، والمصارعة وأجساد بشريَّة، وهي رسوميظهر فيها الأسلوب الروماني أو البيزنطي، وكذلك الرسوم الموجودة على حوائط قصريالحير الغربي وخربة المفجر([18]).


وتفيض الكتب الأدبيَّة والتاريخيَّةبذكر أمثلة لرسوم شخصيَّة كثيرة، وأول هذه الإشارات تلك التي تذكر أن صورة عليّ بنأبي طالب كانت منقوشة على السيوف، ثم نجد إشارة أخرى إلى رسم ليزيد بن الوليد، علىما يذكر المسعودي([19])، كما يذكر المقري في «نفح الطيب» أن عبد الرحمن الناصر نقشصورة الزهراء على باب المدينة التي شيدها وسماها باسمها، كما يذكر المقريزي أيضاً أنالأشرف بن خليل بن قلاوون أمر برسم صور أمراء الدولة وخواصها عندما عمر الرفوفبقلعة الجبل.


وهنا يثار سؤال هام، وهو: هل كانت هذهالرسوم صوراً شخصيَّة حقًّا؟ والحقيقة أنها لم تكن كذلك. إن هذه الرسوم ـ كما يؤكدعلى ذلك باحث متخصص([20]) ـ  كانت رسوماً رمزيَّة لتلك الشخصيات، وفهم هؤلاء المؤرخون من كتابة الأسماء فوق الصور مثلاً أنها تمثلهذه الشخصيات.


(5)


ومن هذا القبيل تلك الصور التي وصلتإلينا ضمن النقوش الحائطيَّة بقصر عمرة الكائن ببادية الشام.. وهي صورة أعداءالإسلام أو ملوك الأرض.. وهي صورة رمزيَّة الغرض منها تمجيد انتصار المسلمينوإظهار مدى اتساع أملاكهم.. وإذا أمعنا النظر في الرسم وخاصة الأوجه لما وجدنااختلافاً ملحوظاً بينها ولا سحنة خاصة لكل شخص.


وإذا كان قد وصل إلينا بعض صور شخصيَّةمن القرن الرابع عشر الميلادي كرسوم جنكيز خان وخلفائه في مخطوطة لتاريخ رشيدالدين بالمكتبة الأهليَّة والمنقولة عن أصول قديمة، ورسم لتيمور وأنجاله من عملخليل مرزا.. وأخرى لجلال الدين الرومي، وسعدي الشاعر وهولاكو، إلا أن الصور التيعملت في القرن الخامس عشر وما بعده أكثر شخصيَّة.. كما أصبحت هذه الرسوم أهم مظهرمن مظاهر النشاط الفني في القرنين 16،17 م.


ومن هنا يؤكد الباحث جمال الدين محرز([21]) أن الصورة الشخصيَّة لم تظهر إلا بعد أن اتصل المسلمونبالمغول.. فلقد كان التصوير عند المسلمين محصوراً أول الأمر في توضيح المخطوطاتبالصور، وكان لهذا أثره في تزيين المخطوطات العربيَّة بالصور والرسوم، ولذلكانصرفوا عن رسم الصور الشخصيَّة (البورتريه)، أما وقد اتصل المسلمون بالمغول الذينيميلون إلى عمل رسوم شخصيَّة لهم، والذين يتأصل فيهم هذا الميل، فقد أصبح من السهلعلى المسلمين الاقتداء بهم، خاصة بعد أن زالت أسباب التحريم أو شبهته.


لكن هذا اقتضى استعداداً فنيًّا ممتازاًيمكن الفنان من صدق محاكاة الطبيعة الحيَّة أمامه ومن إكساب صورته بعض الصفاتوالأخلاق التي تنطوي عليها نفس أنموذجه، وإذا كان الفنانون الأوروبيون استطاعوامنذ القرن 13م أن ينجحوا في رسم الصور الشخصيَّة،وأن يتقنوها إتقاناً عظيماً، فإن المسلمين لم يستطيعوا ذلك إلا منذ القرن 15م، إن الذي حد من نشاط الفنانين في هذا السبيل هو الأثر الذيبقي في نفوسهم من التحرز الآتي من التعاليم الدينيَّة وخاصة الأحاديث الشريفة.


والملاحظ أن الرسوم الشخصيَّة في الهندعلى قدر كبير من الإتقان إذا قيست بمثيلها في إيران، ويرجع هذا إلى اهتمامالأباطرة بعمل هذه الرسوم، حيث كان الواحد منهم يجلس أمام المصور ليتيح له دراستهولتكون صورته صادقة، إضافة إلى ملازمة بعض المصورين للأباطرة وقد كانوا أعضاء فيحاشيتهم، مما يساعد الفنان على الدراسة.


وطرق فنانو المدرسة التركيَّة بابالرسوم الشخصيَّة، ويقال إن رسوم السلاطين العثمانيين ابتداء من سلاطين القرنالخامس عشر كانت تزين أحد القصور، وأنها كانت تنقل منه لإخفائها، ولم يكن يسمحبرؤيتها إلا للضباط المقربين، وأن ذلك كان محافظة على الشعور الديني.


ويقال أيضاً: إنالصدر الأعظم قره مصطفى كان يحفظ صورته وصور بعض معاصريه في غرفة سريَّة خوفاً منالاضطهاد.. ومـع ذلك وصلت إلينا أغلب رسومه مسطحة، إلا أننا لا نعدم أن نجد رسوماًمجسمة تظهر التعبير النفساني، بل لقد أفلح بعض الفنانين إنتاج رسوم لا تقل عنالرسوم الغربيَّة في أي مظهر من مظاهرها.


ولا ننسى أن الأحداث التاريخيَّة في العصورالإسلاميَّة الكلاسيكيَّة كانت مصدراً لا ينضب للفنانين المسلمين الذين يستلهمونمنها ما يشاءون في تصوير المخطوطات. والمثل الوحيد من التصوير التاريخي والذي نفذ فيعهد «سليم الأول» هو مخطوط «نزهة الأرواح في سفر الزيفتجار» الذي ألف في عهد «سليمان القانوني » ووفاته واعتلاء «سليم الأول» للعرش، وقد نسخ هذا المخطوط المصور في عام976هـ/ 1569م.


(6)


 وتتميز تصاويره العشرون بالتكوين المتقدمالمتكامل الذي لا يحمل أي تأثيرات أجنبيَّة، والذي أصبح مثلاً يحتذى خلال المرحلةالكلاسيكيَّة لفن التصوير العثماني، وأهم موضوعاته التتويج واحتفالات تقديم أوراقالاعتماد للسفراء الغربيين، وخروج الجيش للقتال.


ونلاحظ أن فن التصوير الشخصي «البورتريه» الذي كانت له أهمية كبيرة في عهد «محمد الفاتح» قد أصبح خلال هذه المرحلة وفي عهد «سليمالثاني» في طليعة الأساليب التصويريَّة التي حظيت بالرعاية، فكان المصور «حيدر ريس»الشهير «بينجاري»([22]) أعظم من صور لوحات شخصيَّة للسلاطين، ومن أهم أعماله لوحةلسليم الثاني الذي كان يجلس جلسات طويلة أمام المصور، وكذلك لوحة «لسليمانالقانوني» كما صور أمير البحار «خير الدين بارباروسا»([23]).


ومما يصح أن يدخل تحت نطاق الصور الشخصيَّة تلك الرسوم التي كانت تضرب على المسكوكات. ولعل أقدم ما يعرف عن نقود إسلاميَّة ذات رسوم أشخاص هي المنسوبة إلى عمر بن الخطاب؛ فيقول المقريزي: (وضرب عمر الدراهمعلى نقش الكسرويَّة وشكلها بأعيانها، ثم إنه زاد في بعضها «الحمد لله» وفي بعضها «رسول الله» وعلى آخر «لا إله إلا الله وحده» وعلى آخر «عمر»، والصورة الملك لا صورة عمر، ويلي هذه الدراهم الدنانير التي ضربها معاوية وعليها صورة شخص متقلداً سيفاً.


ويقول المقريزي إن هذا الشخص هو معاوية، وأخرى لعبد الملك بن مروان يحمل سيفاً، وثالثة للمتوكل العباسي نجد رسماً لشخص على أحد وجهي الدينار ورجلاً يقود جملاً على الوجه الآخر، كما ضربت سكة لصلاح الدينولسيف الدولة([24]).


ويؤكد د. جمال محرز إن رسوم هذه السكة لم تكن شخصيَّة بل كانت رسوماً رمزيَّة، ولكن وصلت إلينا في وقت متأخر نقوداً إسلاميَّة تخص الإمبراطور أكبر، وجها نجير المغولي تعتبر رسوماً شخصيَّة حقاً، وسوف يطرق التصويرالعثماني الرسوم الشخصيَّة، ويتعمق في دراسة البورتريه ويقدم نماذج رائعة تشبه تلكالتي نجدها في عصر النهضة الأوروبيَّة.


*****


(*)   أستاذ الفلسفةالإسلامية، رئيس قسم الفلسفة والاجتماع - كلية التربية- جامعة عين شمس.
([1])  محمد نور الدين أفاية: التشكيل العربي وأسئلة الثقافة. مجلة الوحدة، العدد 70، ص134.
([2])  انظرفتوى الشيخ محمد عبده وتلميذه رشيد رضا بمجلة المنار يوم 30 ذي الحجة 1330هـ. وانظر تعليق الشيخ أحمد حسنالباقوري على فتوى الإمام في كتابه: تحت راية القرآن، ص113، دراسات إسلامية، الطبعة الثانية، 1996م.
([3])  د.ثروت عكاشة: التصوير الإسلامي بين الحظر والإباحة، مجلة عالم الفكر، ج6 العدد2. الكويت، يوليو 1975م.
([4])  د.ريتشارد إتنجهاوزن: الفنون والآثار الإسلامية 2: 102، ترجمة محمد مصطفى زيادة. مكتبةالأنجلو المصرية، 1953م.
([5])  د.ثروت عكاشة، المرجع السابق.
([6])  د.جمال محمد محرز : التصوير الإسلامي ومدارسه، ص 12. مصر 1962م.
([7])  د. وفاء إبراهيم:فلسفة فن التصوير الإسلامي، ص16-18. الهيئة المصريةالعامة 1996م.
([8])  السابقص 18.
([9])  صحيحمسلم ج6 ص 160.
([10])  د. جمالمحمد محرز: التصوير الإسلامي ومدارسه، ص18،19.
([11])  ضمنبحوث المستشرق اتنجهاوزن في: تراث الإسلام، ج2 ص 422، الكويت 1988م.
([12])  الرحمن:22.
([13])  د.حسين مؤنس: المساجد، ص153- 154. عالم المعرفة، العدد 37. الكويت 1981م.
([14])  السابقص 272، 273.
([15])  TitusBurckhardt:Art of Islam, England 1976.
([16])  راجع:مصر الإسلامية. الهيئة العامة للاستعلامات، ص 77، 79.
([17])  انظر:إتنجهاوزن: الفنون والآثار الإسلامية، ص 88.
([18])  إتنجهاوزن:التصوير عند العرب، ص 20. ترجمة د.عيسى سليمان وسليم التكريتي-  بغداد 1973م. وانظر: د. وفاء إبراهيم: فلسفة فنالتصوير الإسلامي، ص 22 وما بعدها.
([19])  المسعودي:مروج الذهب ص 96.
([20])  د.جمال الدين محرز: التصوير الإسلامي ومدارسه ص 76، 99، المكتبة الثقافية، مصر 1962م.
([21])  السابقص 104 وما بعدها.
([22]) Mustafa Ali: Gelibululu Manakib –I Hunerveran(Mans-Copy. Topkapi Museum),  Ed. 2, 1934,p.66.
([23])  د. نعيمة الشبستي:التصوير الإسلامي التركي، مجلة عالم الفكر، ج16، العدد 3، 1985.
([24])  د.جمال الدين محرز: السابق ص 122. 

جميع الحقوق محفوظة لمركز التراث والبحوث اليمني 2011 - 2012 ©