الدراسات والبحوث

المفكر الإسلامي زيد بن علي الوزير المفكر الإسلامي زيد بن علي الوزير

زيد بن علي بن عبدالله الوزير. أديب، شاعر، مفكر، سياسي، مؤرخ، محقق، يتميز بالوسطية والعقلانية في منهجه الفكري، مع إدراك عميق، وإلمام واسع، وطرح متزن.

 يتضح ذلك من خلال ما طرحه في بعض مؤلفاته الفكرية والسياسية لعدد من القضايا أبرزها مسألة الفردية في الفقه السياسي عند المسلمين، وما تمثله من أزمة في فهم صلاحية الحكم الفردي، أطروحة عميقة، ودراسة جادة صاغها وقدمها بحرية في كتابه (الفردية ـ بحث في أزمة الفقه السياسي الفردي عند المسلمين).

في الينابيع الزيديَّة

2011/5/10
- ترجمة :
- التبويب : -



(1)


يبدو أن الحديث عن «الجاروديَّة» كفرقةغير «زيديَّة» قد أحدث ضجة كتابيَّةوشفهيَّة، توزعت بين الهمس العاتب، والجهر الغاضب، والقبول الحسن أيضاً، وما تزالتجر ذيولاً، فسعدتُ بردود الفعل الراضية بطبيعة الحال، كما سعدتُ بردود الفعلالغاضبة أيضاً. فأما سعادتي بالراضية فاعتزازي بقدراتهم الذهنيَّة على الاستيعاب،وبقناعاتهم العلميَّة بحقائق التاريخ. وأما ابتهاجي بالغاضبة فلأن البحيرة الآسنة قد بدأت تتحرك، ولأن روائحها الكامنة بدأت تنفثغثاءها عنها، في بداية عمليَّة تصفية داخلية تنقيها من أوحالها، وهذا في حد ذاتهمغنم يحمل البشائر ببدء عمليَّة التنظيف، ويبعث على الرضاء، ولو عبر جوقة منالشتائم وصناجة من الغمز واللمز.


وقد جرّني الحديث الغاضب حول ما أثاره مقالي عن «الجاروديَّة ليست زيديَّة»، ومحاولات الهجومالشرس على من يقول بمثل ما ذهبت إليه، إلى المزيد من الفحص والتدقيق، وتبين لي عدةأسباب وراء الحملة المسعورة، رحت أرصدها. فمنها أن إثبات الفصل بينهما لميتوضح بما فيه الكفاية، وأنه يحتاج إلى مزيد بحث، لأن الدمج بينهما قد تعتقفي الأعماق، وتغلغل في الوجدان أزماناً طوالاً، وأنه لن يتوضح بمجرد مقال أومقالين، بل يحتاج إلى المزيد من الإيضاح، والمزيد من الصبر، والكثير من المتابعة،خاصة والأرض ليست ممهدة، بل إن هناك حواجز ذهنيَّة، جبلت على الرفض التلقائي لمالا تراه ولا تؤمن به، تحول دون تقبُّل القول بفصل «الجاروديَّة» عن «الزيديَّة»،وترفض قبول حقيقة أن «الجاروديَّة» فرقة أو مذهب سياسي مستقل بذاته.


وهناك سبب آخر للهياج وهو أن الفصل بين «الزيديَّة»و«الجاروديَّة» سيقلب الموازين المتعارف عليها، ويخلُّ بقواعد البناء السياسي الذيقامت عليه نظريَّة البطنين، ويلحق ضرراً بالمألوف والمغنم السياسي الذي أفرزه،فالتمسُّك بـ«الجاروديَّة» كـ«فرقة زيديَّة» إذن يعود إلى ما طرحَتْهُ من فكرٍسياسيٍّ جمع بين النص الخفي، وما يسمى «البطنين»، ومن اليقين أنها لو لم تأت «الجاروديَّة»بما جاءت به من نظريَّة سياسيَّة، لما تم التمسك بها إلى هذا الحد المفتون، ولماتم إهمال «الصالحيَّة» أو «البتريَّة» و«أحمد بن عيسى»؟ الأقرب إلى أفكار الإمام «زيد».


ويظهر أن حبّ هذاالانتماء قد أُشبِع في قلوبهم، إلى درجة أنهم لا يريدون أن يسمعوا صوتاً آخر يخالفما ألفوه، وانطوى هواهم عليه، وتبنّوه واتّبعوه، فهم على ما وجدوا عليه آباءهمعاكفون، وبه راضون، وعلى ما أُلْقِي في أذهانهم حريصون مطمئنون، يدافعون عنه دفاعاللبؤة الجائعة، ويهاجمون من قرُبَ من عرينهم - الذي تحصّن بتراكم الزمن الطويل -بكلّ ما أوتوا من قوة، وليس هناك من دليل أبلغ على هذا الإشباع من هذه الاستماته،ومن هذا التعصب الأعمى الذي جعلهم - لشدَّة شغفهم بما لديهم - يبصرون الندوباتالبارزة والبثور الواضحة، فيخالونها زينة وتزييناً، ولو أن أصحاب هذا الدمجفتحوا أعينهم وحدقوا في نور الحقائق، لوجدوا أن الفصل بين «الجاروديَّة» و«الزيديَّة»يصب في صالح المذهب الذي به يعتزون، وإليه ينتمون، ولكنهم في غمرة التمسك بالدمجيهيمون ويعملون عمل الحبّ القاتل (ومن الحبِّ ما قتل)، ولو اقتنعوا بالفصللعادوا بالمذهب إلى ما كان عليه نقيًّا كالشعاع، مشرقاً كأضواء الفجر، ولكنهم وقدتشبَّعوا بحبِّ الملصقات لم يعودوا يرون إلا الملصقات، كأن أنظارهم قد سمِّرتعليها، وكأن أبصارهم عَشِيَتْ فلا يرَوْن حقائق الفصل أمامهم سافرة سفور الضحى،مشرقة إشراقة النور، وإذا ما سمعوا صوتاً آخر يدعوهم للتفكير في ملصقاتهم، جعلواأصابعهم في آذانهم، واستغشوا ثيابهم وأصرُّوا واستكبروا استكباراً لكي لا يسمعواإلا دوي أصواتهم المحتدمة في الأعماق؛ فيلتذّون بالسماع لها، والتغنِّي بها،ويكتفون بموسيقاها المخدرة، ويدخلون في البيات الطويل.


إن ما كتبته، وماكتبه شيخنا العلامة الكبير «محمد سالم عزان» عن «الجاروديَّة» في مجلة «المسار» لميكن كافياً كما يبدو، فكثير من المتلقين الصامتين، أو الناطقين لم يعجبهم مثل هذهالأحاديث، وقد استنفر منهم من استنفر، مما أكد لي أن البحث بحاجة إلى مزيد منالتوضيح وتنظيف العيون الرمدة لتتمكن من الإبصار الرشيد. ولو لم تكن هذه الأصواتالغاضبة قد خافت على المألوف لأصغت فوجدت في الإصغاء ما يفيد، فالمطلوب منها أنتسمع وتعي وتستوعب ما يقال، حتى ولو لم تقرّ ما سمعت وما وعت وما استوعبت، إذالمطلوب منها أن لا تنكر بدون برهان، ولا تستكبر بدون علم، فليس في العلم استكبار،وليس دون البرهان من فرار، والبحث الموضوعي هو الطريق الآمن للوصول إلى الهدفالمقصود.


وليست هذه الحالة مقصورة على هذا الموقفالجارودي، ولا على هؤلاء المتمسِّكين بانتمائه، ولكنها حالة عامة يواجهها دعاةالإصلاح في كل زمان ومكان، خاصة عندما يبدأ الفجر يفتق أعين النيام، تلك التي لاتستطيع رؤية الضوء مرة واحدة، فتسرع في إغلاق أجفانها حتى لا تفر منها صور ما تعوَّدتعليه وأَلِفَتْه. وفي «الحالة الجاروديَّة» هذه، نشاهد أن أول ضوء أبان عن وجودفاصل بين «الزيديَّة» و«الجاروديَّة» قد أثار المتمسكين بالاندماج، فمضوا يحاولونإعادة الالتصاق إلى ما كان عليه، وفي محاولتهم هذه تبنوا أدوات الهجوم، لا أدواتالبحث، ولم يستخدموا - وهم في ذعر الخوف من الانهيار الأخير - الكلمة الباحثة، ولاالمنطق العلمي، ولكنهم جهروا بالصراخ والغمز واللمز، وهو أمر أتفهّم دوافعه، ولاأضيق به، بل أجد نفسي مدعوًّا أكثر إلى وجوب التوضيح، لعلمي بكثافة تراكم الدمج فيالذهنيَّة العامة، واستعدادي في مقابل الوصول إلى الحقيقة تقبُّل السهام الحانقة.


(2)


ومضة الضوء تلك إذن لم تكن كافيةللإبصار، وتحريك الراكد الآسن وإن بدأ يصفِّي نفسه بإخراج غثائه، لم يكن كافياًلتنظيف البحيرة من غثائها. ولا بدّ - كما سبق أن قلت - من إلقاء المزيد من الأضواءوالمزيد من الحركة حتى تتوضح الصورة على حقيقتها، وتتفتح أجفان النائمين من خدرمألوفها، فتتلقف ما يقال بمنطق البحث والاستقصاء، لا باستشعار البغضاء. وبطبيعةالحال فليس المطلوب منهم أن يتبعوا آراء هذه المحاولات، أو يوافقوا معها، وإنماليخرجوا من الاستغراق في السبات الطويل فيدرسون مع الدارسين هذه الحالة بطريقة علميَّةموضوعيَّة، وربما قادتهم الدراسة إلى إثبات ما يعتقدونه بطريقة علميَّة، وخطأ ماذهبنا إليه، أما هذا الرفض وهذا الانفعال وهذا التوتر فلن يقودهم إلى فائدة، ولنتكون له نتيجة، وسيكون موقفهم كما يقول المثل العربي: أوسعتهم سبًّا وأودوابالإبل.


ونحن- في مركز التراث - نعتقد بوجودملصقات في هذا المذهب العظيم ليست منه، ينبغي عن طريق البحث إزالتها، لا حبًّا فيالمذهب فحسب، وإنما حبًّا للحقيقة أيضاً. وقد آلينا على أنفسنا خدمة للحقيقة أننواصل البحث مهما لقينا من غضب الغاضبين، ومقت الماقتين، وشتم الشاتمين، ومحاولةالالتفاف على البحث بإخراجه من أطره العلميَّة إلى شخصنة فرديَّة، ملجأ لمن لا يملكدليلاً. وهذا النمط معروف وربما كان في طريقه إلى التواري. وسنظل نتجنب هذه الفخاخالمنصوبة ولا نلتفت إليها ونظل نركز على القضيَّة الجوهريَّة، فنحاور بالحسنى،وبالكلمة الباحثة، والأسلوب العلمي، ولن تجرنا ردود الفعل إلى نفس إيقاع الفعل،فنضرب على صناجة الغمز واللمز، ونغني على قيثارة الشخصنة، من أجل تحويل البحث عنمساره، بل سنبقى في إطار البحث الموضوعي بكل تجرد، لأن هدفنا هو الحقيقة مااستطعنا إلى ذلك سبيلاً.


وفي الوقت نفسه فلن نرفض- ولكن لن نقبل -رأي من يدافع عن هذه الملصقات، فمن حق أي إنسان أن يدافع عما يراه، ويؤمن به، ولكننتمنى أن تظل الأبحاث في أطرها العلميَّة ، تتحاور بالقلم المؤدب، والتنقيبالموضوعي، وليس بالشتائم والسباب، ونحن - بهذه المقالات - نحاول رفع الملصقاتلأنها - بكل بساطة - ليست منه.


وفي هذا السبيل، ومن أجل هذه الغاية،عدت إلى أعماق التاريخ أستخرج من مغموره ومدفونه، ما يبطل حقيقة الالتصاق أويثبتها، فعثرت على نصوص تخالف ما تآلف الناس عليه - وكثيراً ما تآلفوا على باطل - وتزيلما لصق بهذا المذهب ما ليس منه، أو ما ألقي عليه من شوائب - والشوائب كثيرة - منمثل إلصاق «الزيديَّة» بـ«الجاروديَّة»، وأحببت أن أعرض ما توصلت إليه على الناس،وإذا بها تثير عش الزنابير.


وإذا كنت أتفهم حالة الحفاظ على المألوفالمعتاد ولا أقرُّه، فإني أرى أن خلف الحرص على المألوف يكمن أمر سياسي مفيدلطائفة من الناس، وهي حالة تتكرر باستمرار، خاصة في عهد العكوف الدائم على ما كانعليه الناس، بحيث يغدو الحفاظ على المألوف ليس فقط حفاظاً عليه، بل جزءاً منالحفاظ على الحالة الاجتماعيَّة والسياسيَّة، وهم يعتقدون اعتقاداً جازماً بأن أيخطر يمس هذا المألوف حتى ولو كان مهترئاً، يذيب الحالة الاجتماعيَّة، ويطيحبالمغنم السياسي معاً، ومن ثم وبدافع الخوف من هذا التحول يتم الهجوم غير الواعيوغير المستبصر في عمليَّة تعبر ليس عن الخوف من زوال الملصق فحسب، وإنما من اهتراءالحالة الاجتماعيَّة، وذهاب المغنم السياسي.


(3)


وأريد قبل أن أنتقل إلى نقطة أخرى مننقاط البحث، وهي أن بعض الذين ناقشوا هذه القضيَّة كتابة ومراسلة ومشافهة، لم يسؤهمالقول بأن «الجاروديَّة» فرقة مستقلة، وأنه صاحب القول بالبطنين بقدر ما أساءهم أنصاحب هذا القول ليس «زيد بن علي»، لأنه إن ثبت هذا فإن البطنيَّة تسقطتلقائيًّا عن «الزيديَّة» وتلتصق بأمها الشرعيَّة، ومن هنا سعوا جاهدين ينسبون هذاالقول إلى الإمام «زيد بن علي» نفسه، كما سنرى.


على أن هذا الإنساب غير ثابت تاريخيًّاإلى الإمام، وإثبات عدم انتسابه يضر بالمدافعين عن «الجاروديَّة» ضرراً ماحقاً، إذإن عدم قول الإمام «زيد» به، يقطع صلة «الجاروديَّة» بشكل نهائي بـ«الزيديَّة» ،وتصبح البطنيَّة بصفة خاصة قول طارئ على «الزيديَّة» جاء به «أبو الجارود»وتبناه من جاء بعد «أحمد بن عيسى بن زيد» لأسباب سياسية قاهرة لا عن طريق نص وإنماعن طريق ترتيب حجج منطقيَّة، ومن الثابت أن البطنيَّة والنص الخفي همااللذان جعلا كل مؤرخي العقائد يلصقون «الجاروديَّة» بـ«الزيديَّة» في عمليَّةمتقنة التمويه.


وإذ أقول هذا، فإني في الوقت نفسه أتقبلنتيجة أي بحث يوصل إلى الحقيقة؛ فلو سلَّمنا جدلاً بأن البحث العلمي أفضى إلى أن «الجاروديَّة»هي «فرقة زيديَّة» فسأرحِّب بنتيجة البحث هذا، لأن الهدف هو الوصول إلى الحقيقةالتي جاءت نتيجة دراسة موضوعيَّة، وعندئذ تبرز «الجاروديَّة» «فرقة زيديَّة»بطريقة علميَّة، أما بهذا الشكل الذي هي عليه، فيأبى التاريخ قبول هذه النتيجة.بيد أني سأظل في حالة ثبوتها أعتبرها نغمة نشاز في اللحن الزيدي الرائع، والاعترافبالشيء المر

لا يعني الرضاء به. وفي اعتقادي أن «الزيديَّة» قد ألبست بعض ثياب أخرى خالفتثيابها الأصيلة، وناقضت ما يقوله منطق التاريخ وحقائق الوقائع عنها، وهذا ما أطرحههنا للبحث العلمي الموضوعي، من أجل الوصول إلى الحقيقة الصرفة، ومن ثم علينامواصلة الجهد بغية الوصول إلى الحقيقة، ومتى توصلنا إليها علينا تقبُّلها برحابةصدر، وأنا أعتقد أن النافر سيجد ما يفيد.


نجاح ذلك كله مشروط بتبنِّي البحثالموضوعي، وليس الشخصاني، أما إذا كان البحث هياجاً مطلقاً، وصراخاً نائحاً،فستكون نتيجته - أي نتيجة البحث - أشبه بصراع الثور الهائج مع الخرقة الحمراء التيتستنزف قِواه شيئاً فشيئاً، حتى يسقط أخيراً من الإعياء وهو يلفظ أنفاسه اللاهثة.


(4)


كنت قد أوضحت فيالمقالات السابقة أن «الجاروديَّة» ملصق شاذ وضع على بنيان مذهب سامق البناء، شامخالارتفاع، وأن هذا الملصق لبث يتوسع ويمتد حتى لوّن الواجهة السياسيَّةكلها بلونه القاتم. وقد بينت - حسب الجهد والطاقة - أن هذه «الجاروديَّة» شيئ، وأن «الزيديَّة» شيئ آخر، ولمأتوسع فيما أوردته من نصوص حول هذا الإفتراق، ومع ذلك فيخيل إلي أن المقال شقطريقه في درب العناد بدون أن يقر المعاندون، ويلمس ذلك من خروج الردود الغاضبة إلىاتجاه آخر، عندما لم تستطع ردًّا منطقيًّا، والانصراف عن النقطة الجوهريَّة يعني -حتى الآن - أن قضيَّة الفصل بينهما هي الأقوى، بل تكاد تكون قضيَّة محسومة، لكنالإقرار بها ينهي على نحو قاطع دعاوى لم ينزل الله بها من سلطان، وهم بتلك الدعاوىمتمسكون، وتمسكهم بالدمج بينهما ليس من أجل الدمج، وإنما من أجل الحفاظ على أنإبقاء فكرة البطنين السياسيَّة بوجه خاص نصًّا نبويًّا، وليس اجتهاداً قام علىاستنباطات، وقد ألحق «أبو الجارود» بـ«الزيديَّة»، لهذا السبب. ومن الثابت على ضوءمؤلفات الإمام الأعظم «زيد بن علي» أنه لم يقل بالنص النبوي على أمير المؤمنين،ولا بخلافة البطنين، وإنما قال بهما «أبو الجارود»، وعندما بدأت أنساب الأفكارتلتحق بآبائها راح البعض يتلمس في أقوال الإمام «زيد بن علي» ما يثبت أنه قالبالنص وبالبطنين معا، وهذا كما سترى مخالف تماماً لما جاء به الإمام «زيد»، ويبدوأنه بسبب تراكم هذا المعتقد في الأعماق والزمن، فقد تكرس في العقل الباطن حتى لوّنالحروف والألفاظ وقرأ هؤلاء الأولويَّة،

- التي قال بها الإمام «زيد» - نصًّا نبويًّا.


هذه هي القضيَّةالمركزيَّة، ولأن «الجاروديَّة» هي أول من قالت بالنص النبوي الخفي وبإمامة «البطنين»فقد ضمت إلى «الزيديَّة» وسط ترحيب كبير، باعتبارها عندهم تعكس رأي الإمام «زيد»،بل ذهبوا إلى أنها آراء الإمام «زيد» من قبل «أبي الجارود»، وعندما تزلزل البنيانالقائم راحوا يحومون حول أقوال منسوبة إلى الإمام «زيد بن علي» بقصد إثبات أنهاكلامه، ومن ثم إبقاء «الجاروديَّة» بين أظهرهم ليس ضيفاً مرحَّباً به فحسب، ولكنكصاحب الدار وصاحب المنزل أيضاً. وهكذا يتضح أن وراء محاولات الاحتفاظ بـ«الجاروديَّة»الاحتفاظ بالنص وبفكرة البطنين، ولكن بعد أن لاحت معالم الافتراق بين المذهبينواضحة، وخشي من أن تؤثر على فكرة البطنين كان الهجوم الشخصي بدلاً من البحث العلميهو التدبير الواقي لإبعاد مسير النقاش عن وجهته، وتحويله إلى وجهة أخرى، ثم كانتالمحاولات الملتوية لإسقاط قول «أبي الجارود» في كلام الإمام الأعظم «زيد بن علي»،مستهدفين من ذلك عدم التفريق بينهما، وبذلك يستبقون النص فيما إذا فقدوا «الجاروديَّة»التي لم يحسنوا صنعاً في الدفاع عنها، كما أرى.


(5)


يقضي البحث أن نؤكد، منذ البداية، أننالا ندين أحداً ولا نسعى إلى هذه الإدانة، وإنما نتلمس الطريق إلى الحقيقة، انطلاقاًمن اعتقادنا بأن الخلافة من أولها إلى آخرها ليست من أصول الدين، وإنما هي صياغةبشريَّة تتميز عن غيرها من أنواع الحكم أن ثوابتها فقط هي المنصوص عليها كالعدلوالشورى.. إلخ. وأنه إذا ما توفرت الثوابت فأي مسلم له الحق في أن يكون خليفة.فكما أصبح «عمر ابن عبد العزيز» خليفة لالتزامه بالثوابت يصبح لمن على نمطه نفسالحق بدون أي اعتبار، وكان يمكن لمعاوية أن يكون خليفة للمسلمين لو التزم بالثوابتولكنه لما أخلّ بها كان ملكاً وكان ملكه عضوضاً.


وإذن، فإن ما طرأعلى الفقه السياسي من دعاوى هي في نظري اجتهادات سياسيَّة ليس غير. ومن هنا فنحنعندما نتبنى هذا التحليل فإننا لا ندين أحداً في اجتهاده ما دام ضمن الثوابت، ونقرأما قال به على أنه اجتهاد سياسي لا نص نبوي.


(6)


وفيما نحن بصدده، أي إثبات أن نظريَّة النص والبطنين همااجتهاد محض واستباط منطقي، علينا أن نتبين أولاً بغض النظر عن إمكانيَّة النحل أوالزيادة أو النقص، في كتب الإمام «زيد بن علي» - عليه السلام - وبالذات في موضوعالخلافة، والنص والبطنين، كما سنناقش بعد قليل مقولة أن ما قاله «أبو الجارود» هوقول الإمام نفسه، في سبيل هذه الغاية يستشهدون ببعض ما جاء في كتاب «تثبيت الوصيَّة»للتدليل على أنها ليست أقوال «أبي الجارود» وإنما أقوال الإمام «زيد» نفسه. فلننظرما قال الإمام عليه السلام؟، ثم ننظر ما فهموه من أقواله، ثم نناقشهم فيما ذهبوا إليهمن فهم.


يقول عليه السلام: (سلوا النَّاس: هلأوصى رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم، أو لم يوص؟ فإن قالوا: لم يوص، أو لا ندري أوصى أو لم يوص، فقولوا: إنَّ فيالقرآن دليلاً على أنه قد أوصى، يقول اللّه تبارك وتعالى: {يَا أيُّهَا الذِيْنَآمَنُوْا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ حِيْنَالوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ}([1]) وقال: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَأَحَدَكُمُ المَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الوَصِيَّةُ لِلوَالِدَيْنِوَالأقْرَبِيْنَ}([2]). وقال: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍيُوْصِيْ بِهَا أوْ دَيْنٍ}([3]). وقال: {أمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْحَضَرَ يَعْقُوْبَ المَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيْهِ مَا تَعْبُدُوْنَ مِنْ بَعْدِيْقَالُوْا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيْمَ وَإِسْمَاعِيْلَوَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحَنُ لَهُ مُسْلِمُوْنَ([4])}([5]).


من الواضح أن الإمام الأعظم «زيد بن علي»يعرف أن هذه النصوص القرآنيَّة هي في الورث والتركات، وأنها ليست في الخلافة،ولكنه أراد كما يبدو إثبات وجود الوصايا، ليستنبط منها رأيه في أن «للنبي» عليهالصلاة والسلام وصايا سياسيَّة أيضاً، ويستشهد على ذلك بما كان يوصي به من أمراءالسرايا التي كان يبعثها عليه الصلاة والسلام:(كان يبعث السَّرايا فيوصيهم)([6]).


ثم يتساءل كيف (يؤمِّررسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حياته ويوصي بهم، ويدع أهله وذريته والأمةجمعاء لا يوصي بهم أحداً)([7]). وينتهي إلى القول:(فهذا مما يستدل به على أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أوصى ولميُضيع أمر أمته)([8]).

ثم يقول إن الناس إذا قالوا (لا ندريإلى من أوصى، فإن في القرآن ما يستدلُّ به على وَصِيِّه، لأن رسول الله صلى اللهعليه وآله وسلم كان خير الناس وأعلم الناس؛ فينبغي أن يكون وصيّه من بعده خيرهموأعلمهم، وأطوعهم لأمره، وأنفذهم لوصيته، وأوثقهم عنده).

واستنتج من هذا أن الرسول عليه الصلاةوالسلام بناء على الفضل والسبق والجهاد كان يرى الأولويَّة لـ«علي» عليه السلام. (فكانعلي صلى الله عليه أحق الناسبالله وبرسوله صلى اللّه عليه وآله وسلم، فكان إمامهم بعد نبيِّهم) ([9]).

ثم قال : (وأحق الناس بالناس وأولاهمبهم الحسن والحسين لأنهما ذريَّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعقبه) ([10]).


فهذه النصوص التي يوردها المتمسكون بـ «الجاروديَّة»وبـ «البطنيَّة» على نحو أهم يحاولون أن يثبتوا أنها حديث نصوص، لا حديثأولويَّة، مع أنها تفصح عن نفسها بعكس ما يريدون. ثم إن كتاب «تثبيتالوصيَّة» و«تثبيت الإمامة» لا يتحدثان عن نص صريح ولا نص خفي، وإنما يتحدثانبوضوح عن الأولويَّة.


من ناحية مضادة قديحتج محتج بأن كتاب «تثبيت الوصيَّة» قد لا يعني تثبيت الولاية السياسيَّةبالضرورة، ولكن الإمام «زيد» في كتابه «تثبيت الوصيَّة» أثبت الوصيَّة السياسيَّة،عن طريق الاستقراء والاجتهاد؛ لا عن طريق النص، ومن ثم ناقش الإمام «زيد» موضوعالوصيَّة نقاشاً هادئاً موضوعيًّا، استخرج منه حسب رأيه ما يدل على وجود وصيَّة فيأمير المؤمنين «علي»، أي أنه استنبط بالمنطق والعقل هذه النتيجة، وأن الضرورة تقضيبوجود وصيَّة، وأن «عليًّا» كان الأولى والأحق، لكنه لم يقل أن الرسول نص على «علي»،حتى يقطع كل لجاج، وإنما أدلى برأي، وهو على كل حال رأي يحظى بكثير من الاهتماموالتقدير، والفرق بين الرأي والنص كبير. والثابت أن مدلول الوصيَّةأشمل بكثير من مدلول النص، فالوصيَّة قد لا تعني النص السياسي وقد تعنيهأحياناً، أما النص فمحدد بالخليفة والخلافة. وقد ذهب البعض إلى القول بأنأمير المؤمنين هو الوصي على تراث النبي، وليس على الحكم، وعندما بتّ في موضوع فدك([11])، كان أميرالمؤمنين بحكم (نحن معشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة) وصيًّا علىصدقاته صلى الله عليه وآله. وعلى كل حال فحديث الوصيَّة بحاجة إلى معالجة مستقلة.ونعود إلى متابعة الموضوع فنسأل: لماذا لم يُسمِّ الإمام «زيد» كتابه «تثبيت النص»؟،ولِـمَ لم يقل: وأوصى بالخلافة لـ «علي»؟ بدلاً من أن يقول: وأحق الناس بالناسوأولاهم بهم الحسن والحسين لأنهما ذريَّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعقبه.


وقد قدمنا أن الإمام «زيد» كان يرى أنالإمام «علي» هو الأولى، ومعه في هذا الرأي كثير من المفكرينالأقدمين والمعاصرين، ولكن عندما أصبح «علي» خليفة لم يعد ثمة مبرر لإلغاء مَنقبله، خاصة ومعظم «الزيديَّة» يقرّون بعدالة «أبي بكر» و«عمر» ويأخذون بأحكامهما،وهكذا سيكون إلغاء الآخرين عمليَّة عبثيَّة. حقيقة، لقد جاء أمير المؤمنين «علي»إلى الحكم وقد تعقدت الأمور، وتبدلت الظروف، ونشأ جيل على مفاهيم أخر، ولو كان «علي»الأول أو حتى الثالث لحقق ما كان الناس به يحلمون، ولكن لم يأت إلا على فترة كاناللوبي الأموي قد أرسى منطلقاته.


وما يقطع اللجاجحول ما أراده الإمام «زيد» من أن «عليًّا» كان أولى بالخلافة، أنهقال في كتابه «القلة والكثرة»، عقب انتقال الرسول إلى الرفيقالأعلى: (انطلق المسلمون إلى رجل صالح فبايعوه ثم بايعوا بعده رجلاً، ثمانطلقوا بعده إلى رجل ظنوا به الخير، وظنوا أنه سيجري مجرى صاحبيه..فلما قتل انطلقولاة هذا الدين من المهاجرين والأنصار من أهل بدر وغيرهم من التابعين لهم بإحسانإلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، حتى أخرجوه من بيته فبايعوه غير مكرهين) ([12]).


فوصفه لهذهالحالات يبين لنا أن المسلمين انطلقوا إلى رجل صالح فبايعوه، ولم يتحدث الإمام «زيد»عن وصيَّة ولا نص، ولم يقل حتى: تناسوا الوصيَّة والنص، وانطلقوا إلى رجل صالح،وإنما يستفاد من ذلك أن الناس بايعوه، وأن البيعة صحيحة، وكيف ستصح إذا كانتالبيعة مخالفة لنص من رسول الله.


واستئناساً بموقف الملتفين من كلالمذاهب بما فيها «الخوارج» حول الإمام «زيد» يظهر أنه لم يقل بالنص وإلا لما وجدنفسه مؤيداً من قبل «الخوارج» أنفسهم ثم إن «المعتزلة» و«الأحناف» و«أهل الحديث»وغيرهم، لا يقولون بالنص، ولو لم يكن الإمام «زيد»يرى بيعة الخلفاء صحيحة لما قاتلت الفرق الإسلاميَّة الأخرى بما فيهم «الخوارج»تحت رايته، ولما سار مع «إبراهيم بن عبد الله» (جماعة ممن يذهب إلى قول البغداديين من المعتزلة وغيرهم)([13]).


وليس هناك من غرض آخر أن يتولى الإمام الخليفتين«أبا بكر» و«عمر» وهو يواجه الخطر في المعركة، فلا «السني» بحاجة إلى ذلك القول،وليس من مصلحة «الشيعي» الاتيان بها، وإذن فليس هناك من داع للشك في هذا الموقف،إنما الشك هو فيما يعارض هذا الموقف.


والخلاصة أن كلامالإمام «زيد» لم يتجاوز القول بأن الإمام «علي» كان أولى لعدة اعتبارات ذكرها فيمابعد، وهنالك فرق واضح بين القول بالأولويَّة المعتمدة على الاستنباطوالترجيح كما فعل الإمام «زيد» خلال الرسالة، وبين دعوى النص على الأشخاص،الذي ذهبت إليه «الجاروديَّة»، وبالتالي فما ورد في الرسالة لا يؤيد فكرة «الجاروديَّة»القائمة على دعوى وجود نص، ولو كان هنالك نص لذكره الإمام «زيد»، خصوصاًوأنه في معرض الاستدلال والحجاج، بل لم يستدل بالأحاديث التي ترى «الجاروديَّة» و«الإماميَّة»أنها نصوص في الخلافة، كحديث المنزلة وحديث الغدير، فضلاً عن غيرها. وإذا بطل النصفقد بطل أيضاً النص على البطنين.


أما القول بأن الإمام «زيد» كان يرىأولويَّة أمير المؤمنين «علي» فلا حرج في ذلك، فقد روى ذلك «البخاري» عن الإمام «علي»نفسه لاعتبارات مختلفة، كالسبق والتضحية والقرابة وغيرها، وادعى «الأنصار»أولويتهم لاعتبار الأرض والنصرة، وغلبت عليها «قريش» لاعتبار القبيلة والعرف.


فالنزاع إذن ليس في فرضيَّة الأولويَّة،ولكن النزاع في دعوى النص الشرعي، مع التنبيه على أن أي كلام لا يرتقي إلىرتبة النصوصيَّة حتى يكون قطعي الثبوت قطعي الدلالة، كما هو مقرر في الأصول.


(7)


نصل الآن لمناقشة سلامة كتب الإمام «زيدبن علي» نفسها من الدس والنحل، وللإمام كتب ألفها هو في زمنه أو جمعها تلاميذه في زمنه أيضاً.وفي العصر الحاضر قام العلامة «محمد سالم يحيى عزان» فجمعها وحققها في كتاب واحدسمّاه «مجموع كتب ورسائل الإمام زيد بن علي».


وأسارع إلىالقول بأنه لا يخالطني شك في أنه ألف هذه الكتب، فزمنه قد عرف التأليف، وقد ألفزميله «واصل بن عطاء» كتباً، وجمع تلاميذ الإمام «مالك» علمه في «الموطأ»، وجمعتلاميذ «أبي حنيفة» كتبه وهكذا، وهذا ليس هو موضوع بحث، لكن السؤال الذي يجب أنيطرح للنقاش هو: هل هذه المؤلفات بقيت على حالها كما تركها الإمام أو تلاميذالإمام ؟ أم أن المتعصبين من الجانبين قد أضافوا وحذفوا وسرّبوا ودسّوا كلمات وجملاً،وهم - كما سنرى - قد أضافوا بابين على كتاب «الأحكام» للإمام الهادي وحرفوا وبدلوافي كتاب «حقائق المعرفة» للإمام «أحمد بن سليمان» وحذفوا ما ليس يعتقدونه في «مجموعالإمام زيد ابن علي» إلخ، ويحسب في هذا المجال سهو النساخ العلماء، وأخطاء النساخالجهلة، وطمس المغرضين لكلمات، أو محو أخرى، كل ذلك يجب أن يحضر إلى طاولة البحثعندما تدرس كتب الأقدمين، وهذا ما يجب أن نركز عليه في هذا البحث وفي الأبحاثالقادمة.


علينا إذن أن نبين إذا كان هناك نحل، أوزيادة، أو نقص، أو حذف، في كتب الإمام «زيد بن علي» - عليه السلام - وبالذات فيموضوع الخلافة، والنص والبطنين، إذ إن إمكانيَّة تعرضها للعبث - على ضوء ما قدمناهمن عبث بكتاب «الأحكام» وغيره، وما سنزيده إيضاحاً عما قريب، ومن ثم علينا بكلأمانة وموضوعيَّة أن ندرس كل تلك الكتب دراسة علميَّة تتسق والمسار العام لأفكارالمؤلف، وتفكيره ومعتقداته، ومن السهل لو دققنا النظر فيها أن نرصد المدسوس، ونميزالزائد، ونحس بالناقص.


وفي هذا المقالسأتحدث عن كتاب «إثبات الوصيَّة» بصفة خاصة و«إثبات الإمامة» و«القلة والكثرة»بصفة هامشيَّة، وأبدأ فأطرح هذا السؤال: هل تعرضت هذه الكتب لبعض التحريفوالتصحيف؟


      مع أن ثبوت النحل والتصحيف إلخ.. ثابت بمالا يدع مجالاً للشك إلا أن هذه الكتب الثلاثة لا يمكن الشك في نسبتها إلى الإماموكذلك كتب الأئمة التي تعرضت للتصحيف، وإنما أقول إن ثمة إسقاطات مغرضة وتسريباتكائدة وقعت في هذا الكتاب أو ذاك، وهذا ما يجب أن تتنبه له وتتقراه الدراساتالمتعمقة التي وحدها تفضي إلى نتائج مرضية.


إن كتاب «تثبيت الوصيَّة» في مجملهصحيح، ولم يتصرف المسربون فيه كما تصرفوا في «المجموع الكبير»، ولكني أعتقد أنهمسرّبوا جملاً وكلمات تغير المعنى، وأن تغيير كلمة واحدة لتحدث تشويشاً وإرباكاً كبيرين،كما في كتاب «تثبيت الوصيَّة» حيث جاء فيه قوله عليه السلام :(فكان علي صلى الله عليه أحق الناس بالله وبرسوله صلى الله عليه وآلهوسلم، فكان إمامهم بعد نبيِّهم)([14]) فكلمة (كان أحقالناس) هي رأي الإمام «زيد» موثقة من مصادر مختلفة، ولكنالنتيجة التى وضعت لهذه الجملة: فكان إمامهم هي إسقاط من مغرض لا تتناسب معالأولويَّة، وتخالف ما جاء في كتاب «القلة والكثرة»: أن الناس سعوا إلى رجل صالح فبايعوه([15])، فكيف سيكون إمامهم بعد رسول الله مباشرة، وقد سعى الناسإلى رجل صالح فبايعوه.وهكذا تمكنت أربع كلمات من نقل الموضوع من رأي إلى حكم، بما لا يتسقمع سيرته الفكريَّة والعمليَّة، كما قدمنا . فإذا قال قائل إن التصحيف حدث في نصكتاب «القلة والكثرة» وليس في غيره، قلنا إن مجمل آراء الإمام في كل كتبه وفيموقفه الشهير وهو في قلب المعركة تدعم ماجاء في «القلة والكثرة» وتناقض ما يخالفه.


ولو عقل الناسأن أمير المؤمنين لن يزداد فضلاً بالخلافة، بل الخلافة فضلت به، أو على قول د «طهحسين»: (فلما ارتقى الخلافة أو ارتقت الخلافة إليه)، لما جعلوا الحكم معياراًللمكانة. ولنفترض أن أمير المؤمنين لم يرتق الخلافة، أو لم ترتق الخلافة إليه،وأنه لم يكن الأول، وكان الرابع فهل انتقص قدره؟ أو لم يكن أصلاً. وهل فقد مميزاتهالمذهلة؟ وما الفرق بين أن يكون خليفة أو لا يكون؟ وما الفرق بين الأول أو الرابع؟إنه في كل الأحوال منهج أعلى مكانة وأسمى من كل هذه الاعتبارات الجوفاء، إن «عليًّا»هو «عليّ» سواء أكان خليفة أم لم يكن، فهو إمام المتقين، والإنسان العظيم، صاحبالعدالة الاجتماعيَّة الإنسانيَّة، والخلق الرفيع، والعلم الواسع، والبلاغةالرائعة، فله من تلك الصفات ما يفوق صفات أي خليفة، وحسبه أن يكون «عليًّا» قبل أنيكون إماماً، فهو بذاته إمام، بأخلاقه إمام، وبعلمه إمام، وببلاغته إمام، وبشجاعتهإمام، ومتى ذكرت تلك الفضائل كان «عليّ» بكل تأكيد إمامها الأول، لكن العقليَّةالتي ألفت أن تنظر إلى الناس من خلال الخليفة أوالملك، وتقوِّم العظمة بميزان هذهالرتبة أو تلك، تظن أنه لو لم يكن إماماً لما كان إلّا إنساناً عاديًّا، كأن الناسبمناصبهم لا بأخلاقهم يوزنون، وبوظائفهم لا بعلمهم يقاسون، وهذا مفهوم جاءت بهأبهة الملك فانغرس في الأذهان ألاَّ مكان أعلى من مكان ملك أو سلطان، بينماالتاريخ يفهق بأئمة جهلة فاسدين، لا أخلاق لهم ولا علم، ومع ذلك ينظر إليهم وكأنهممن أهل المراتب العليا، إنها النظرة الدونيَّة إلى الفوقيَّة التي تشكل الأشياءبعين الذليل المهان.


نواصل ما نحن بسبيله، فنناقش إمكانيَّةالتسريبات. فنقول: ذكر العلامة «محمد يحيى سالم عزان» في مقدمته لكتابه «مجموع كتب ورسائل الإمام زيد» أن المخطوطات: (بدت مرهقة من كثرة التصحيف وسهو النساخوالتصحيحات العشوائيَّة مما سلب بعض الفقرات سلاسة التعبير وسلامة التأليفوبذلك غابت عنّا دقائق معانيها).


فهذه دلالة علىإمكانيَّة تسريب فقرات أو جمل، أو محو فقرات أو جمل، لكنه لم يصرح بما وراءها مندلالات، واكتفى بها تمهيداً لأبحاثه الجديدة التي توصل بها إلى ما هو أخطر من كثرة التصحيف وسهوالنساخ، إلى أن مدار رواية «تثبيت الوصيَّة» يقع على «جعفر بن عبد اللّه المحمديالمذري» الذي ينتهي نسبه إلى «محمد بن الحنفيَّة»، وهو أحد مشاهير رجال الإثنيعشرية، كما ذكره «المامقاني»، وأطال في ترجمته([16])، فـ «جعفر بن محمد» هذا إذن يشكل قناة رئيسيَّة لتسرب الفقه «الجارودي»،و«الإثني عشريَّة» إلى تراث «الزيديَّة»، ثم إنه متخصص برواية أحاديث الوصيَّة،ومنها ما يرويه عن شيخه كثير بن عياش عن أبي الجارود، فهو من مصادر الرواياتالجاروديَّة الدخيلة على التراث الزيدي. وهكذا يمكن القول إنه قد فقس في محضن الزيديَّة كلمات خفيَّةلم ير الناس أثرها فتغلغلت وفرخت. والرجل الثاني هو كثير بن عياش وقد تخصص أيضاًفي رواية أخبار الوصيَّة عن أبي الجارود وغيره.


ومن رواة تثبيت الوصيَّة «خالد بن مختارالثمالي»، وهو يروي الرسالة عن الإمام «زيد» لكنه شخص غير معروف، ويقولالعلامة «عزان» (وقد بذلت جهداً أثناء تحقيق الرسالة في معرفته، وخلصت إلىالآتي:


* ذكره في (الطبقات) في ترجمة الحسنبن الحسين العُرَني باسم «خالد بن مختار الثمالي»، وذكره في موضع آخر باسم «خالدبن محمد» ونقله عنه صاحب «الروض النضير».


* خلص الدكتور الحكيم في (مقدمة تحقيق الرسالة 111 ـ 112)، بعد بحث وترجيح: أن اسمه خالدبن محمد اليمان، وأن محمد اليمان من رؤساء الزيديَّة، ولعل خالداً هذا ابنه. وذكرأن الذي في المخطوطة: خالد بن مجاد اليماني.


* ذكر شريف الشيخصالح الخطيب في ( كتابه زيد بن علي المفترى عليه 86) أن اسم راوي الرسالة خالد بن مجياد اليماني، كما هو على مخطوطة برلين:وليس كذلك، فمخطوطة برلين التي استند إليها لديّ وعليها مكتوب: خالد بن مختارالثمالي.


* بعد ترجيحي أن راوي الرسالة هو خالدبن مختار الثمالي، تتبعت ما قيل عنه فلم أقف له على تاريخ وفاة ولم أجد له ترجمةتساعد على التعرف عليه سوى ما روى أبو العباس الحسني في (المصابيح... ) أن الحسن بن الحسين العرني قال: كان خالد بن مختار الثمالي خرج معإبراهيم بن عبد الله وذهب بصره. وروى عنه كلاماً طويلا في مسألة الخلافة.


* تفرد بالروايةعنه الحسن بن الحسين العرني، وما ذكر صاحب الطبقات من أن الحسن بن صالح روى عنه،فهو خطأ، جاء نتيجة رواية في (أمالي أبي طالب) جاءفيها: « أخبرنا أبو عبد الله محمد بن زيد الحسيني، قال: حدثنا الناصر للحق الحسن ابنعلي رضوان الله تعالى عليه، قال: أخبرنا محمد بن علي بن خلف، عن حسن بن صالح، قال:حدثنا خالد بن مختار، عن أبي حمزة الثمالي، قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام:إنما هلك من كان قبلكم بارتكابهم المعاصي، ووجه الخطأ أن محمد بن علي ابن خلف توفيفي حدود الثلاثمائة كما أفاد صاحب الطبقات، بينما توفي الحسن بن صالح سنة (169 هـ) كما أفاد صاحب الطبقات أيضاً، فكيف يتأتى أن يروي عمّن مات قبله بأكثرمن مائة سنة . فالمذكور في السند بأنه الحسن بن صالح، إن لم يكن مصحّفاً عن الحسنالعرني، فليس الحسن بن صالح بن حي بالتأكيد».


(وأما «الحسن بن الحسين العُرَني» فقد قال عنه «الحاكم الحسكاني»، نقلاًعن بعضهم: كان ثقة معروفاً بالعُرني، وذكره ابن داود في قسم الثقات من رجاله، وقالأبو حاتم وابن حيان وابن عدي: كان من رؤساء الشيعة) ([17]). ولكن هذا الرجلالثقة (روى «رسالة الوصيَّة» عن خالد بن مختار الثمالي ورواها عنه جعفر بن عبدالله المحمدي) ([18]).


من خلال ما قدمه العلامة «محمد سالمعزان» نرى رأي العين أن الجعفري الإمامي رواها عن «أبي الجارود» وأن «العُرني»رواها عن «خالد الثمالي» عن الإمام «زيد» مباشرة وخالد هذا يعتبر حتى الآن مجهولاً.


أفيحق لنا الآن أن نتساءل عن إمكانيَّةتسريب كلمات وجمل تثير إشكالاً وبلبلة وإرباكاً إلى كتب الإمام فتغير من مقاصده،وتبدل من مراميه، وأن ما سرِّب شبيه بالنقاط السود على الصفحة الناصعة على الأقل؟فعلينا أن نزيل تلك النقاط السود لوقوعها في صفحات بيض بالبحث والتنقيب لمعرفة مدىتغلغلها في الجسم السليم، ثم لوضع العلاج الناجع على الجرح الفاغر.


إننا الآن نقترب من عش الزنابير الذييحاول أن يمنعنا من الوصول إلى العسل المصفَّى، لكنا مصممون على الوصول إليه، مهماكانت اللدغات واللذعات ومرارة الألم، لتكون النتيجة بلسماً فيه شفاء للنّاس.


(8)


ما قدمناه كافٍللتدليل على الفارق الشاسع بين ما قاله الإمام الأعظم عليه السلام وبينما قال به «أبوالجارود»، ومع ذلك فما طرحه الإمام من رأي له أهميَّة بالغة، لأنه في حد ذاتهدراسة منطقيَّة تقوم على الأولويَّة والأفضليَّة، فيما يعتقده عليه السلام.


وما يؤكد أن «زيداً» لم يقل بالوصيَّة السياسيَّة أو النص السياسي هو أنحفيده الذي يوصف بأنه معتمد الزيديَّة «أحمد بن عيسى» كان (يجيز الإمامةمع العدالة الظاهرة في غير أولاد السبطين، وقد حكى المتأخرون إجماع العترةعلى خلافه) ([19]).

فنحن أمام نص هام يجب أن يتلقى بالدرسوالاهتمام لمعرفة ما حدث من تحولات من بعد إمام «الزيديَّة» فـ «أحمد بن عيسى» –حفيدالإمام هو (فقيه أهل البيت، أمه عالية بنتالفضل، قال المنصور بالله: «كان أحمد فاضلاً، عالماً، ناسكاً، زاهداً، ورعاً، حجثلاثين ماشياً»)([20]). وكتابه «آمالي أحمد بن عيسى» الذي جمعهالعلامة «محمد بن منصور المرادي» هو (أساس علم الزيديَّة وبناؤه) ([21]).

كذلكيجب أن نضع نص «المسعودي» الآتي في مختبر الدراسة لأنه يدعم رأي من يقول بأنالإمام «زيداً» يقول بالأولويَّة لا بالنص، قال «المسعودي»: (والذيذهب إلى أن الإمامة قد تجوز في قريش وغيرهم من الناس هم المعتزلة بأسرهم، وجماعةمن الزيديَّة من الحسن بن صالح بن يحيى ومن قال بقوله) ([22]).

و«الحسن بنصالح» هذا هو - كما ترجم له صاحب المستطاب - (العالم المشهور علمه في كل فن مزبور. وهو من علماء الزيديَّةالفحول. قال في التوضيح: وإليه تنسب الصالحيَّة من الزيديَّة، قال الإمام المهديفي كتابه المنية والأمل: قال أحمد بن حنبل: الحسن بن صالح صحيح الرواية صابر نفسهفي الورع والحديث، أخذ عنه العلم يحيى بن آدم والرقاشي. وعن مهربز عبد الرحمن قالولد سنة مائة [100/718م] ومات سنة سبعوستين [ومائة/783م] ... قال أبونعيم: كتبت عن ثمانمائة محدث فما رأيت أفضل من الحسن بن صالح. وقال أبو حاتم: ثقةحافظ متقن. وقال أحمد بن حنبل: ثقة، جزّأ هو وأمه وأخوه الليل مثالثة فماتت فقسماالليل سهماً فمات علي فقام الحسن بالليل. عن أبي سليم الداراني قال: ما رأيت منالخوف أظهر عليه من الحسن بن صالح، قام ليلة بـ«عم يتساءلون» فغشي عليه فلم يختمهاإلى الفجر. وعن الحسن بن صالح قال: ربما أصبحت ما معي درهم وكأن الدنيا كلها قدحبرت، وعنه قال: إن الشيطان يفتح للإنسان تسعاً وتسعين باباً منالخير يريد بها باباً من الشر. روى عباس بن معين قال: يكتب رأي الأوزاعي ورأيالحسن بن صالح. قال أبو زرعة: اجتمع في الحسن بن صالح بن حي إتقان وفقه وعبادة وزهد.وقال أبو نعيم: ما رأيت إلا من غلط شيء دون الحسن بن صالح. وقال ابن عدي: لم أر لهحديثاً منكراً فجاوز المقدار)([23]).

وروي عن الذهبي (ت. 748/1348م) أنه قال: فيه بدعة التشيع، وكان فيه خارجيَّة.فقال الحريبي: أنه ترك الجمعة، وكان يرى الخروج على الظلمة بالسيف. ثمقال: (قال ابن الجوزي في كتابه «صفوة الصفوة»: قال محمد: رأيتالحسن بن صالح ذات يوم شهد جنازة، فلما قرب الميت ليدفن نظر الحسن إلى اللحد فارفضّخوفاً. ثم قال: فغشي عليه، فحمل على السرير الذي كان عليه الميت فرد إلى منزله.قلت: وعقيدته موافقة لعقيدة سليمان بن جرير الآتي ذكره وهو أن الإمامة شورى تصحبالعقد وتصح إمامة المفضول وإمامة الشيخين صحيحة مع أولويَّة عليّ عليهالسلام)([24]).

ونستقدم أخوه «علي بن صالح بن حي» وهو (منعلماء الزيديَّة، وثّقه الذهبي في «الميزان» قال : وثقه يحيى بن معين) ([25]). ونستقدموالدهما «صالح بن حي» وهو(من العلماء الأعلام، عاصر زيد بن علي.قال الذهبي في الميزان: وهو صدوق، وثّقه أحمد وابن معينوالنسائي وآخرون قلت وله ذكر في كتب الفروع تدل على علمه) ([26]).

فهؤلاء الأعلام همأكثر الناس التصاقاً بالإمام «زيد» من غيره، وأعرف الناس بمذهبه من سواه، وهم بينحفيد ومعاصر وتلميذ وحفيد تلميذ، وقد وثّقهم ألد أعداء الشيعة «الذهبي»، ثم إن «أحمدبن عيسى» - حفيد «الحسن بن صالح» لأمه([27]) وحفيد «زيد بنعلي» - هو عالم «أهل البيت» ومرجع الزيديَّة، وعلى ضوء هذه السلسلة المنيرة يتأكد إن ما قالوه هورأي الإمام الأعظم عليه السلام.


ومع ذلك فقد تم تجاهل قول «أحمد بن عيسى»ورأي «الحسن بن صالح» ولم يأخذوا بموقفه هذا، وتبنوا رأي «أبي الجارود» وتركوا «أحمدبن عيسى» و«الحسن ابن صالح»، مع أن كتاب «أمالي أحمد بن عيسى» هو (أساس علمالزيديَّة وبناؤه).


ويقوي القول بالأولويَّة أن المجتهدين المطلقين الزيديين «صالح المقبلي» (ت. عام1108/1696) و«الحسن الجلال» يميلان إلى الأولويَّة أيضاً، حيث عبّر «المقبلي»والجلال عن القرشيَّة بأنها إخبار بما سيكون لا بما يجب أن يكون([28]). ويقول «المقبلي»: (وقدتكلف الناس الاستدلال بتلك الأحاديث على أن الإمارة أي الخلافة في قريش، وأنهامحصورة عليهم، وكان يلزمهم أن القضاء محصور في الأزد، والأذان في الحبشة) ([29]) ويقول «الجلال» في «العصمة من الضلال» أنها (إخبار بمايكون لا بما يجب)([30]). وعبّر «الجلال» عن هذهالأولويَّة بقوله: (واختلف القائلون بالمنصب، فالمختار أن منصبها عليّوأولاده)([31]). وليس بعيداً عنهما ما يذهب إليه الإمام

«أبو زهرة» من أن الأحاديث التي وردت في «قريش» تشير إلى فضلها لا إلى وجوبولايتها، باستثناء ما رواه «معاوية» من حديث، وقال إن تلك الأحاديث: (فيمجموعها لا تستلزم أن تكون الإمامة في قريش، وأنه لا تصح ولاية غيرهم، بل أن ولايةغيرهم صحيحة بلا شك، ويكون حديث «الأمر في قريش» من قبيل الإخبار كقول النبي (ص): «الخلافة بعدي ثلاثون، ثم تصيرملكاً عضوضاً، أو يكون من قبل الأفضليَّة، لا الصحة»([32]).


والحق أن ليس لقريش فضائل تفوق فضائلالأنصار، وإنما جاءت تلك الأحاديث لتخبر بما سيكون لا بما يجب أن يكون. وقالالمرحوم «محمد المبارك» في كتابه القيم نظام الإسلام- الحكم والدولة أن (رسولالله (ص) يقر أمراً واقعاً...فالقول في معرض تقرير واقع، لا إيجاب حكم)([33]).


ويقويه أيضاً أننيلم أجد بين مصنفي كتب المقالات والآراء والديانات من ينسب القول بوجوب حصرالإمامة في «البطنين» إلى غير «الجاروديَّة»، وما جاء في «تثبيت الوصيَّة» كمارأينا وكذلك ما جاء في «تثبيت الإمامة» إنما هو حديثٌ عن أولويَّة، وليس حديثَوجوب؛ حديثُ رأي، وليس حديثَ نص، ذلك أن الإمام «زيداً» كان يرى الإمامة في «عليّ»من باب الأولويَّة لا الوجوب، ومن باب جواز بيعة المفضول على الأفضل، وبلغة اليومكان «عليّ» مرشح «زيد»، ولكن بيعة

«أبي بكر» و«عمر» و«عثمان» تمت بالأكثريَّة وتمت بيعة «عثمان» عن طريق الترشيح،فانتخاب هؤلاء قد تم بطرق صحيحة مهما كانت الثغرات التي وجدت في عمليَّة الانتخاب،فالجوهر قد حوفظ عليه.

وأنا أعتقد منناحية نظر تاريخيَّة بحتة أن الإمام «علي» لو بويع بعد رسول الله لربما سارالتاريخ في خط آخر، ولكانت له نتائج مختلفة، ولما بزغت معضلة الخلافة القرشيَّةالتي تجذَّرت بفعل تجاهل «الأنصار»، وإبعادهم عن الخلافة، وعن القيادات العامة فيجهاد المرتدين، ومانعي الزكاة، والفتوحات العظيمة، وحتى غُيِّبوا عن انتخاب الستةالذين رشحهم «عمر» والذين لم يكن بينهم أنصاري واحد، فكان استبعادهم طيلة خمسةوعشرين عاماً عن الخلافة منذ يوم تولى «أبو بكر» بجهود «عمر» و«أبي عبيدة»، ومروراًبعهد «عمر» الذي تولى بترشيح «أبي بكر»، وانتهاء بعهد «عثمان» الذي رشح ضمن ستةقرشيين، أقول: كانت هذه الفترة كافية لأن تتحول هذه القرشيَّة إلى عرف سياسيمهيمن، حتى إنه عندما قُتل «عثمان» انصرف الناس بدون ترشيح، إلى إمام قرشي، قديكون فضائله ومزاياه وشخصيته الفذة هي التي جذبت الناس إليه، لكن القرشيَّة مع ذلكقد حضرت باعتبارها عرفاً دستوريًّا، ثم جاء «معاوية» فروى حديثاً يقضي بأن الأئمةمن قريش (سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: « إن هذا الأمر في قريشلا يعاديهم أحد إلا كبَّه الله على وجهه ما أقاموا الدين)([34]) فتحولت إلى قضيَّة دينيَّة بحتة، ولوكان الإمام بويع بعد «رسول الله» لما استُبعد «الأنصارَ» ولما كانت القرشيَّة، ومعأن «أبا بكر الصديق» كان رجل الساعة، وأنه كان الشخص المناسب في المكان المناسب،وكانت سياسته الحازمة في مقاتلة المرتدين ومحاربة مانعي الزكاة قد أبرزته قائداًمحنّكاً وخليفة جديراً بمكانته، وإنه لكذلك، فقد كانت هذه المواقف هي نفس مواقفالإمام «عليّ»، وعندما نتتبع تلك المواقف نجد أن «عليًّا» كان يتفق مع «أبي بكر»في آرائه حول مقاتلة المرتدين ومحاربة مانعي الزكاة، بأكثر مما كان يقف «عمر بنالخطاب» معه، مما يدل على أن «عليًّا» كان موقفه في قتال المرتدين ومحاربة مانعيالزكاة نفس موقف «أبي بكر» قائداً محنّكاً وخليفة جديراً بمكانه أيضاً. وقد تعرضالإمام لموقف أشد إيذاء للنفس من أي موقف آخر، وهو خروج «أصحاب الجمل» عليه، وفيهمزوج النبي «عائشة» و«طلحة» و«الزبير» فلم يتردد ساعة من نهار في اتخاذ الموقفالحازم على ما هو معروف، فأثبت أنه رجل الحزم في الموقف الضنك.

ربما كان هذا هوما يعتقده الإمام «زيد بن علي»، وإذا صح هذا الاستقراء فمعناه أنه رأي له، وليس نصًّاقال به، ورأيه - كما شرحنا - يدور في نطاق الرأي والتحليل، والقول بأن «عليًّا»كان أولى، لا يعني بأيَّة حال إنقاص دور «أبي بكر» و«عمر» ولا كفاءتهم ولا نقضخلافتهم، فهم خلفاء عادلون بدون شك ولا ريب، وإنما كان مرشح الإمام «زيد» - بلغةاليوم - هو الإمام «عليّ»، ولكن الأكثريَّة اختارت غير مرشحه، فقبل برأي الأكثريَّة.


(9)


ومن خلال ما قرأت وسمعت أحسستُ أن مَننَصَحني مشفقاً، أو ردّ علي حنقاً، قد أحسنإلي من حيث أنه جعلني أعود إلى تلمس البدايات ليسهل من ثم تبين مواقعها، وقد توصلتإلى أن الفترة التي امتدت بين الإمام «زيد بن علي» والإمام «القاسم بن إبراهيم» (ت.246/860م) ما تزال غامضة بحاجة إلى بحث واستقراء، وهي فترة نمتفيها - بحكم التطور حيناً والأغراض حيناً آخر- أفكار كثيرة إما منبتة عن رأيالإمام، وإما تخريج لها، ومن هنا تبدو ضرورة مراجعة دراسة نصوص تلك الفترة التابعة للأئمة الكبار المؤلفينوعلمائهم ومحاولة معرفة ما أصاب تلك المؤلفات من نحل وحذف وتزويد، ومن المؤكد أنتلك الفترة ما تزال تحتفظ بأسرارها وغموضها، وليس من شك أن دراسة أفكار «أبيالجارود» من ناحية، ودراسة أفكار «الصالحيَّة» و«الجريريَّة» وما قاله «أحمد ابنعيسى» - حفيد الإمام «زيد» - من ناحية ثانية تفضي إلى طريقين متضادين أحدهما خارجعلى «الزيديَّة»، أو في الوقت نفسه مندس عليها بكل تأكيد، ومن الواجب مراجعتهاودراستها دراسة علميَّة، لنعرف كيف سار الفكر السياسي من بعد الإمام «زيد بن علي»،حتى وصل على يد الإمام «القاسم بن إبراهيم» وحفيده الهادي «يحيى بن الحسين بنالقاسم» (ت. 298/911م)؛ وما هي التطورات التي أضافت إليه، أو الانتكاسات التي أضرّتبه، ولعلِّي أو لعلّ غيري يضرب في هذا الميدان بسهم وافر.

بل تبين لي بشكل قاطع أن الحاجة العلميَّةتدعو إلى التوسع في دراسة «منابع الزيديَّة» وروافدها على السواء، في فترة ما قبل «القاسم»و«الهادي» وما بعدهما أيضاً، وأن البدء بدراسة كتب التراث والتثبت من صحة النصوص،ضرورة قصوى حتى يطمئن الباحث إلى صحة المواد التي يقيم عليها بناءه، وليس من شك أنالإمام «القاسم بن إبراهيم» معلماً فارقاً في مسيرة «الزيديَّة»، فهو باجتهادهالواسع قد أضاف إلى «الزيديَّة» الكثير النافع، وكذلك «الهادي إلى الحق»، فكلاهماأخصب «الزيديَّة» ووسعها إلى درجة بدت للمؤرخ الثبت العلامة الكبير «يحيى ابنالحسين بن القاسم» (1100/ 1688م) بعيدة عن أصولها :(غلب على الزيديَّة من بعد ظهور الهادييحيى بن الحسين أتباعه في مذهبه في الأصول والفروع منهم متابع أصلاً، وكان شيخالهادي في الأصول أبا القسم البلخي المعتزلي فعليه أخذ الأصول وعلم الكلام، فلذلكترى أقواله في الأصول متابعة لأبي القاسم في الغالب، وأما الفروع فإنه مستقل فيهاباجتهاده فخالف زيد بن علي في مذهبه ولم يتقيد لأقواله التي تضمنها مجموع الفقهالكبير لزيد بن علي وجامع الكافي لأقوال زيد بن علي وأقوال أهل البيت السابقين) ([35]).

ويدخل في هذا السياق ما ذكره المؤرخالكبير «الحسين بن علي» المعروف

بـ «المسعودي» (ت. 346/957م) حيث قال في خلال تعداده لفرق الزيديَّة الثماني في عهده (ثمالفرقة الثامنة المعروفة باليمانيَّة وهم أصحاب محمد بن اليمان الكوفي، وقد زاد هؤلاء في المذهب، وفرعوامذاهب على ما سلف من أصولهم، وكذلك فرق الإمامة فكانوا على ما ذكر من سلفأصحاب الكتب ثلاثاً وثلاثين فرقة) ([36]).

 فنحن إذن أمام نص يفتح كوة ندخل منها إلى فرقة من الفرقالمنسوبة إلى «الزيديَّة»،ونضع يدنا على تفرع «الزيديَّة» على يد اليمانيَّة عدة فروع زادت في المذهب زيادات، وفرّعت مذاهب، وهذه الزياداتوالتفريعات ينبغي دراستها والتوسع فيها، فقد نجد فيها تطورا حسناً، أو انتكاساتمُخلة.


(10)


بقيامالإمام «القاسم بن إبراهيم» خطا المذهب خطوة واسعة خاصة في «علم الكلام»، فهو يشكلمعلماً كما قلنا بارزاً في العلوم الإسلاميَّة وخاصة الفكريَّة، وما يهمنا في هذاالباب ما جاء به عن الإمامة، والحق أن لهذا الإمام أقوالاً كثيرة مرنة يفهم منهادلالات القول بالنص الخفي في أمير المؤمنين «عليّ» وفي البطنين، ولكن بدون توضيحصارم، وإنما يتغلغل إلى المتلقي وفق منطق استنباطي متين، وعادة ما يأتي كلامه عليهالسلام في هذه القضيَّة ضمن محاولات إقناعه للآخرين عن طريق ترتيب الحجج بمنطقمتسلسل قوي، فكان حديثه عن إمامة أمير المؤمنين ينساب من خلال إقناع المحاور عنطريق الاستدلال الواضح، وترتيب الحجج القويَّة لا على أن الرسول نص عليه، ولكن على أساس ما يفهم من كلامه صلى الله عليه وآله وسلم، كقوله: (أوليس قد خرج الأمر منرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى عليّ بن أبي طالب بعد موته) ([37]). وقوله: (وصار الأمر [من بعد النبي إسماعيل] إلىرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجرى الأمر في ولد النبي) ([38]) إلخ. وكما نرى فهو هنا يستدل بالبرهان وترتيب الحجج ليستخرجمنه رأياً قويًّا، ولكنه على كل حال رأي وليس نصاً، وقد جعل «القاسم» حديث رسول الله لـ «بني عبد المطلب» عند اجتماعه بهم، فقال لهم: (أيكم يجيبني إلى ما دعوته إليه إلى الإسلام يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله على أن يكون أخي ووزيري ووارثي ووصيي وخليفتي في أهل بيتي؛ يقضي ديني وينجز موعدي) ([39]). فاستجاب له «علي»، كما هو موضح في الحديث المشهور.

إن المتتبع لما كتبه الإمام «القاسم» عن النص كان باهتاً لم يذكره إلا مرة أو مرتين، ولعل أوضح ما ذكره قوله في أثناءحواره (زعمتم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يسمِّه باسمه ولم ينصِّبهلهم.. فمن هاهنا قلنا إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نصّبه باسمهونسبه)([40])، وهذا دليل على رأي، لا على قول بنص، ويعضده أنه قال في كتابإمامة «علي بن أبي طالب» (سئل القاسم بن إبراهيم صلوات الله عليه عن إثباتالإمامة والخلافة لعلي بن أبي طالب صلوات الله عليه فقال: إنما يجب على الناس طاعةعلي وتقديمه لفضل علي في دين الله وسوابقه في جهاد أعداء الله) ثم استمر فيتعداد مزاياه التي لا ينكرها مسلم، ثم قال: (وجب على الناس تقديم علي بالإمامةوتفضيله، وكان من قدم غيره عليه فقد قدم المفضول على الفاضل وخالف في ذلك الصوابالذي دل الله عليه) ([41]). وجاء في أجوبته على ابنه «محمد بن القاسم» (ت. 284/897م) في كتابه «مسائل القاسم» (وسألته عن ولاية علي بن أبيطالب صلوات الله عليه فريضة من الله كالفرائض فقال موالاة علي بن أبي طالب أكبرالفرائض واجبة من الله ورسوله على كل مسلم) ([42]). وهي كذلك فريضة لا نصًّا، إذ لأن حب الإمام واجب، فلا يحبهإلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق، وعندما بويع أصبحت بيعته فريضة، وفي سؤال آخر: (وسألتهعن وصي النبي صلى الله عليه وآله وسلم من كان؟ وعن تراثه؟ فقال كان علي بن أبيطالب وصيه في مهماته وعهوده، وأما الميراث..) ([43]) إلخ. وفي سؤال آخر مهم: (وسألته عن إمامة أمير المؤمنين،أكان من الرسول إليه وصيَّة؟،أم قال: أنت الإمام بعدي؟ أم كيف؟ فقال: دلالة منالرسول صلى الله عليه وآله وسلم وإشارة عليه كانت منه إليه مغنيَّة) ([44]).

فأنت ترى أن كلام الإمام«القاسم» كان كلاماً استنتاجيًّا يبنيه على مفهومه ومنطقه، وأما ما ذكره أن النبينصه، فنحن بين أمرين: إما أن يكون كلامه في زمنين مختلفين، لا نعرف السابق مناللاحق، أو أن إسقاطاً دخل على كلامه، وهذا ما يدعو إلى دراسة النصوص دراسة علميَّةمقارنة. والمشكلة أن نصوص «القاسم» قد تعرضت للنحل والحذف والزيادة، وهذا يضاعفالمسؤوليَّة في دراسة النصوص دراسة علميَّة خالصة لنستطيع - كما قلنا - أن نقيمعلى الشيء مقتضاه.

وقد تعرضت كتب الإمام «القاسم» للتداخلوالنحل ففي كتاب «إمامة علي ابن أبي طالب» وهو في أربع صفحات تضمنت صفحة واحدة حوتكلامه، وثلاث صفحات حوت كلام الهادي في «الأحكام» مما يدل على أن الناسخ أضاف منعنده نقلا من كتاب الأحكام ولم يبهم ما نقل بل قال: قال الإمام الهادي([45])..إلخ ومن يدرينا أن ناسخاً ليس في براءة هذا الناسخ قد نقل منكتب أخرى، ولم يصرح بمصدره. وعلى كل فلسنا هنا بمقام دراسة نصوص هذا الإمام العظيم،ويكفينا الإشارة لعل واحداً من الغيورين على التراث يشرع قلمه فينقب.


والذي أنا مطمئن إليه هو أن كلام الإمام«القاسم» يشكل برزخاً - على شكل ما - بين قول «أبي الجارود» ومن جاء بعده، بل بعد «الهادي»وكان الإمام «القاسم» على كل حال معلماً بارزاً.


(11)


وجاء «الهادي» عليه السلام، فجعل منالنص الخفي والبطنين مذهباً بحسب اجتهاده، وبحسب الظروف المحيطة به، وتابعه فيهاكل من «المطرفيَّة» و«المخترعة» وحتى ما قال به وتابعتاه الفرقتان المشار إليهماعليه نعدّهُ أمراً مقبولاً، بالنظر إلى ما جاء به الإمام «عبد الله بن حمزة» منعنصريَّة حقيقيَّة. وأنا أعتقد أن الإمام «الهادي» ومن قبله «القاسم» عليهماالسلام قد رأيا وسط معترك العصبيَّة الهائج الذي كانت إلى حد بعيد وراء قيام الدولقد جعلهما ينظران في عصبيَّة أخرى سبقهما غيرهما إلى تبنيها وهي العصبيَّة القرشيَّةالتي تبلورت في حصر الخلافة نصًّا نبويًّا في قريش فجاء «القاسم» و«الهادي» علىأساس هذه المنطق فحصرا الخلافة في الفاطمي من الفرعين وكوَّنا حول هذا الحصر عصبيَّةالمعتقد. وقد تناول العلامة المعاصر الكبير الوقور «علي بن أحمد الرازحي» هذه القضيَّةفأشار بتحليل علمي رصين إلى أن هذا الحصر مسبوق بالقرشيَّة وأن الأمويين،والعباسيين تبنوه، وأن هذا هو منطق ذلك العصر خاصة (وأن النسب في ذهن العربي حقًّامرعيًّا) ([46]) .

وكما تعرضت نصوص «القاسم» للنحل والنقص والزيادة والسهو والسقطتعرضت كتب «الهادي» لأبشع مما تعرضت له كتب جده عليهما السلام، فقد تعرض كتاب «الأحكام»للإمام الهادي «يحيى بن الحسين» للنحل في عهده، وقد كشف عن هذا النحل ولده الإمام «المرتضى»نفسه في كتابه: «مسائل عبد الله بن الحسن المعقلي»، وجاء فيه ما نصه: (وقد أعلمتك في مسائلك الأولى([47]) أنه لا يحل ولا يجوز لمن أراد الفائدةوالعلم، أن يسيء الظن ولا ينسب إلى المخالفة، فلكل مسألة جواب وشرح وأوقات يظهرذلك فيها، وأوقات غمض([48]) إلا ما لا بد منه ودهر يعمل فيهبالقليل لشرة([49]) أهله، والخوف لظلمهم، والتعدي منهملقلة معرفتهم، وعلى قدر الإمكان والقدرة يجب إقامة الحجة، وفي دون ما ذكرنا لككفاية، غير أنه قد يحدث في الكتب من الكتّاب فساد، بالزيادة والنقصان والتصحيف،فكل ما وجدتم في كتبنا مما هو متفاوت في أصول الحق، فنعوذ بالله أن يكون منّا،وإنما ذلك مزيد ومكذوب علينا) ([50]).

كما عرف الإمام«الهادي» نفسه أن باباً آخر منحولاً عليه أضيف إلى كتابه، وفي عهده لم يكتبه هو.قال «المرتضى» : (لقد وجدت في كتب «الأحكام» التي وضع الهادي إلى الحق صلواتالله عليه باباً مزيداً عليه، منسوباً إليه، ما وضعه قط، ووجد هو [أي الهادي]أيضاً رحمة الله عليه باباً آخر موضوعاً منسوباً إليه لم يضعه، يعمل فيه بعض من لايتقي الله، فهذا ومثله كثير، فما وجدتم من ذلك فليس منّا، لأنّا جميعاًمتبعون لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وليس في ذلك تناقض ولاتفاوت ولا نقصان، بل ذلك مؤتلف بأحق الحقائق وأبين البيان)([51]).


وهذا النص مهمللغاية، فهو يرينا أن قضيَّة العبث بهذا الكتاب المهم كان في وقت الإمام «الهادي»،وأنه عليه السلام عرف بنفسه ما أضيف إلى كتابه، وهي جرأة -إلى جانب إثمها الكبير-تسمح لمن ليس له ضمير علمي أن يُنْحِل، ويُدخل، ويُضيف إلى كتب الموتى ما يمليهعليه تعصبه بدون خوف من وازع ضمير.


ويعطينا الإمام «المرتضى» درساً فيالاستفادة من قراءة النصوص قراءة علميَّة، فهو يجيب على من قال بوجود خلاف بين «مذهبالقاسم» و«مذهب الهادي» في مسألة الختان بأنهما لم يختلفا، بل هما مؤتلفان، (لأنالأصول واحدة متفقة حلالها واحد وحرامها واحد وقد يقع الاختلاف في الشرح والتبيين،وكل يأتلف إلى أصل ويجتمع إلى كلمة حق والشرح فيزيد وينقص ويكثر ويقل) ([52]). ثم شرح أسباب الخلاف فقال مخاطباً السائل: (إنما وقعالاختلاف والزيادة والنقصان من الناقل لا منهما وأنتم فلم تلقوا القاسم رحمة اللهعليه ولم تشافهوه، وإنما وصلت لكم كتبه وقد تنوسخت فيقع من الكتاب حرف فيزولالمعنى ويسهو الكاتب ويغفل الساءل ويحرِّف المستملي)([53]).


وثمة طريقة أخرىأشار إليها «المرتضى» وهي ما يمكن تسميته بالتزييد (اعلم أن الجواب إنمايخرج على قدر المسألة، وربما زيد فيها شيء فيزيد الجواب، وربما نقص فانتقص الجواب،وإنما يحتلف بالزيادة والنقصان، فإذا سألت عن شيء فاستجْزِ بما يصل إليك فيه ولاترده إلى زيادة ونقصان فيختلف الجواب فينسب ذاك إلى غفلة، وليس هو إلا من قِبَلالمسألة واختلافها، وزيادتها ونقصانها، فإن قوماً كانوا يسألون جدي القاسم رحمةالله عليه فيخرج جوابه رحمة الله عليه على قدر كلامهم فكانوا ينتسبونه في ذلك إلىغفلة وإنما الغفلة والجهل منهم لا منه. ثم ذكروا ذلك لبعض علمائهم عنه صلوات اللهعليه فقالوا لهم: هذا من اتساع علمه وجودة نظره يجيبكم في كل فن سألتموه على ما تسألونهفشهدوا له بالعلم فكان ما عابوه به مدحاً له وشاهداً على اتساع علمه، وكان ذلكمنهم جهلاً وتعنتاً وقلة معرفة) ([54]).


على أن ما كشفه الإمام «المرتضى» لم يخلمن فائدة لأن ما كشفه من دس على «الأحكام» كان من المفروض أن يكون مثار بحث، منذالبداية، ولأن ذلك لم يحصل أو حصل شيء نزر فسيجد الباحث نفسه أمام أفكار لا تتسقمع أفكار «الهادي» في كتبه الأخرى، ولا مع قواعده العامة الثابتة، ولا مع حياتهالعمليَّة، ومن ثم يمكن العثور- بعد بذل جهد مطلوب- على مواقع الدس، ومن نافلةالقول أن ما جاء في الباب المدسوس كان مما يخالف معتقد «الهادي» نفسه، ويخالفمعتقد ابنه «المرتضى» - وهما مؤسسا المذهب الهادوي- مخالفة صريحة، وإن عبارة يعملفيه من لا يتقي الله لدليل على أن الباب المدسوس مما يغضب الله، ويغضبهما معاً،لأن «المرتضى» يقول بعدها: فما وجدتم من ذلك فليس منا، لأنا جميعاً متبعونلكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وبهذا ندرك أن ما جاء في هذاالباب المضاف مخالف لكتاب الله وسنة رسوله، مخالف لاجتهادات إمامين عظيمين، وماحدث لهذا الكتاب القيم يفرض علينا القيام بدراسات علميَّة له ولبقيَّة الكتب حتىنكون على بينة من صحة النصوص.

وللأسف الشديد فـ «المرتضى» لم يسمالبابين المضافين ليُعرفا فيُتجنبا، خاصة والناس بدأوا يعملون بما أضيف إلى كتابه «الأحكام»في عهدهما، فكان على «المرتضى» سامحه الله أن يسمي فيجنب الناس المزالق التي وقعوافيها.

ومع هذا الكم من الشك غير العبث بكتبالهادي فلم أجد للهادي عليه السلام قولاً يذكر فيه أن النبي نص على الإمام نصًّاصريحاً، وإنما هو الاستنباط المنطقي القوي ففي كتابه المنزلة بين المنزلتين أنالإمام بسبب فضائل عددها (أحق الناس بمقام رسول الله) ولأنه كان (الهاديإلى غامض أحكام الله فهو أحق بالإمامة لأن أسبقهم أهداهم) ([55]). وفي الحسنين قال: (إنهما إماما عدل واجبة طاعتهما) ([56]) ويقول (إن الإمامة لا تجوز إلا في ولد الحسن والحسينبتفضيل الله لهما) ([57]) وفي كتابه أصول الدين قال (ندين بأن أمير المؤمنين صلواتالله عليه كان خير هذه الأمة بعد نبيها) ([58])ولكن كل تلك الأدلة تتحدث أنه خير الخلق بعد النبي، ولأنه كذلك فهو أحق بالخلافةمن غيره فأنت ترى أن الهادي عليه السلام عرض رأيه ولم يقل: نص النبيّ على عليّ.وفي كتاب «تثبيت إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب» لم يأت على ذكر النص، وإنماساق الأدلة على ذلك مفسراً مستنبطاً على طريقة الإمامين «زيد» و«القاسم»([59]).


(12)


وإذ أمكن إلى حد ما رصد التحولاتوالتأثيرات في ما تعرضت له كتب «القاسم» و«الهادي» بسهولة، فعلينا أن نخضع كتبالتراث الزيدي السياسي- بوجه خاص- إلى دراسة علميَّة ليتميز النهر الزيدي عما اختلطبه من مياه ليست من نبعه، وبدون هذه العمليَّة ستظل الملصقات تضخ الشبهات، ومن هناوجب التركيز على دراسة فترة ما قبل «القاسم» بوجه خاص لأنها ما تزالغامضة وستفضي بنا إلى معرفة تطور الفكر السياسي عند «الزيديَّة» كما سبق أن قلنا، ومن المؤكد أنه لن يتم إزالة الملصقات الضارةبـ «الزيديَّة» بدون دراسة الينابيع التي غذّت الفقه السياسي وأخصبته، وأنا إذأدعو لدراستها فمن أجل معرفة الإضافات الجديدة الحسنة والمخلة، كي نرى مسيرة هذاالفقه السياسي بكل وضوح وتطوراته وانتكاساته.


من ناحية أخرى يجبدراسة مؤلفات علماء ما بعد «القاسم» لمعرفة ما أضيف إليها ما ليس منها، ومعرفة عبثالعابثين ببعض ما فيها؟ فقد اتضح مما رواه الإمام «المرتضى» حدوث تسريبات وإضافاتوحذف، ومع أن حدوث ذلك قد أصبح معروفاً إلّا أنه لا داعي للشك في مجمل أي كتاب منتلك الكتب، بأيَّة حال من الأحوال. وينبغي أن يتركز البحث على ما فيها من إضافاتوحذف وتسريبات.


كما يجب مواصلة البحث في بقيَّة العصور،فهذا العبث لم يتوقف عند حد، ومن ثم سنتابع باختصار ملاحقة هذا العبث السيء داخل «الزيديَّة»،وقد تنبه صديقنا العلامة المحقق «عبد الكريم جدبان» في مقدمة كتابه «من مجموع كتبرسائل الإمام العياني» إلى أن كتاب «حقائق المعرفة» للإمام «أحمد بن سليمان» (ت. 566 /1171م) تعرض للعبث الواضح فيما حكاه عن مهديَّة«الحسين بن القاسم»([60])(ت. 404/1013م).


هناك مشكلة في هذا الصدد نواجهها عندالمتلقي وخاصة عند أهل الصراع المذهبي فيبدو أنهم يجيزون الرواية عن خصومهم بمايريدون أن يفهموا منها وما يفهموا بها، لا كما هي في مدلولها الأصيل، ويتضح هذا فيالصراع بين «ابن تيميَّة» (ت. 728/1327) و«رشيد الدين بن أبي الخير الهمداني» (ت. جمادى الأولى 718/يوليو 1318)، ولم يتردد «ابن تيميَّة» (فيالقيام بهجوم صاعق على رشيد الدين متوسلاً لذلك من ضمن ما توسل به بتحريف كلامهوحمله على غير محمله بحيث استطاع في النهاية أن يقول إن رشيد الدين كافر ومرتد)([61])وفي «مجموع الفتاوى الكبرى» وصف «ابنُ تيميَّة» «رشيدَ الدين» بـ (الخبيثالملحد المنافق) ([62])، ويظهر أن موقفه المذهبي قد أجاز له أن يسيّر كلام خصمه وفقالوجهة التي يريد، وأن يوظفه بعد التحريف لصالح مرماه. والخلاف بينهما في رأييخلاف سياسي بالدرجة الأولى، وكلاهما من علماء السنة الكبار إلا أن «ابن تيميَّة»كان نصيراً «للدولة المملوكيَّة» وكان «رشيد الدين» نصيراً «للدولة الإيلخانيَّة المغوليَّة»وكلا الدولتين مسلمتان، وكلا الرجلين من القمم العلميَّة العالية السنيَّة، لكنكان بين الدولتين صراع مرير. أما كتب رشيد الدين، وتفسيره للقرآن فتكشف عن إيمانعميق بالإسلام وكان له هدف في نشر الإسلام بالكلمة الطيبة، وهو في تفكيره لا يختلفعن تفكير «الزمخشري» (ت. 539/1144) ولا عن تفكير «فخر الدين الرازي» (ت. 606/1209) إلا بما يوجبه الفهم الخاص.


وهنالك طريقة أخرى للعبث بالكتب، هي ما رواهاالإمام «محمد بن علي الشوكاني» (ت. 1250/1834م) في كتابه «البدر الطالع» في ترجمة «يحيى بن الحسين ابن المؤيد»(ت. 1090/1679م) يقول: (رأيتبخط السيد «يحيى بن الحسين [بن القاسم»، ت1100/1688م] - المذكورقبله - أن صاحب الترجمة تواطأ هو وتلامذته على حذف أبوابمن مجموع زيد بن علي وهي ما فيه ذكر الرفع والضم والتأمين، ونحو ذلك، ثم جعلوانسخاً وبثّوها في الناس، وهذا أمر عظيم وجناية كبيرة، وفي ذلك دلالة على مزيد منالجهل وفرط التعصب، وهذه النسخ التي بثّوها في الناس موجودة الآن)([63]).


وفي هذا العصر الحديث حيث إمكانياتالكشف عن التصحيف والدس والتسريب ميسورة ومتيسرة، إلا أن الدس لا يزال يمارسمهمته؛ فقد عثرت على عمل بعض المتعصبين من «الإخوان المسلمين» في هذا الاتجاه، فقدأقدم بعضهم على شطب رأي الشهيد «سيد قطب» من كتابه القيم «العدالة الإجتماعيَّة فيالإسلام» بعد استشهاده رحمه الله، لأنها تناقض ما يعتقدون، وتضعف موقفهم من الدفاععن الخليفة «عثمان»، ولما سألت بعضهم لماذا شطبتم عبارة (وكانت الضربة القاصمة للإسلام أن «عليًّا» لم يأت بعد «عمر»)قالوا لي إنه هو الذي شطبها، فراجعت الطبعات التي طبعت في حياته، وهو في السجنفإذا بهذه العبارة موجودة لم تمح، فلما مات - وليس له من مطالب - عمل التعصبالمذهبي عمله، فرفعت الجملة وربُّك يعرف ما رُفع منه وحُطَّ فيه، وكان في إمكانهم

- بدلاً من اقتراف هذا الجرم - أن يعلقوا بما شاؤوا في الحاشية، ولكنهم لم يفعلوا،بل أقدموا على شطب فكرة تاريخيَّة نيرة ليحافظوا على الورث المركوم.


لقد واجهت بعض كتب «المذهب الزيدي» هذاالإجرام العلمي، وهذا المكر السّيِّئ، ولم يحق المكر السيئ بـ «الزيديَّة» وحدها،فقد حاق بغيرها من المذاهب الأخرى، وكان للنحل والدسّ والوضع في التاريخ مكان فسيح.وكما نعرف فالنحل والتسريب والدس قضيَّة شائعة من قديم، وقد تعرض تفسير القرآن إلىإدخال روايات ليست من الإسلام في شيئ، وتعرضت أحاديث «الرسول» للكذب والإضافاتوالدس، ولم ينج الشعر أيضاً من انتحال وتسريب، وما يقال عن «حماد الراوية» و«خلفالأحمر» دليل على ما نذهب إليه. ومن هنا فلا بد من مراجعة كتب التراث مراجعة دقيقةوشاملة، ونجري عليها ما أجراه علماء التفسير من أبحاث لمعرفة الإسرائيليات، وماأجراه علماء الحديث من أبحاث لمعرفة صدق الرواة، وما أجراه كبار علماء الكلاملمعرفة مطابقة الحديث للقرآن، وما أجراه علماء الأدب من أبحاث لمعرفة المنحول منالأصيل. ومن المؤكد أن بعض كتب أئمة الزيديَّة قد أصابها وابل من هذه العملياتالشائنة، فعلينا أن نقوم بدراسات حول هذا الموضوع بكل تجرد وأمانة.


علينا إذن التأكد من نظافة التراث، وصحةالمرويات، ومعرفة المنحول، وما أضيف، وما حذف، وماغُيِّر، وما بُدِّل، قبل الاقتباس منها، خاصة ونحن ندرك أن لدى بعض النحّالينالقدرة الفائقة على المحاكاة الدقيقة. وأنا أعرف أن الطريق وعر المسالك، ولكن: لا بدمن «صنعاء» وإن طال السفر. والحق أن تنظيف التراث نفسه مما وقع عليه، ودخل فيه عمليَّةشائكة للغاية، لكن لا بد منها، وبدونها لا يبقى للمقتبس منها قوة المرجعيَّة، ولنتستقر الأبحاث على ربوة مطمئنة قبل التأكد من سلامتها ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً.


كل هذا يدعونا إلى البحث بأمانة وموضوعيَّةفي دراسة كتب التراث، ولعلي بهذا أفتح باباً للسادة العلماء والمحققين الأجلاء أنيجولوا في هذا الميدان جولات واسعة، وأن يحاولوا - ما استطاعوا - أن يظهروا الأصلوالدخيل، والناحل والمنحول، حتى يتبين الأصل الأبيض من الدس الأسود من فجرالمعرفة، وحتى يتبين لهم الحق من علمهم.


وأنا أعرف أن البعض سيستغل كلامي هذاويخرجه عن موضوعه العلمي، ويوظفه سياسيًّا ومذهبيًّا، فيعرِّيني من الزيديَّةويجعلني خصماً لها، ولست كذلك، ولكني طالب معرفة يبحث عن حقيقة مذهبه والمذاهب الأخرىالتي أصبحت جميعها مع الأسف مركباً ذلولاً للسياسيين، كما قد يستغل كلامي هذا مغرض ما فيوظف كلامي لصالح أغراضه. وقد نصحنيناصح وأشفق عليّ مشفق ألا أمكِّن - بمثل هذه الأبحاث التي أمليها - هؤلاءالمستغلين السياسيين للنيل من المذهب أو مما قد تعارف الناس عليه، فقلت فينفسي إن الصمت على الخلل يعين على الإستغلال أيضاً، بأكثر مما يعين الإفصاح،فالإفصاح مواجهة حادة مع الجانبين، وأن توضيح الحقائق هو الطريق الآمن والواجباتباعه بدون مراعاة، وأن إخفاء الحقائق نوع من الدهان، وهو ما لا أرضاه لنفسي،فليس التاريخ ملكاً خاصًّا حتى يطوى أو ينشر حسب الظروف والأمزجة، ولكنه شهادة ،ومن يكتم الشهادة فهو آثم قلبه، والحق أحق أن يتّبع.


خلاصة ما قدمناه هو أن «أبا الجارود» هومن قال بالنص الخفي وبإمامة البطنين، وليس أمير المؤمنين زيد« وسواء أصاب أم أخطأ،فهو يضارع من قال بالقرشيَّة الحاكمة، وإذا كنّا من مدرسة مغايرة لمدرسة النصالقرشي أو الفاطمي فلا يعني ذلك أننا ندين المدرسة الأخرى، فلسنا قضاة وإنمامؤرخون، وإنما لنناقشها ونوضح لها أنها أقامت نظريتها على فهم خاطئ لقراءة النص،وأن تلك القراءة قد أفضت إلى مرض سياسي مزمن ينبغي معالجته.


وإلى الآن فما كتبناه ليس إلا مقدمة أوتمهيداً لما نحن مقدمون عليه من الأبحاث الصعبة والشاقة مهما كانت وحشة الطريق،ووعورة المسالك، وخطورة المكامن، واستفزاز المتربص، وسنوالي بكل جهد ممكن محاولةإعادة المسار إلى مداره، والحقيقة الغائبة إلى أفقها، كما سنحاول إسقاط الملصقاتالواحدة بعد الأخرى حتى تخرج الحقيقة من تحت الركام نقيَّة صافية.

والله من وراء القصد.


*****


هوامش وحواشي البحث:

(*) رئيس التحرير، مؤرّخ وباحث، له العديد من المؤلفات.

([1]) المائدة: 106.

([2]) البقرة: 180.

([3]) النساء: 11.

([4]) البقرة: 133.

([5]) محمد يحيى سالم عزان: مجموع كتبورسائل الإمام زيد بن علي عليه السلام، ؛ تثبيت الوصية، صنعاء: دار الحكمةاليمانية، الطبعة الأولى 1422/2001 ، صص37-238.

([6]) عزان: مجموع كتب ورسائل الإمام زيد:تثبيت الوصية، ص238.

([7]) المرجع نفسه.

([8]) المرجع نفسه، ص239.

([9]) المرجع نفسه، ص246.

([10]) المرجع نفسه.

([11]) عن قضية فدك، انظر بحث العلامة محمد سالم عزان: من أصولالاختلاف في التاريخ الإسلامي: فدك نموذجاً، مجلة المسار العددان 20- 21.

([12]) عزان: مجموع كتب ورسائل الإمام زيد، كتاب القلة والكثرة، ص 260.

([13]) المسعودي: مروج الذهب ومعادن الجوهر،شرحه وقدم له د. مفيد محمد قميحة، بيروت: دار الكتب العلمية، الطبعة الثانية 2002م/1422، ج 3 ص362.

([14]) عزان: مجموع كتب ورسائل الإمام زيد بنعلي، ص246.

([15]) المرجع السابق، ص260.

([16]) انظر ترجمة المذري في لسان الميزان: 2/117، رجال النجاشي  1: 299، تنقيح المقالرقم 1797.

([17]) عزان: مجموع كتب ورسائل الإمام زيد بنعلي، ص54.

([18]) المرجع نفسه.

([19]) أحمد بن عبد الرحمن الجنداري، في رجالشرح الأزهار؛ المسمى بالمتنزع المختار من الغيث المدرار، ضمن كتاب شرح الأزهار،تنفيذ مكتبة التراث الإسلامي، صعدة -وزارة العدل، الطبعة الأولى 1424/2003،ص 32.

([20]) الجنداري، في رجال شرح الأزهار ،ص 31.

([21]) يحيى بن الحسين بن القاسم: المستطاب، د1،ق 23، في رجال شرحالأزهار ،ص 31.

([22]) المسعودي: مروج الذهب ومعادن الجوهر، ج3 ص270.

([23]) يحيى بن الحسين بن القاسم، المستطاب، قق 21-22. وانظر تراجم الجنداري،ص 31.

([24]) المرجع نفسه.

([25]) نفسه، قق 22.

([26]) نفسه.

([27]) قال ابن قتيبة في كتابه المعارف: (الحسن بن صالح بن حي الكوفي،يكنى أبا عبد الله، وكان يتشيع، وزوّج «عيسى بن زيد» ابنته، واستخفى معه في مكانواحد حتى مات «عيسى بن زيد» وكان المهدي يطلبهما فلم يقدر عليهما. ومات «الحسن بعدعيسى بستة أشهر) (ابن قتيبة (عبدالله بن مسلم): المعارف، حققه وقدم له د. ثروت عكاشة، القاهرة، دار المعارف،الطبعةالثانية، بدون تاريخ، ص509. وقال «ابن قتيبة» عن «عيسى بن زيد»:(وأما عيسى بن زيد فمات بالكوفة، وله عقب أحمد بن عيسى). ابن قتيبة: المعارف، ص216.

([28]) المقبلي:الأبحاث المسددة، ص253.

([29]) المرجع السابق، ص 253.

([30]) الجلال، العصمة عن الضلال ،ص125..

([31]) نفسه، ،ص125. ضمن كتاب العلامة والمجتهد المطلق الحسن ابن أحمد الجلال - حياتهوآثاره. دراسة ونصوص محققة، تصنيف الدكتور حسين بن عبد الله العمري والعلامةالقاضي محمد بن أحمد الجرافي، دمشق: دار الفكر، بيروت: دار الفكر المعاصر، الطبعةالأولى جمادى الآخرة1421/أيلول – سبتمبر 2000.

([32]) محمد أبو زهرة: تاريخ المذاهب الإسلامية في السياسة والعقائدوتاريخ المذاهب الفقهية. لندن- قبرص، بدون تاريخ الطبع ولا رقم الطبعة. 1 :82.

([33]) محمد المبارك: نظام الإسلام: الحكم والدولة ص 77.

([34]) محمد أبو زهرة: تاريخ المذاهب الإسلامية، مرجع سابق ،ج1،ص81.

([35]) المستطاب ، مخطوط ورقة 5. وقد شرحت هذه الرؤية في مقال آخر.

([36])  مروج الذهب ومعادن الجوهر، ج3، ص، 253- 254.

([37])  عبد الكريم جدبان،مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي، كتاب الرد على الروافض منأهل الغلو، صنعاء: دار الحكمة اليمانية، الطبعة الأولى 1422/ 2001،ج1 ص 547.

([38]) المرجع السابق، ج1، ص 553.

([39]) نفسه، ج2 ص 173. وانظر تخريج الحديث في الحاشية رقم 1 من الكتاب نفسه.

([40]) نفسه ،ج2، ص211.

([41]) المرجع نفسه، ج2، ص211.

([42]) نفسه،ج2، ص 560.

([43]) نفسه، ج2، ص 561.

([44]) نفسه، ج2، ص 563.

([45]) المرجع نفسه ،ج1، ص 320.

([46]) علي أحمد محمد الرازحي: المجموعة الفاخرة؛ مجموع كتبورسائل الإمام الهادي إلى الحق، صنعاء: دار الحكمة، الطبعة الأولى 1420/2000، مقدمة ص9. ومن الخير أن يرجع إليه ويستفاد منه.

([47]) في (ب): الأولة (المحقق).

([48]) في (ب): تغمض(المحقق).

([49]) في (ب): يعم فيه بالقليل لشر(المحقق).

([50]) المرتضى محمد بن يحيى الهادي، مجموع كتبورسائل الإمام المرتضى محمد بن يحيى الهادي، تحقيق عبد الكريم أحمد جدبان، صعدة:منشورات مكتبة التراث الإسلامي، الطبعة الأولى 1423هـ / 2002م، ص81 وهو ستمائةالآية للمرتضى ويعرف بمسائل عبد الله ابن الحسن التي سأل عنها المرتضى عليهمالسلام.

([51]) جدبان، مجموع كتبورسائل الإمام المرتضى، مسائل عبد الله بن الحسن، ص81-82. وقد وضع العلامةمحقق الكتاب هذه الفقرة تحت عنوان [التحريف لكتب الهادي وهو حي].

([52]) المرجع السابق،ج1، ص388.

([53]) المرجع نفسه، ص81-82.

([54]) المرجع نفسه، ص81-82.

([55]) الرازحي، المجموعة الفاخرة، ص 83.

([56]) المرجع السابق، ص 84.

([57]) المرجع نفسه، ص 85.

([58]) المرجع نفسه، ص 36 - 139.

([59]) المرجع نفسه، ص19 - 520.

([60]) عبد الكريم جدبان، من مجموع كتبورسائل الإمام المهدي، مركز التراث والبحوث اليمني، الطبعة الأولى 1427/2006، ص29 حاشية 1.

([61]) دوروتيا كرافولسكي، العرب وإيران؛ دراساتفي التاريخ والأدب من المنظور الأيديولوجي، ترجمة رضوان السيد، بيروت: دار المنتخبالعربي، الطبعة الأولى 1413/1993،ص240.

([62]) المرجع السابق، ص241. ومصدره ابن تيمية، مجموع الفتاوى الكبرى م 28 / 526.

([63]) محمد بن علي الشوكاني (الإمام)، البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، بيروت: دارالمعرفة، بدون تاريخ،ج 2،ص 330، وهي مصورة عن النسخةالتي طبعها محمد ابن محمد زبارة في القاهرة. 

جميع الحقوق محفوظة لمركز التراث والبحوث اليمني 2011 - 2012 ©