الدراسات والبحوث

حمدي محمد الرازحي حمدي محمد الرازحي

-

الجارودية من جديد

2001/4/18
- ترجمة :
- التبويب : -

بسم الله الرحمن الرحيم

الجارودية من جديد

حمدي محمد صغير الرازحي

 

حظيت المذاهب الإسلامية بدراسة معمَّقة وشاملة عند أهل الطبقات والمهتمين بدراسة الطوائف والملل، وظهر ذلك مبكراً وبشكل واسع منذ البدايات الأولى لانتشار التدوين والاهتمام بالكتابة والتأليف. ولم يكن المذهب الزيدي غائباً عن صفحات تلك المدونات، بل كان شديد الحضور، وبارز الصدارة فيها، باعتباره يمثل تطوراً ملحوظاً في توعية التفكير وأنماط الممارسة والتطبيق، فضلاً عن طبيعته المتسامحة والمنفتحة على الآخر، وتحرره من قيود التقليد والتبعية الفكرية العمياء، وحرصه الدائم على تطوره الذاتي من خلال فتحه لأبواب الاجتهاد وأخذ البعد المتغير في معاملات البشر بعين الاعتبار.

وإذا كانت مدونات الطوائف والملل قد ركزت وبشكل ملحوظ على تقصي البعد التاريخي لظروف نشأة الفرق الإسلامية وحقيقة انتسابها وتفريعاتها والتطرق لذكر ما شذ عنها من أفكار ورؤى تخالف من قريب أو بعيد ما استندت عليه منهجيتها الفكرية والسياسية، فإنها رغم كل ما سبق قد أخفقت في صياغة معايير التقسيم والتفريع لكل فرقة أو طائفة. حيث لم توضح الإطار المنهجي الذي ارتكزت عليه في تقسيماتها، فقد جعلت من مجرد الانتساب إلى طائفة ما أو مذهب معين مرتكزاً أساسيًّا لجعل صاحب كل توجه أو رأي مغاير للبنية التكوينية للإطار الفكري للمدرسة التي ينتمي إليها فرقة قائمة بذاتها، حتى وإن تعرَّت صفحات وجوده من أي مظهر من مظاهر الوجود الثقافي أو الفكر أو الجدل الكلامي أو كل ما من شأنه أن يؤسس لوجود مدرسة داخل مدرسة ولو على سبيل التجديد والتطوير والابتكار.

وهذا من شأنه أن يدفع كل باحث منصف إلى إعادة النظر في حقيقة تلك التقسيمات والتفريعات، والتي أقحمت على الطوائف والفرق، دونما دراسة موضوعية جادة تعكس مصداقية هذا التصنيف أو ذاك.

ومن ذلك ما تداولته كتب الفرق من تصنيف للزيدية إلى مجموعة فرق تلقتها المجاميع الفكرية بالقبول على سبيل التقليد، وتلقي ما جاد به الزمن من إرث السلف على الخلف كنوع من المسلمات، والتي استحالت بفعل التقادم الزمني، والركود الفكري إلى مقدسات تنويرية، يصعب الفكاك من أسرها.

وعندما يتوجه الفكر إلى رحاب تلك التصنيفات المقدسة يجدها تتهاوى الواحدة تلو الأخرى أمام معاول البحث النقدي الجاد؛ لأن تلك المسميات لا تمتلك من مقومات البقاء ما يؤهلها للصمود والمقاومة.

ومن تلك التصنيفات ما تناقلته مدونات الطوائف والفرق تحت مسمى الجارودية والتي أدرجت ضمن المدرسة الزيدية كفرقة من فرقها وإن كانت مغايرة لها في التوجهات والإطار العام.

ومن مآخذ هذا التصنيف التعسفي فقدانه للموضوعية في التوثيق وعدم تقصي الحقائق والمعطيات التاريخية قبل إصدار الحكم وتعميمه.

ومن الغرابة بمكان تلقي الدارسين والمؤرخين والعلماء لأبجديات هذا التقسيم بالقبول دونما إعمال فكر أو بذل جهد.

فهذا المسعودي يذكر في مروجه أنه (قد ذكر جماعة من مصنفي كتب المقالات والآراء والديانات من آراء الشيعة وغيرهم كأبي عيسى محمد بن هارون الوراق وغيره أن الزيدية كانت في عصرهم ثمان فرق، أولها الفرقة المعروفة بالجارودية، وهم أصحاب أبي الجارود زياد بن المنذر العبدي ذهبوا إلى أن الإمامة مقصورة في ولد الحسن والحسين دون غيرهما) ([1]).

وسار على هذا المنوال من سار من المؤلفين وأعلام المؤرخين للحوادث والفرق لعقود متتالية من الزمن.

ومن المؤسف حقًّا أن يقع رائد التحقيق والتجديد وصاحب العقلية الموسوعية الإمام أحمد بن يحيى المرتضى (ع) (764هـ-840هـ). فيما وقع فيه كتاب الفرق من تحميل الفرق ما ليس منها دونما تحقيق أو نقد على خلاف عادته تحت مسمى المتلقى بالقبول تارة ودعوى التواتر وتحصيل الحاصل تارة أخرى([2]).

وعند وضع الجارودية على طاولة البحث والتشريح، نجد أنها طائفة ذات توجه سياسي مفارق خاضعة في ظروف نشأتها لثنائية الزمان والمكان، يمثل أبو الجارود زياد بن منقذ العبدي (150هـ) مرجعيتها السياسية والفكرية الوحيدة؛ ليشكل بذلك توجهاً سياسيًّا دون أن يؤطر لمذهب فكري أو تيار محدد الآفاق والمعالم.

والمعروف عن أبي الجارود أنه عاش القسم الأكبر من عمره على مذهب الإمامية، مما أسهم في تشكيل منظومته الفكرية المتشددة، وعندما أعلن الإمام زيد بن علي (ع) ثورته المسلحة في وجه الطغيان الأموي أعلن أبو الجارود انتسابه إلى الزيدية، مما أثار عليه نقمة علماء الإمامية وحنقهم.

وعندما استطاعت مؤامرة الانقلاب المؤدلج أن تفعل فعلتها في تفكيك معسكر الإمام زيد (ع) والذي كان لفيفاً غير متجانس من التيارات والطوائف المتباينة والتي لا ينتظمها فكر واحد أو يوحدها مسار غير مسار الثورة على الظلم وزلزلة عروش الظالمين وذلك بإثارة مسألة الخلافة وطبيعة الاستحقاق فيمن سبق الإمام علي بن أبي طالب (ع) من الخلفاء، حيث ظهر الانشقاق ونقض البيعة بمجرد تصريح الإمام زيد (ع) بموقفه الإيجابي من الخلفاء الراشدين (رض) وهو على علم بخطورة ذلك التصريح في ساعة العسرة، ولكنه رجل الموقف ورجل المبدأ الذي لا يستسيغ الكذب أو تزييف الحقائق والمجاملة، فهو لا يعتقد في الخلافة أو الإمامة أنها أصل من أصول الدين يترتب على تحريفها أو المساس بها تكفير أو تفسيق.

وهكذا انقلبت طائفة كبيرة من أتباع الإمام زيد بن علي (ع) على قائدها انتصاراً لما تؤمن به من رؤى وأفكار ولا يستبعد أن يكون أحد أقطابها أبو الجارود العبدي؛ لأن تلك العقلية الإمامية المغالية لا يمكن أن تنقلب على تكوينها الفكري والعقائدي بين عشية وضحاها.

وبهذا تكون الجارودية قد أعلنت انسلاخها من زيديتها المؤقتة لتعلن عودتها إلى أحضان إماميتها مرة أخرى بعد انقلابها على مبادئ الإمام زيد (ع) وأفكاره الرائدة.

وإذا كانت الإمامة كنظرية سياسية تم تديينها، فقد أظهر الإمام زيد بن علي (ع) موقفه منها بصراحة؛ ليبقي للنظرية رونقها وبهاءها حيث أورد في كتابه "القلة والكثرة" قوله: (انطلق المسلمون إلى رجل صالح فبايعوه، ثم بايعوا بعده رجلاً، ثم انطلقوا بعده إلى رجل ظنوا به الخير، وظنوا أنه سيجري مجرى صاحبيه... فلما قتل انطلق ولاة هذا الدين من المهاجرين والأنصار من أهل بدر وغيرهم من التابعين لهم بإحسان إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب حتى أخرجوه من بيته فبايعوه غير مكرهين...)([3]).

وهكذا أبطل الإمام زيد (ع) دعوى النص الذي ذهبت إليه الجارودية وروجته لأغراض سياسية، ولو كان ثمة (نص) لما تجاهله (ولاة هذا الدين) الذين أشار إليهم الإمام زيد (ع) في نصه السابق، والذين عززهم بمساندة (أهل بدر) وهم من هم في الفضل واحترام حق الصحبة.

وبالعودة إلى الجارودية نجد ذلك التأثير الإمامي القائل بوجود نص  (جلي) في حصر الإمامة في الإمام علي (ع) وبنيه واضحاً في تفاصيل النظرية السياسية عند الجارودية.

وبمتابعة الأحداث المصاحبة لنشأة الفكر السياسي الجارودي نجد انتشار حمى الاختصاص ودعوى القرشية والتي حرصت الأسرة الأموية الحاكمة على ترسيخها وتديينها تثبيتاً لدعائم حكمها في مواجهات صارمة مع الخوارج وحركتهم السياسية المعادية لفكرة الحصر للخلافة في نسب معين مغلبين في ذلك مقومات النهوض والكفاءة على بريق الأسماء وقدسية الأماكن.

وفي الخفاء ظهرت بواكير حركة سرية وتخطيط ماكر تحت ستار (الرضا من آل محمد) قاده العباسيون للإطاحة بالحكم بالأموي أولاً والانقلاب على بني عمومتهم (ذرية علي) لاحقاً.

وفي زخم تلك الأصوات الصاخبة ظهر صوت الجارودية كحركة فتية تعد نفسها امتداداً طبيعياً للإمامية ولكن في ثوب جديد تبلور في تبنيها للمبدأ الزيدي القائل بضرورة الخروج على الظالم؛ لتجاهر بدعوى النص ونظرية الحصر في البطنين في مقابل نظرية (قرشية الخلافة) التي تعلق بها الكيان الأموي الغاشم.

وبهذا تم إقحام الجارودية قسراً على مفردات الفكر الزيدي لتعد في أبجديات كتَّاب (الملل والنحل) أولى فرقه، حتى يتسنى لهم وصمه بما عُرفت به الجارودية من تشدد ومغالاة.

وإذا كانت كتابة التاريخ وصياغة أحداثه صناعة سياسية في المقام الأول فإن غياب الوثيقة التاريخية والإقصاء المتعمد لمؤرخي المعارضة في ظل كيان يمتهن التاريخ ولا يؤرخ لكل مكوناته الاجتماعية ورموزها الفكرية من شأنه أن يساعد على طمس المعالم وتشويه الحقائق؛ ليتحول التاريخ معها إلى مجرد أداة لتوجيه الحاضر والمستقبل على أساس أفكار مؤدلجة قائمة على تزييف الوقائع والأحداث لخدمة توجه ما، وبما يتوافق مع الأوضاع السياسية والتاريخية القائمة.

ومن هنا فإن تحميل الفكر الزيدي ما ليس منه هو عملية مدروسة ومؤدلجة قام بها أصحاب الملل والنحل – كناطق رسمي للسلطة السياسية القائمة – لتشويه معالم المذهب الزيدي، وعرقلة مسيرته النهضوية المتحررة من قيود (المقدس)، كما هو شأنها في محاكمة الاتجاهات المعارضة وإقصائها، وإطلاق النعوت والأوصاف المعادية عليها، لتحويل مسارها وتجميد طموحاتها.

ولا يخفى البعد الدلالي للترويج الإعلامي الصاخب الذي واكب ظهور الجارودية كتيار سياسي معارض في مقابل ذلك التجاهل الإعلامي لتيار الصالحية، والذي يقف على النقيض تماماً من أفكار أبي الجارود، ويخالف أطروحاته، وخصوصاً فيما يتعلق بالنص السياسي.

مع العلم بأن الصالحية من أكثر الفرق تجسيداً لأفكار الإمام زيد بن علي (ع) وتطبيقاً لنظريته السياسية.

وإذا كانت شخصية أبي الجارود محاطة بالغموض لندرة المراجع التاريخية التي توثق لحياته وارتباطاته وعلاقاته، فإن الحسن بن صالح بن حي (      -168هـ) مؤسس الفرقة الصالحية يحظى بشهرة تاريخية في العلم والفضل والتقوى تجاوزت محيطه المذهبي لتنال القبول والرضا حتى عند ألدّ أعداء الشيعة (الذهبي).

وللاطلاع على بعض ما اتصفت به هذه الشخصية الفريدة تقتبس بعض ما أورده صاحب المستطاب في ترجمته حيث وصفه بأنه (العالم المشهور علمه في كل فن مزبور، وهو من علماء الزيدية الفحول. قال في التوضيح: وإليه تنسب الصالحية من الزيدية). إلى أن قال: (قال أبو نعيم: كتبت عن ثمانمائة محدث فما رأيت أفضل من الحسن بن صالح، وقال أبو حاتم: ثقة حافظ متقن. وقال أحمد بن حنبل: ثقة، جزأ هو وأمه وأخوه الليل مثالثة فماتت فقسما الليل سهماً فمات علي فقام الحسن بالليل) إلى أن قال: (قال أبو زرعة: اجتمع في الحسن بن صالح بن حي إتقان وفقه وعبادة وزهد. قال أبو نعيم: ما رأيت إلَّا من غلط شيئاً دون الحسن بن صالح. وقال ابن عدي: لم أرَ له حديثاً منكراً فجاوز المقدار)([4]).

وإذا أخذنا بعين الاعتبار ذلك الالتصاق الوثيق بين عيسى بن زيد (ع) (     -     ) والحسن بن صالح القائم على المصاهرة والولاء، حيث تزوج عيسى بن زيد بابنة الحسن بن صالح وأنجب منها ولده (أحمد بن عيسى) (ت247هـ) صاحب أمالي أحمد بن عيسى والذي يعد (أساس علم الزيدية وبناؤه)([5]). فإن ذلك يمنح فرقة الصالحية وموقفها من مسألة (النص السياسي) مصداقية تتفوق في القوة والتوثيق على أطروحة أبي الجارود ورؤيته السياسية.

وإذا كانت الجارودية كتوجه سياسي قد انقرضت وعفا عليها الزمن، فإن أصداءها لا تزال تتردد هنا؛ وهناك؛ ليتم توظيفها في المشاهد السياسية من حين لآخر.

وباستقراء وقائع وأحداث القرون الماضية وتحديداً القرنين الرابع والخامس الهجريين، حيث ظهرت دول ذات توجه زيدي و(لكنهم ليسوا ثوباً سلطانيًّا من أجل مطامحهم السياسية) ([6]) نجد النظرية السياسية الجارودية تلقي بظلالها على معطيات الأحداث مما أعاق المد الفكري الزيدي من التوسع والانتشار كما حدث في دولتي بني بويه وبني حمدان.

وفي اليمن يمثل القرن السادس الهجري موسم الالتفاف حول النظرية الجارودية وابتعاثها من جديد ليكون لها حضورها القوي في ظل ركود علمي خلفته الصراعات السياسية بين أبناء الأئمة مما حدا بعلَّامة اليمن نشوان بن سعيد الحميري (ت573هـ) إلى القول: (ليس في اليمن من فرق الزيدية غير الجارودية، وهم بصنعاء وصعدة وما يليهما) ([7]) بعد أن اكتوى بنيران النظرية الجارودية في بعدها السياسي ردحاً من الزمن.

وإذا كان انتشار الجارودية وابتعاثها من مرقدها مرتبط بركود الفكر وانحساره، وانتشار الشقاق والحروب، وانعدام الأمن والاستقرار، فإن عودة المدرسة الزيدية إلى مزاولة نشاطها الفكري بحثاً وتأليفاً واجتهاداً قد ساهم في دحر الفكر الجارودي وإقصائه، بل ومحاربته باعتباره فكراً دخيلاً على الفكر الزيدي ومنهجيته الرائدة.

وفي هذه المرحلة ظهرت مجموعة كبيرة من الأئمة والعلماء المجتهدين كان لهم الدور الأكبر في تنقية المذهب الزيدي مما علق به من شوائب النظرية الجارودية، وفي طليعة هؤلاء العلماء الإمام يحيى بن حمزة – عليه السلام – (ت749هـ) صاحب الانتصار.

ومن بعده العلامة يحيى بن الحسن القرشي (        -        ) صاحب كتاب "منهاج المتقين في علم الكلام" حيث أورد في الرد على من قال بالنص (الجلي) قوله: (وأما قول أهل النص الجلي فباطل؛ لأنه لو كان ضروريًّا لعلمه الناس كلهم، ولتوفرت الدواعي إلى نقله؛ لأنه من مهمات الدين كما في الصلاة والحج ونحوهما، ولو صح ما ادعوا لصح لغيرهم أن يدعي نصَّا جليَّا على العباس مثلاً أو على وجوب صلاة سادسة ونحو ذلك). إلى أن قال: (فلو كان كذلك لوجب أن يكفر الصحابة برده، وفي علمنا بسلامة دينهم، وثناء الله عليهم ما يدل على أنهم لا ينكرون ما هذا سبيله). إلى أن يقول: (فقد روي أن أبا بكر قال بحضرة الجماعة: وددت أني سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن هذا الأمر في من هو فلا أنازعه، ولو كان هناك نص جلي لما قرروه على هذا المقالة)، ثم قال: (فلو كان هناك نص جلي لما تواطأ أهل البيت عليهم السلام على إنكاره والعدول إلى الاستدلال بالنص الخفي) ([8]).

ومن بعدهم ظهر الإمام المجتهد المطلق المهدي أحمد بن يحيى المرتضى (ع) (       -840هـ) صاحب موسوعة الفقه الإسلامي المقارن المعروفة في الأوساط العلمية بـ"البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار" والذي ورد عنه قوله: (إن قيام الدليل الشرعي على وجوب الإمامة كما يدل عليه، فهو يدل على جواز نص بكل من صلح للقيام بالمقصود فيها، ويحصل به العلم بذلك، قرشيًّا كان أو غيره، هاشميًّا كان أو غير هاشمي) ([9]).

ومن بعده جاء الإمام عز الدين بن الحسن (ع) (900هـ) ليقدم رؤية تفصيلية توضح المقاصد العليا للإمامة، وبما يتوافق مع مبدأ الأنهضية والذي كانت براعمه الأولى قد تفتحت في القرن الثامن الهجري تقريباً ليتممه الإمام عز الدين (ع) عندما أكد (أن الأصل بعد وجوب ثبوت الإمامة، ولزوم نصب الإمام جوازها فيمن صلح لذلك، وحصل بقيامه وانتصابه الغرض المقصود منها، فإذا كان المقصود من الإمامة حفظ بيضة الإسلام، وحماية صرحه أن يضام، وسد الثغور، ونظم أمور الجمهور، وإقامة الجمع والحدود، ونصب الحكام، وقبض أموال الله وصرفها في مصرفها، وأداء فريضة الجهاد، وإجراء جميع ما ذكر على القوانين الشرعية، والقواعد النبوية المرضية، فمن المعلوم أن ذلك لا يتوقف على منصب مخصوص، ولا يتعذر فيمن صلح له من غير أهل البيت، فيعلم جواز نصب من صلح لذلك منهم ومن غيرهم، ويكون ذلك هو الأصل المرجوع إليه، إلا لدليل ينقل عنه)([10]).

ومن المعلوم أن تلك المقاصد التي أوردها الإمام عز الدين كوظائف أساسية للقائم بالأمر، لا تتوقف على قبيلة بعينها، أو نسب محدد، بقدر ارتباطها بالكفاءة والقدرة الإدارية المحنكة في تصريف الأمور، وفي هذا أبلغ الرد على دعوى (النص السياسي) الذي تتعلق به الجارودية.

وإذا كان من مساوئ نظرية الحصر الجارودية أنها أعاقت المد الفكري للمدرسة الزيدية من الانتشار والتوسع، وحصرته في محيط جغرافي توزعته رقعة هنا، ورقعة هناك، فإن تنقية المذهب من شوائبها من شأنه أن يفسح المجال أمام التوسع والانتشار بل ومقاومة عوامل التقهقر والانحسار والتقوقع في أماكن محدودة.

ولا أدل على ذلك من تلاشي المد الفكري الزيدي من ربوع طبرستان والمغرب العربي، وطمس معالمه بشكل مخيف في مقابل الانتشار الإمامي هنا والحنفي المالكي هناك.

مما سبق نستنتج أن الجارودية كتيار سياسي معارض قد وُجِدَتْ على أرض الواقع، وتم دعمها وترويجها لخدمة أغراض تتنافى مع ما عرف عن المذهب الزيدي للحيلولة دون انتشاره وازدهاره، ولهذا تصدى لها كبار أئمة الزيدية وأبرز علمائها كما أسلفنا.

كما أنه لا يمكننا أن ننكر الوجود التاريخي للجارودية كما يدعي البعض للتهرب من تبعات البحث العلمي الجاد ونتائجه، بحجة عدم تواجدها حاليًّا ، أو عدم وجود تراث فكري جارودي يمكن الرجوع إليه والاستشهاد به.

فالجارودية  - كما أسلفنا – مجرد فرقة سياسية ذات آراء مؤدلجة تم إقحامها في الفكر الزيدي بفعل فاعل، وبإيعاز من مؤلفي "الملل والنحل" لضرب نواة الثورة ومبدأ الخروج الذي تميزت به الزيدية في مواجهاتها ضد الظلم والطغيان والاستبداد.

ولقد استطاع علماء الزيدية في الوقت الحاضر أن يطوروا مفاهيمهم السياسية وما يرتبط بها من طبيعة الاستحقاق إيماناً منهم بأن نظرية الحصر في نسب معين أو قبيلة معينة لم يكن سوى تجربة تاريخية ولدت في ظل ظروف معينة كمنهج من مناهج الحكم، وأن تطور العقلية البشرية وتبدل الظروف يفرض على الإنسان إيجاد بدائل للحكم تتأقلم ونوعية الحياة الفكرية والثقافية والسياسية القائمة.

وهذا في حد ذاته دليل تطور جيد ونقلة نوعية تثبت جدارة الفكر الزيدي وقدرته على المواكبة والمعاصرة والبقاء.


([1]) المسعودي: مروج الذهب ومعادن الجوهر. تحقيق محمد محيي الدين عبدالحميد. بيروت – دار الفكر – ط5-1393هـ/1973م. ج3- ص220.

([2]) للاطلاع انظر: المهدي لدين الله أحمد بن يحيى بن المرتضى. المنية والأمل في شرح الملل والنحل. تحقيق د/ محمد جواد مشكور، دار الندى – بيروت – لبنان، ط2-1410هـ/1990م. ص96 وما بعدها.

([3]) محمد يحيى سالم عزان، مجموع كتب ورسائل الإمام زيد، كتاب "القلة والكثرة". ص260.

([4]) يحيى بن الحسين بن القاسم. المستطاب. ق21-22. نقلاً عن المسار السنة الحادية عشرة. العدد الثالث – المجلد 33 – 1431هـ/1432هـ/2010م بحث في "الينابيع الزيدية" للأستاذ/ زيد بن علي الوزير.

([5]) المسار. بحث في الينابيع الزيدية. مصدر سابق ص40.

([6]) المسار. السنة العاشرة – العدد الأول، المجلد 28، بحث الحصر والتفكيك – زيد بن علي الوزير. ص11.

([7]) نشوان بن سعيد الحميري، شرح رسالة الحور العين، تحقيق كمال مصطفى، دار آزال للطباعة والنشر والتوزيع. بيروت – لبنان ط2، 1985م، ص208.

([8]) يحيى بن الحسين القرشي. منهاج المتقين في علم الكلام. مخطوط، الجزء الثاني، ورقة 252.

([9]) أورد النص الإمام عز الدين بن الحسين في كتاب "المعراج شرح المنهاج" الجزء الثاني، مخطوط.

([10]) المصدر السابق.

جميع الحقوق محفوظة لمركز التراث والبحوث اليمني 2011 - 2012 ©