الدراسات والبحوث

المفكر الإسلامي زيد بن علي الوزير المفكر الإسلامي زيد بن علي الوزير

زيد بن علي بن عبدالله الوزير. أديب، شاعر، مفكر، سياسي، مؤرخ، محقق، يتميز بالوسطية والعقلانية في منهجه الفكري، مع إدراك عميق، وإلمام واسع، وطرح متزن.

 يتضح ذلك من خلال ما طرحه في بعض مؤلفاته الفكرية والسياسية لعدد من القضايا أبرزها مسألة الفردية في الفقه السياسي عند المسلمين، وما تمثله من أزمة في فهم صلاحية الحكم الفردي، أطروحة عميقة، ودراسة جادة صاغها وقدمها بحرية في كتابه (الفردية ـ بحث في أزمة الفقه السياسي الفردي عند المسلمين).

توضيح وتعقيب على مقال محنة المطرفية وشيخ الإسلام

2011/9/10
- ترجمة :
- التبويب : -

(1)
التوضيح
 أظهر مقال الأستاذ حسن زيد "محنة المطرفية وشيخ الإسلام" نقصا في معرفة المطرفية ينبغي أن يُملأ، وفيضا من العاطفة يجب أن يُخفف، وحاجة ملحة إلى مزيد من الأضواء يحسن أن تُلقى، وهذا التوضيح  والتعقيب محاولة لمزيد من إلقاء الأضواء عليها حسب الجهد والعلم. 
إن أول ما يجب إيضاحه والتأكيد عليه أنه ينبغي ألا يتم تناول أي موضوع إلا بعد الإحاطة به خُبرا، أما أن يكتب-مثلا- عن المطرفية –دفاعا أو هجوما- والمعلومات عنها تكاد تكون معدومة، وفكرها مجهول، ولا يُعلم منه (إلا القول بالإحالة والاستحالة) كما يقول المقال، فإن الكتابة عنها كمن يقدم على دخول الظلمات بدون مصباح، أو ما يسمى حاطب ليل لا يدري ما يحتطب أأفعى أم خشب على قول الشاعر المرحوم الزبيري. وهذه الطريقة تنافي شروط البحث العلمي تماما، ومن المعروف والمسلم به إنه إذا فُقد هذا الشرط الأساس فالمنهج العلمي لا يمنح شهادة الموضوعية لبحث غير مستوف شروطه؛ فلا يستجيز نقاشَ راي مجهول قبل كشف تفاصيله، أو معظمه على الأقل. إن أفضل طريقة في هذه الحالة أن يتم البحث عن هذه الأفكار واستخراجها من تحت الركام، قبل مناقشتها، إذ تفرض المنهجية  عدم الإقدام على تكوين الرأي إلا بعد أن تكون الإحاطة قد تمت بأي قضية أو بمجملها، وإلا فكل رأي يأتي- بدون استناد على معلومات موثقة وواضحة- هو قائم على غير أساس بالضرورة.   
والحق أن فكر المطرفية -كتيار شعبي عند العامة والمقلدين- ليس معلوما على حقيقته، ولكن مايزال له في الأروقة العلمية ولدى النخبة –بالرغم من اختفاء كتبها- ساطع التوهج. لم تعد تشكل تيارا شعبيا بعد القضاء عليها كما كانت، لكنها حصرت في الأروقة العلمية ولدى النخبة، المدافعين عنها والمناؤين لها على السواء، وعلى العكس من المطرفية بقيت استنتاجات المخترعة وتأويلاتها وتفسيراتها طاغية كتيار شعبي جارف. وفي إطار الملحمة الفكرية- التي دارت بعد المذبحة بين المؤيدين والمناوئين- أشتد الخلاف بين الفريقين فمنهم من عرفها فدافع عنها، ومنهم من انكرها ولم يفهمها فحاربها، وتجلى ذلك في مواقفهم من عدم التكفير – والتكفير- بالإلزام، وبالتالي عدم استباحة-واستباحة- دمائها، وعدم رضاهم-ورضاهم-عما فعله الإمام بها. هذه الثنائية الموجودة دليل على بقاء الفكر المطرفي يشع في أجواء المخترعة فيعكسون ضوء ظلاما.  
ولا شك أن اختفاء كتب المطرفية من التناول قد أفقدنا الكثير من التفاصيل عنها، لكن كثيرا من الأسس قد حفظت عند المخترعة نفسها، وبالتحديد في ردودهم عليها بالرغم من اعتساف التفسيرات وقسر التأويلات، وأن ما حفظ منها بدون قصد كان كمية كبيرة منها. ونحن نعرف أن مصادر الخصوم عادة ما تكون مريبة، لكن هناك كثير من المخترعة كانت أمينة على النقل إن لم يكن بالنص -وهذا نقص كبير- فبالمعنى، لكنها أسأت فهم النص فبنت ردودها على سوء الفهم هذا ، فالأصل إذا باق وسليم، وما علينا إلا أن نخلع عنه سوء الاستنتاجات ليكون أمامنا فكر مطرفي علمي مصفى. وعليه فيمكن القول بأن ردود المخترعة قد حفظت شيئين:
(1) فكر مطرفي غابت عنه أشياء.
(2) واستنتاج اختراعي لم يغب منه شيئا.
وبهما يتم التعرف على علم الفريقين، حيث يقدمان مادة واسعة يمكن الاستفادة منها لدراسة الفكرين المطرفي والمخترعي، وإذ تعكس المطرفية عقلا علميا، تعكس المخترعة فقها صرفا، وفهما ناقصا للحقائق العلمية، بينما نجده متسعا وعميقا لدى المطرفية، وهو العلم الذي أتقنته المطرفية وبنت عليه تنزيه الله من كل ظلم يلحق بعباده منه سبحانه وتعالى معتمدة على المنهج العلمي. ومن هنا فعلينا ألا نرفض استنتاجات المخترعة فهي ضرورية على ما بها من تعسف لا لمعرفة الفكر المطرفي فقظ وإنما لدراسة المناخ العام أيضا. 
ومن ناحية ثانية حفظ لنا العالمان الكبيران المطرفيان "مسلم اللحجي" في الجزء الرابع من طبقاته وفيما بقي من "كتاب أخبار الزيدية من أهل البيت وشيعتهم باليمن" و"سليمان بن أحمد المحلي" في "البرهان الضائق المخلص من ورط المضايق" معظم أفكار المطرفية وعقائدها. وهناك كتابان للعلامة البحيري في طريقها إلى النشر. وقد نقل "أحمد بن عبد الله الوزير" و "يحيى بن الحسين بن القاسم" عن مسلم –وخاصة ابن الحسين- شيئا كثيرا، لكن هذه النقولات كثيرا ما اقتصرت على مواصفات المطرفيين الشخصية من التقوى والعبادة والزهد الخ، وهي على أهميتها في معرفة رجال المطرفية لا تتحدث كثيرا عن عقائدهم بنفس المقدار التي ينقل ابن الحسين استنتاجات المخترعة بقيادة العالمين الكبيرين المخترعين "جعفر بن عبد السلام" و "عبد الله العنسي"، فإذا أضفنا إلى ذلك كتب الإمام عبد الله بن حمزة الواسعة الانتشار، نعرف أن استنتاجات المخترعة هي التي طمت وعمت، ولكن لا يعني أن الأفكار الأصلية قد جُهلت تماما فهي موجودة في الأروقة العلمية وعلى مستوى النخبة، بل وفي أسس الاستنتاجات المتعسفة أيضا. ولا ريب أن قاعدة الإحالة والاستحالة هي أحد الينابيع الأساس  الذي فجر الطاقات العلمية المتولدة منها، لكن معرفتها وحدها غير كاف لمعرفة الإبداعات الأخرى. إنما كمثل باقة زهر فواح يدل على أن وجود حديقة غناء، على الباحث أن يذهب إليها ولا يفتن فقط بالزهر المقطوف. والخلاصة أن القول بأن فكرهم مجهول، وأنه لا يعلم عنه إلا قول واحد غير دقيق. فهناك كمية من الأفكار يمكن أن تقدم تعريفا جيدا بالمطرفية. وهنا أحب أن أؤكد أن الخلاف بين المطرفية العلمية والمخترعة الفقهية ليس فقط حول الإحالة والاستحالة، بل إنه دار حول نقاط كثيرة.
 وقد أسعدني أن يكتب الأستاذ "حسن زيد" في هذا الموضوع، ويسعدني أن يكتب غيره أيضا فالكتابة- مهما بلغت درجة الاختلاف- تثري الموضوع. إن تحريك قضية راكدة هي في حد ذاتها إنجاز، خاصة إذا أدركنا أن كثيرين يرغبون ألا تثار حتى لا تكون – في مبررهم- فتنة في المذهب وفساد بين الناس. أي لئلا ينزعج المطمئن إلى ما قد اطمأن عليه، واستقر في وجدانه، حتى ولو كان في ذلك ظلم كبير على آخرين. وأنا من مدرسة ترى أن إقامة المعوج ليس إثارة فتنة، وأن إبقاء الأغطية فوق جثث المظلومين يعتبر ظلما في حد ذاته، وأن في رفعها عنه متنفسا للروائح الظالمة، ومن ثم فالبحث عنها إنما هو إنصاف وانتصاف، ودروس وعبر يُستفاد منها حتى لا تتكرر أمثالها. 
ولكي تصل الأبحاث إلى غاياتها المطلوبة فإنه ينبغي أن نفرق بين دراسة قضية، وبين دراسة شخص؛ ففي الحالة الأولى يكون التركيز على القضية نفسها، ومن ثم يبدو دور الشخص فيها جزءا من كُلٍ، لا كُلا من جزء كما هو في الحالة الثانية، فعندما نتناول دراسة شخصية ما فهنا يكون التركيز عليه وعلى خصاله وآثاره الخ ويتم استعراض الأحداث من خلال سيرته، باعتباره هو منطقة البحث المقصود، وهكذا يتضح أن  التفريق بين دراسة المجموع وبين دراسة الفرد، لا يعني فصلا حاسما بينهما، وإنما يعني التركيز على منطقة البحث المقصود، فإن كان قضية فهي التي تستأثر بالتركيز، وإن كان شخصا فهو الأولى بالاهتمام. وعلى ذلك فالحديث هنا عن المطرفية هو حديث قضية، ومثلها كمثل الحديث عن الخلافة الراشدة والملك العضوض، حيث تبدو أبعد من موضوع شخصي بين علي ومعاوية، لأن ما يجب أن يدرس في هذا الإطار هو صراع بين تيارين أحدهما يمثله الإمام والثاني يمثله معاوية. وعندئذ يأتي الحديث عن الرجلين رديفا. ولو تم التركيز على القضية لا الشخص لما وجد أولئك الذين يدعون إلى عدم إثارة الخلاف بين أمير المؤمنين علي وبين معاوية بحجة عدم إثارة الفتنة بين المسلمين، وبدعوى أن تلك أمة قد خلت، لأنهم بهذا المنطق يدافعون عن شخص لا قضية، في حين أنما حدث هو قضية قانون ومبدأ دستوري تجلى بين الشرعية و البغي. وإذن فإن الدراسة التي تقوم على المساق الشخصي تقلل إلى حد كبير من فاجعة ما حدث ضد الدستور والنظام كله، لكن الدراسة على مساق القضية تحدد أبعاد الفاجعة وتظهر الرشد القانوني كما يجسده أمير المؤمنين وقضية البغي كما يجسدها معاوية، وليست مسألة علي ومعاوية. ولا أحد ينكر أن لمعاوية خصالا رفيعة على المستوى الشخصي، لكن له أفعالا ضارة على مستوى القضية. ومن هنا لا يمكن أن تغطي هذه الخصال الوجه الحقيقي للفعل. وهذا -في رأيي- ما يجب أن يقوم عليه البحث، ويقوم الحوار في كل قضية مشابهة.
*
سأحاول في هذا التوضيح إبقاء النقاش ما أمكن في إطار الوقائع والنصوص؛ لأن التركيز على معرفة الوقائع التاريخية ومعرفة النصوص كما وردت، هو الذي يفضي إلى إمكانية تركيب الآراء، واستخلاص النتائج بسهولة، ويحميهما من الزيغان في مسارب ثانوية أو خارجة عن الموضوع. وعليه فإن معرفة الوقائع كما كانت عليه، وقراءة النصوص بحروف مؤلفها لا برغبة قارئها هي التي تفضي بالضرورة إلى صحة الرأي أو خطئه، ومتى صححت الوقائع وقرأت النصوص بمدلولاتها فإن الآراء تصحح نفسها. أما ما يطرح من رأي -وخاصة إذا كانت القضايا ما تزال عند صاحبها غائمة - فيحسن ألا تناقش أصلا، وإنما ينصرف البحث إلى دراسة الوقائع أو النصوص، ومتى تم ذلك فأن الرأي أو الاستنتاج يقوم على قاعدة، أما إذا كان قائما على مجهول فهو في الحقيقة ناتج ظن صرف، وبعض الظن إثم، فإذا أضفنا إلى ذلك ما يكمن خلف الرأي من ميول وتعاطف وارتباطات أدركنا أن الرأي يتولد من التوجه الخاص. وعليه فيلزم من ذلك أن ينصب الاهتمام على دراسة الوقائع وتفحص النصوص، قبل إبداء الرأي واستخلاص الاستنتاج. هذا مع التسليم المطلق بأن لكل إنسان الحق كل الحق فيما يراه صوابا، وله الحق كل الحق أن يعرض آرائه، ولكن البحث العلمي لا يقبل رأيا إلا على أسس واضحة.
*
كنت قد كتبت عن المطرفية بحثا اقتضى المنهج مني أن أوضح نقاطا لا نصل بدونها إلى فهم المطرفية كما يجب. وقد تمحور التوضيح حول أربع نقاط: الأولى: أن الإمام زيداً كان من علماء الكلام وليس كما يوحي به كلام المؤرخ المنصف يحيى بن الحسين. والثانية: أن مذهب الهادي لم يغلب على مذهب زيد كما ذكر المؤرخ يحيى أيضا. والثالثة أن المطرفية لم تنبثق من الجارودية على ما ذكره ابن المرتضى؛ لأن الجارودية لم تكن تنتمي إلى الزيدية ولا الهادوية أصلا. والرابعة: هو حقيقة ما يعني مصطلح الطبائعية التي كانوا يسمون بها المطرفية(1). وكانت تلك النقاط بمثابة تمهيد الطريق للدخول إلى حرم الفكر المطرفي استبيانا للحقيقة واستنطاقا للمعالم الغائمة.  
وقد استقى ذلك البحث مصادره من ينبوعين، الأول: مما صح انتسابه إلى المطرفية وهذا ما لا شك فيه. والثاني: ما نسبه إليها خصومها من أراء، وهذا ما احتاج إلى بحث وتنقيب، فرواية الخصوم لابد أن تغربل قبل رفضها أو قبولها لأنها تحمل قدرا من الشك في مصداقية الخصم عموما يرغم على بحثها بطبيعة الحال. وقد تبين لي من خلال قراءتي لنصوصها ونصوص خصومها أن المشكلة لا تكمن فيما يروونه عنها، ولكن فيما استنتجوه هم منها، واستخرجوه من أصولها، والذي توصلت إليه أن تلك الاستنتاجات والاستخراجات لا تتفق مع ما أرادته المطرفية قط، فالحقائق العلمية التي أطلقتها المطرفية كتكوُّن المطر والبرد والسحب والأسقام والمرض والرزق والإحالة والاستحالة أبحاث علمية رائدة أقرها العلم الحديث، وبنى عليها هذه الحضارة المتفوقة. أما ما استنتجه خصومها عن تلك الأفكار فهي-إلى جانب تعسفها- تمثل فكرا ارتداديا كابحا. ونحن معنيون بحقيقة هذا الفكر لا باستنتاج وإلزام، إلا من حيث أنه يجسد فقها ذابلا. 
ومن هنا فلم استبعد من مصادر بحثي ما رواه عنها خصومها، ولكني لم التزم باستنتاجاتهم أو إلزاماتهم، لأنها لا تتسق مع ما أرادته المطرفية، وما رووه عنهم هو حجة للمطرفية على المخترعة؛ لأن ما اعتبره خصومهم كفرا، هو في حقيقته علم راجح، وإبداع متطور، وإيمان مطمئن ليس فيه ما يريب. من هنا يأتي الأسف والشجى على أن لا يظل هذا التراث تيارا  علميا قويا، إذ لاشك أن ضعفه قد أورث غيبوبة علمية حتى اليوم.(2) 
والأن لنطرح بعض الأضواء على النقطة الأولى وهي أن الإمام زيد كان من علماء الكلام فالمقال لم يعارض ما ذهبت إليه، ولكنه طرح قضايا خارج إطار الموضوع فمن ذلك مثلا أنه قال أنني لم أقدم للقراء (ما الذي اتفق فيه الإمام زيد مع واصل واختلف فيه مع علماء أهل البيت) فهنا ينبغي إقرار أن طبيعة البحث العلمي وشروطه هو البقاء حول الفكرة المحورية أو العمود الفقري للموضوع، وليس التشعب والاستطراد. والموضوع الرئيس كان هو إثبات التلاقي بين الإمام زيد والعلامة واصل، وما دام قد ثبت ذلك فليس من طبيعة البحث العلمي الخروج منه لدراسة كل ما اتفقا عليه أو اختلفا فيه، فذلك موضوع مستقل ومفيد ومهم، لكنه خارج إطار بحث مقيد بقضية محددة. ولم أكن لأدخل في تفصيل كل أوجه التلاقي المختلفة بينهما، وإلا كنت خرجت عن الموضوع،  وإنما كان علي أن أثبت هذا التلاقي، وقد فعلت. لأني إن فعلت ما أراد خرجت بالبحث عن موضوعه. وأكثر إغراقا من ذلك هو أنه كان علي أن أتناول ما اتفق فيه الإمام زيد مع واصل واختلف فيه مع علماء أهل البيت، فبرغم أنه موضوع مهم ومفيد، لكنه يبتعد عن الموضوع ابتعادا شاسعا، فمالي وأنا أكتب عن المطرفية أن أكتب عما اختلف فيه مع علماء أهل البيت.
الأمر الثاني: الذي ينبغي إلقاء مزيد من الضوء عليه هو ما ذهب إليه المقال من أن (المخترعة ينتسبون إلى علم الكلام أيضاً) ولا أعرف لماذا طرحه فلم يقل أحد أن المخترعة لا تنتمي إلى علم الكلام وإلى المعتزلة أيضا. ففيهم الكثير من علماء الكلام ومعظمهم المعتزلة. وربما كان لنا فيما طرحه فرصة لمزيد من إيضاح هذه النقطة، وهنا أريد أن أقول أن الخلاف بين المطرفية والمخترعة –وكلاهما ينتميان إلى المعتزلة- هو خلاف بين مدرستي بغداد والبصرة المعتزلتين. وقد فصلت الخلاف بين المدرستين في كتابي عن الإمام "مطرف بن شهاب" الذي سيظهر قريبا إنشا الله. 
والأمر الثالث الذي بحاجة إلى توضيح هو: ما ذهب إليه المقال من أن الإحالة والاستحالة لم يقل بها الإمام زيد. وحول هذه النقطة- التي قد يُظن أنه يترتب على صحتها قطع الصلة بين المطرفية والإمام زيد- أريد أن أوضح أن لا أحد زعم أن الإحالة والاستحالة قال بها الإمام زيد بن علي (ع) بهذا اللفظ وبهذا التعبير، ولكنها -في رأيي- كامنة في نهجه العقلاني القابل للتطور بالضرورة، فما وصل إليه المطرفية كانت بسبب ذلك الكمون العقلي في الزيدية المنفتحة التي تخلَّقت- عبر سلسلة من التطور- ضمن منهج الإمام العقلاني المفضي بالضرورة إلى الاستكشاف والابداع، فالإحالة والاستحالة إذن- وإن لم يقل بها- نبت من غراسه، وفرع من شجره، مرت بأطوار كما نراها عند الإمامين القاسم والهادي وبلغت نضجها عند المطرفية. وادعاء المطرفية أنهم أقرب إلى الهادي والقاسم عليهما السلام في موضوع كيفية خلق الله للعالم، وما انبثق عنها دليل على اتصالهم بزيد بن علي عن طريق الصالحية الزيدية، لا الجارودية كما سنفصله في غير هذا الحديث، وعندئذ سنرى عجبا. 
يؤكد تطور الأفكار من ينبوع خلاَّق أن الفكر المطرفي نفسه  بقي في عملية تطوير دائمة، وقبل أن ينطفئ نور الفكر العلمي كان الشيخ "سليمان بن سلامة" قد طرح فكرة علمية أقرها العلماء في يومنا هذا، وهي أن كل المخلوقات تتفاعل باستمرار وتغير حلقها الأول وتظل في تخلق مستمر وهذه الفكرة كانت (بعد موت القاضي جعفر بن أحمد(3) المذكور، وتبعه مقدار ثلاثين رجلا، ثم إنهم تزايدوا وكثروا)(4) وممن تابعه في هذا الرأي العلامة الحسن بن سعيد المسوري (وكان رجلا متبوعا في المطرفية).
*
 وسوف نتجاوز النقطة الثانية وهي عن أن مذهب الهادي هو مذهب زيد فالمقال لم يأت بشيء مخالف حول هذه النقطة حتى نوضح ونعقب، ونصل إلى النقطة الثالثة وهي انتماء الجارودية إلى الزيدية والهادوية من عدمها. وأسارع فأقول أنني باق عند رأيي الأول وهو أن أبا الجارود ليس زيديا وليس هادويا، ولأن صاحب المقال لم يقتنع بما سبق من حجج، فقد لزم إلقاء المزيد من الضوء على هذه القضية.
ففي فقرة "حيثيات بلا منهج" علق على ما نفيته من انتماء أبي الجارود إلى الإمامين زيد والهادي، ومن ثم المطرفية الذين قال فيهم  ابن المرتضى أنها قد انبثقت عن الجارودية، قائلا بعد الثناء الجم على أسلوبي: (مع ذلك إلا أنني شعرت بقلق وتوتر لعدم وضوح الحيثيات التي بنى الأستاذ زيد أحكامه عليها) 
أوقفني قوله هذا عن شعوره بالقلق والتوتر لأستجلي حالة الكتابة تحت ضغط التوتر والقلق، فإنه من المؤكد أنهما ثم يضعان التجرد والموضوعية تحت رحمة التوتر والقلق، لأنهما أي التجرد والموضوعية تصبحان واقعتين تحت مشاعر هائجة متوترة وقلقة. ولكني حقيقة لا أعرف معنى لهذا التوتر، لأن هدف الجميع كما أعتقد هو الوصول إلى الحقيقة بابتهاج وصدر مفتوح، وإذا كان مقالي لم يوضح الحيثيات كما يقول فلا يستدعي ذلك  حصول قلق وتوتر؛ فالقلق والتوتر يأتيان نتيجة انفعال متوتر، لا رؤية واضحة، وفي ظل التوتر لا يصل الإنسان إلى الرؤية الصافية، وأخشى أن يكون ذلك القلق وذلك التوتر قد سيطرا ووجها على بقية المقال.
ثم بعد هذا التوضيح السريع أعود إلى ما قاله من أن (دعوى الأستاذ زيد مخالفة الجارودية للإمام زيد (ع) ومناقضتهم كل المناقضة، لا يجد لها سنداً في الواقع, بل على العكس تماماً فان أبا الجارود يتفق مع الإمام زيد في مسألة الإمامة تمام الاتفاق إذا استثنينا رأي أبي الجارود من الصحابة المتقدمين على الإمام علي (ع) ودعوى مناقضة الجارودية للإمام زيد (ع) في جواز إمامة المفضول على الفاضل لا يوجد لها سند فكري، من أفكار الإمام زيد (ع) أو أبي الجارود) 
لابد من الاستماع إلى صوت الوقائع والنصوص هنا، فماذا يقولان؟  لقد أعلن الإمام الأعظم رفض تبرؤه من خلافة الشيخين، وأعلن أنه لم يجد أحدا من أهل بيته تبرأ منهما. هذا حديث النص، أما حديث الوقائع التي ووثقت النص فإنه خسر معركته بسبب تمسكه بموالاتهما. ولو كان قد خطّأهما على الأقل لما انصرف عنه الغالية من الشيعة. ثم كيف يتبرأ منهما وأمير المؤمنين علي عليه السلام قد تولاهما وبايعهما؟ هل يتبرأ من الإمام علي الذي ارتضى خلافتهما وأخلص لهما؟. المنطق يقضي أنه لو تبرأ منهما لتبرأ -في الوقت نفسه- من موقف الإمام علي، وهو ما لم يفعله قط، وإذن فلماذا-منطقيا وتاريخيا- يخالف الإمامُ  زيدٌ أميرَ المؤمنين عليا في هذه الموالاة؟. وعليه فإن قول المقال بأن عدم البراءة منهم شيء، وإقرار خلافتهم شيء آخر لا يطابق المنطق ولا ينسجم مع الحدث. 
وأخلص من هذه العوارض إلى ذكر نص آخر يميز بين موقف المطرفية وبين موقف الجارودية من الخلفاء الراشدين، وهذا النص يوضح أن المطرفية بالرغم من اعتقادهم حق الإمام علي في الخلافة، إلا أنهم لم يكونوا يسبون الخلفاء الراشدين، وكانوا يعتبرون عائشة- وموقفها من الإمام أشد من موقف الشيخين- في الجنة. وهذا على خلاف رأي أبي الجارود الذي يكفرهم ويقضي بسبهم. وأهمية هذا الدليل أن الذي رواه وكتبه بخط يده وأشهد عليه هو خصم المطرفية الشديد العلامة الكبير الشهير جعفر بن عبد السلام، كما أن الذي رواه عنه هو المجتهد المطلق محمد بن إبراهيم الوزير. روى الأستاذ إسماعيل الأكوع عن العلامة المؤرخ الثقة الحسين بن القاسم أنه قال في "أنباء الزمن" في أخبار سنة 568/: ("أجمعت الزيدية المخترعة والمطرفية أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي في الجنة، وأنه لا يجوز سب أبي بكر ولا عمر ولا غيرهما من الصحابة وذلك بمسجد الجامع بذمار". هكذا ذكره السيد "إبراهيم بن محمد الوزير" في "حواشي الهداية" قال: وعلى ذلك خط القاضي "جعفر بن عبد السلام" والإشهاد عليه. والله أعلم).(5)
فنحن هنا أمام واقعة تاريخية في "مسجد ذمار" حصلت بين الخصوم وانتهت إلى وفاق ووقع عليه كبير المخترعة وأشهد عليه. وعليه فالرأي الذي جاء به المقال لا محل له من الإعراب. ونحن نعلم أن كثيرين من المخترعة ما عدى كبار الأئمة وكبار العلماء لم يلتزموا بذلك، وكان بعضهم يمارس السب، وبعضهم يتوقف في حين لم نجد أحدا من المطرفية حتى الآن قد سب الصحابة أو شتمهم.
أما القول بأن جلد الهادي لمن سب الصحابة (لا يعني أنه يرضّي عنهما لأنه قد يكون كموقف الإمام علي (ع) في نهيه أصحابه عن سب أصحاب معاوية معللاً ذلك بأن السب ليس من أخلاق المؤمنين، المؤمن ليس بسبّاب ولا لعّان) فهو رأي نحترمه. لكنا نعتقد أن هناك رأيا آخر أقرب إلى فهم الواقعة وهو أن الهادي لم يأمر بالجلد إلا لاعتقاده بأن المجلود قد ارتكب كبيرة، لأن الجلد من عقوبات الكبائر، ولا نعتقد الهادي - وهو نموذج العدل- يقدم على هذه الخطوة إلا إذا كان صاحبها يستحقها لأنه معروف عن الهادي أنه كان يضع الأحكام في مواضعها، ولا يمكن أن يجلد شخصا بدون مبرر كاف؟. وهذا يسلمنا إلى القول بأن هذا سب الخلفاء عند الهادي من الكبائر، وعليه فالأقرب إلى الصواب أن الهادي كان يرضي عنهم ؛ لأن من سبهم قد ارتكب كبيرة من الكبائر يستحق عليها الجلد، وارتكاب الكبائر جريمة في حق الخلفاء فكيف لا يرضي عنهم وهو يعتقد أن سبهم كبيرة من الكبائر، وكان الأولى بصاحب المقال أن يشكك في الجلد، أما إذا أثبته فإن رأيه لن يتناغم مع طبيعة الحدث.
ثم قال: (ولو قرأ الأستاذ زيد كتاب "الرائق" أو كتاب د. على محمد زيد "معتزلة اليمن في القرن السادس" لوجد التطابق الكامل بين أفكار مطرف بن شهاب والمطرفية في مسألة الإمامة مع ما روي عن أبي الجارود)  
وقد قرأته ولم أجد فيما تحدث به  "د. علي محمد زيد" شيئا من هذا القبيل، وما أراده المقال لم يرده الدكتور في النص الذي جاء به، لأن الدكتور كان يرد على من زعم أن المطرفية أبطلت نظرية الإمامة، وأدار حديثه حول هذه النقطة، ولم يتحدث عن أي لقاء بين مطرف وابي الجارود. وقد يكون لأحد من المطرفية رأي متشدد، لكنه لا يمثل الفكر العام، وهذا يحدث في كثير من المذاهب، وفي الزيدية من خالف الإمام زيد واجتهد غير اجتهاده، ولم يخرج عن الزيدية، إذ أن المهم هو الأسس الثابتة التي يعتبر بها الزيدي زيديا والمعتزلي معتزليا. 
وأخيرا يحسن توضيح نقطة مهمة ليس فقط لمواجهة هذه الحالة بل لمواجهة كل الحالات المشابهة، وهي موضوع التكفير نفسه، وقد أغتنم فرصة قوله: (وسواءً جاز التكفير بالإلزام أم لم يجز، فهل تعصم الصلاة والصيام وأداء الزكاة والإقرار بالشهادة دم المسلم حتى لو أعتقد ما نعتقده كفرا) لأشرح ما أعتقده حول هذه النقطة لأهميتها وخطورتها وجنايتها عبر التاريخ وفي الحاضر حتى لا تستمر في المستقبل؛ فينبغي أن يتوافق المؤرخون على أن يزيلوا من أذهانهم وما ترسب في وجدانهم قضية التكفير بالإلزام أو بغيره، وأن ليس من حق أحد أن يكفر أحدا من المسلمين، لا بالإلزام ولا بغيره مالم يعلن الإنسان عن كفره بنفسه. أما مادام يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فقد عصم دمه، لأنه لم يكفر. وإذا أخطأ فلكل خطيئة اسم. لقد ضمن الإسلام لغير المسلم حريته، أفلا يضمن الإسلام للمسلمين حريته في إطار دينه وقد ضمنها لمن لم يسلم؟. ثم من هو الذي له الحق في إصدار التكفير؟ الله؟ أم البشر؟ ومن يضمن أن الحاكم لم يظلم في حكمه وقد أصدرت الخوارج أحكاما على خصومها بالتكفير واستباحت دمائهم فهل كان حكمهم عادلا؟ إذن في قضية التكفير خطيرة لا أنها تعتدي على المخلوقين بل تعدي على حق الله، وليس لأحد أن يعتدي على حقوق الله فيجعل ذاك كافرا وذاك مؤمنا، لأننا لو فعلنا ذلك لن نبقي لرب العلمين حقوقه؛ وسنشاركه فيها؛ فلندع حقوق الله لله، ونناقش ما أوكلنا إليه رب الناس، ونعوذ به من الوسواس الخناس، الذي يوسوس بالباطل على معتقدات الناس. وفي هذا الإطار لم يكفر الإمام علي الخوارج -وهم من يقول بالتكفير- وإنما دعاهم -بخلق سماوي رفيع- إخواننا بغوا علينا فهم مسلمون بغاة، وهكذا نسمي الأسماء بمسمياتها فهناك مسلمون فاسقون ومسلمون زناة الخ بدون تكفير.
إذا تجنبنا التكفير كأساس للأحكام في ابحاثنا، تاركين ذلك لله سبحانه، فإننا سنحقق قدرتنا كبشر على تناول القضايا بروح أقرب إلى التقوى التاريخية، حيث يكون ميزان القضايا بالقسط أقرب إلى قدراتنا الإنسانية، ومؤهلاتنا العلمية، وسيمكننا ذلك من وضع ما يختلف الناس عليه في إطارِ خطأ أو صواب، لا إطارِ إيمان أو كفر، وبهذا تظل القضايا خاضعة للخطأ والصواب، أما إذا قلنا بالتكفير فقد اخرجناها من قدراتنا كبشر، وأعلقنا أبواب البحث بأقفال ثقال. 
من هنا يجب النظر إلى قضية المطرفية- وكل القضايا- بعيدا عن مجال التكفير، وعلينا أن نتناول أفكارهم وننظر فيها من حيث هي جيدة أو غير جيدة، مصيبة أو مخطئة، وفي هذه الحالة نتفهم راي من يقول بخطأ  أفكارهم، وإن لم نقبله، لكنا نحترم فهمه، ولا نجبره على رأي آخر، وكما هو ثابت فإن صواب الرأي من عدمه مرجعه إلى طبيعة المتلقي وثقافته فإن اعتبرها خاطئة أو صوابا فهو وما يعتقد، لكن لا يجعل من رأيه سيفا حادا، ولا رمحا قاتلا.
ولكي لا يظل الالتباس قائما ومختلطا حول الحوار عن المطرفية فإننا نطرح جانبين لقضية المطرفية، الأول تكفيرها، والثانية قتلها، أي أن القضية هنا مزدوجة: كفر وقتل. والتفريق بينهما ضروري، إذ قد يجد الناس للإمام عذرا لو أن المطرفية قُتلت بسبب خلافها السياسي مع الإمام المنصور، أو أي سبب أخر غير ديني، وقد يجدون له قضايا مشابهة في التاريخ السياسي، ولو بقي الأمر بدون تكفير لكان العبء أقل وطأة والثقل أخف حملا, أما أن تقتل بسبب أفكارها ومعتقداتها فإن العذر يضيق حتى لا يوجد له شبيها إلا في صنع الخوارج.
وليس أدل من فساد الاحتجاج بالتكفير من أن الذين قالوا بتكفير المطرفية سيواجهون اليوم حرجا ما بعده حرج، لأن العلم الحديث أقر ما دعت إليه المطرفية ونادت به، فهل المسلمون العلماء اليوم كافرين لأنهم يرددون هذه الأفكار إن التكفير في حد ذاته لعبة خطرة ومؤقتة، قد يقبلها جيل محكوم بمفاهيم معينة لكنها ما تلبث أن تتعرى بحكم الاستكشاف الموعود في الآفاق وفي الأنفس، ولأن الكفر أصلا أمر غيبي لا يعرفه إلا علام الغيوب، فقد بطل التكفير من الأساس.
في الحقل الذي تكون فيه قدراتنا فادرة عليه فإن أقصى ما يحتمله البحث عن فكر المطرفية هو إما أن يكون فكرا مخطئا، أو فكرا مصيبا، فإن كان مخطئا فهو اجتهاد إن أخطأ فله أجر واحد؛ إذ ليس للفكر عقوبة، وإن كان مصيبا فله أجران، إذ للفكر مثوبة، ومن ثم يبدو الحكم الذي قضى عليهم - بعد إسقاط كل حساب- كان خطأ محضا, وظلما واقعا، ولأن القضية ليس فيها تنفيذ حكم، فقد أوكلوا جميعا إلى رب العالمين، مكتفيين- نحن من لا يرى رأي التكفيريين - بالنطق بالحكم بوقوع الظلم. ومن يريد أن يدافع عن هذا الظلم من حقه تماما. أما أن يكفرهم فلا نعتقد ذلك سبيلا سويا، وإنما نراه خطئا كبيرا، وغير مقبول عقلا ونقلا. ولذا فنحن في ابحاثنا نرفع موضوع الكفر من قائمة البحث، ونضع محله وقائع للبحث. وفي هذا السياق فإنما نضع تكفير المطرفية تحت البحث لا نضعه من حيث صحته وصوابه، وإنما من حيث وقوعه من الناحية التاريخية، كشيء حصل، ونحن ملزمون بالوقائع، والوقائع تثبت أن المطرفية - بشهادة خصومها- كانت عميقة التقوى عميقة الإيمان. ومن هنا فدراسة قتل المطرفية كنتيجة لكفر أفكارها خطأ كبير.
وعليه فينبغي استبعاد التكفير من إطار البحث تماما إلا كواقعة حصلت، والإبقاء على دراسة الأفكار نفسها للوصول إلى تقييم الخطأ والصواب فيها، وإذن فنتلمس دوافع القتل في غير هذا المجال. 
(2)
التعقيب
بعد تلك التوضيحات أدخل الأن في التعقيب إما على نقاط خرجت من دائرة البحث، وإما على نقاط لم تفهم فأخطأت سبيلها، وفي الحالتين يحتاج الأمر إلى التنبيه إليهما. 
من تلك التي خرجت عن دائرة البحث إقحام موضوع الثورة الدستورية وقتل الإمام يحيى على موضوع المطرفية، ففي صدد مشاركته لي (إدانة عمليات القتل ممن كانت) أضاف (آملاً أن يشاركني إدانة اغتيال الإمام يحيى حميد الدين, وحفيده, وشيخ الإسلام الحسين بن عبد الله العمري "رحمهم الله" وكل من قتل ويقتل دون حكم شرعي نهائي بات، فإذا جاز قتل الإمام يحيى ومن معه غيلة فكل دم مباح). 
ليس من شك أني أشاركه إدانة كل من قتل دون حكم شرعي، ولكن لا أشاركه أن الإمام يحيى قتل بدون حكم شرعي، لأنه قتل بالفعل بفتوى أكبر العلماء في حينه وهو الشهيد العظيم حسين الكبسي والإمام عبد الله بن أحمد الوزير والفضيل الورتلاني وغيرهم. وإذن فالقضية محسومة من ناحية الفتوى، ولكن لمن يريد أن يستأنف الحكم وينظر فيه، فله الحق في ذلك، أما أن ينكر الفتوى من الأساس فمصادرة مجحفة لقضية حية. و"مجلة المسار" ترحب بنشر أي مرافعة دفاعية. إذن فليس في الإمكان إنكار واقعة تاريخية، ولكن لنا جميعا الحق أن نناقشها. على أن الواقع يفرق بين الموقف السياسي وبين الموقف الفكري ولكل دراسته الخاصة، وليس الحاكم كالمفكر؛ فبينهما بعد شاسع، وليس الإمام-أي إمام- وبيده القوة والسلطة المطلقة كالمحكوم الذي لا يملك من أمره شيئا فعصمة دمه أكثر حرمة من دم إي إمام استباح الدم، والإمام يحيى قد قتل "بيت أبو دنيا" على الظن، وأسف على فعلته. 
أريد أن أوضح هنا ما سبق قوله عن القضية والشخص وهو أن تناول  قضية الإمام يحيى، وأيضا الإمام عبد الله بن حمزة، لا يعني- والحديث عن الثورة الدستورية أو المطرفية- تناولا شخصيا، وإنما بحثا عن قضية. بل ليس تأييدا لمذهب ولا شجبا لآخر، وإنما هو محاولة إعادة تركيب تاريخ مضى. وهنا أريد أن أسأل لو أن ملكا أيوبيا أو رسوليا أو طاهريا هو الذي تولى ذبح المطرفية هل سيكون للمطرفية قضية عند هؤلاء المدافعين عن الإمام عبد الله بن حمزة؟ أما أنا فأعتقد أن المطرفية كانت ستتحول إلى قضية عند هؤلاء بخلاف لو أن كان قاتلها من داخل المذهب فإن التأويلات ستنهمر، فالشخص الكبير -داخل هذا الإطار- يقف عائقا عن فحصها كقضية. ذلك أننا عندما نتحدث عن شخص ما تبهرنا خصاله وأقواله ويتحول هذا الإعجاب إلى مجن يُتقي به صولة المغيرين، فمثلا على ذلك يتحدث المؤرخون عن خصال معاوية وصبره وحلمه وشَعَرَته المعروفة فيعجبون بها ويتحول إعجابهم بهذه الخصال للدفاع عن قضية بشعة ارتكبها، وهي البغي على الخليفة الشرعي وتحويل الشورى إلى فردية، والخلافة إلى ملك، والاختيار والانتخاب إلى تغلب وسيطرة وانتزاء على الأمة بالسيف. وكل خصاله التي يذكرونها لم تمنعه من ارتكاب كل ذلك. ولكن استمرار الحديث عن الخصال-ولمعاوية خصال لا تنكر- هو محاولة تبرير للفعل في الوقت الذي لا تتطابق فيه الأفعال مع الخصال أو الأقوال. لو نظرنا إلى الخلفاء الراشدين لوجدنا تطابقا كبيرا بين خصالهم وأقوالهم وأفعالهم. ومن هنا فالبحث العلمي يوجه اهتمامه الرئيس إلى القضية لدراستها ويكون فيها دراسة الشخص من أجل دوره فيها مصيبا كان أو مخطئا ومعنى ذلك أن الدراسة لم تستهدفه في الأساس وإنما جُرَّ إلى القضية كمطلوب يوضح موقفه, ومن هنا فالحديث عنه هو عن بعضه لا كله اي ليس في مجمل حياته. وعليه فدراسة المطرفية وأفكارها لا تَلمس بقيةَ الايجابيات في حياة الإمام المنصور، وعندما نتحدث عن قتل الإمام يحيى فنحن لا نتحدث عنه كليا فله علم واسع وكفاح ونضال، وإنما نتحدث عن قضية حكمه فلا أحد ينكر أن الإمام يحيى – مثل الإمام عبد الله بن حمزة - كان عالما متفوقا وإداريا قديرا، وله إيجابيات في مجالات وسلبيات في مجالات، ووسيلتنا إلى معرفتها هي معرفتنا لهما من خلال أفعال واعمال وتطبيق. ومن هنا نبتعد عن الموضوع الشخصي عندما تكتب عن قضية ما ويصبح الحكم الفاصل هو معرفة القضية. وفي إطار "المواجهة مع قضية"  يتساجل المتحاورون.(6) 
ومع علمي أن طرح المقال لمقتل الإمام يحيى في هذه القضية هو خارج إطار الموضوع، وكان في الإمكان تجاهله تماما لخروجه عما نحن بسبيله، لكني اتخذت منه وسيلة للمزيد من التعقيب حول طبيعة الأبحاث العلمية المُركِّزة. وعليه فأنا أتناولها هنا لأصل منها إلى نقطة أخرى إلى شيء ظنه المقال مغريا، وهو هذه المساومة في قوله أنه يشاركني (إدانة عمليات القتل ممن كانت, آملاً أن يشاركني إدانة اغتيال الإمام يحيى حميد الدين, وحفيده, وشيخ الإسلام الحسين بن عبد الله العمري رحمهم الله)، فأحب أن أؤكد أنه ليس في طبيعة البحث العلمي مجالا لمساومة ولا مقايضة، ولا على أمل أن يكون كذا في مقابل كذا، فإدانة قتل المطرفية -مثلا- ليس شرطا لإدانة قتل الإمام يحيى بأي حال من الأحوال، والعكس صحيح، بل إني أذهب إلى أنه لا يوجد ربط بين قتل الإمام يحيى وبين قتل غيره من الأئمة، فلكل حالة ظرفها الخاص وسببها ودوافعها. إن البحث العلمي يقضي بأن تأخذ الثورة الدستورية مستقلة، ويتم التعامل مع وقائعها وأحداثها على حدة، ومن ثم تدان لو ثبت خطأها، أو لا تدان لو ثبت صلاحها، بدون عرض مغر بإدانة قتل الأخرين. وكذلك القول في مذبحة المطرفية فأدانتها وتبرئتها لا ترتبط بحادثة أخرى، وإنما تناقش حسب ظروفها ودوافعها. وأنا أعتقد أن القضيتين منفصلتان تماما ولا وجه للشبه بينهما، ومن المؤكد عندي أنه لا تشابه بين قتل الإمام يحيى، وهو فرد حاكم أُختلف في تقويم حكمه، وبين مذبحة المطرفية، وهي جماعة تعد بالألوف، لا ذنب لها سوى ما تؤمن به من حقائق علمية، إن المنهج يقضي علميا بأن تؤخذ كل القضايا مستقلة، لأن قضايا التاريخ ليست من إفراز حدث واحد، أو فعل واحد، أو ظرف واحد، أو دافع واحد. وأنا من مدرسة لا ترى بين الوقائع المتناقضة نسباً وصهراً، ولو اتبعنا هذه الطريقة لألحقنا الظلم بأحدهما بل بكليهما قبل أن نفتح صفحة أو نخط كلمة. إن أوجه الشبة منعدمة تماما، وليس هناك أي تلاق بين ذبح فرقة كاملة بما رافقها من سبي وهتك وتدمير وخراب، وبين قتل إمام حاكم ثار عليه بعض علماؤه بحكم مذهبه وبفتوى مجتهدين. ومن هنا فموضوع حق الثورة على الإمام يحيى واغتياله يجب أن تدرس مستقلة، وتناقش الدعاوى والبينات التي طرحها الثوار، وينظر فيها أهي حق أم باطل، أما المقارنة بينها وبين مذبحة المطرفية فليس إلى ذلك سبيل. لأن الثورة الدستورية لها أسبابها ودوافعها البعيدة كل البعد عن مذبحة المطرفية، وبدون هذا التفريق سوف تختلط الأوراق وندخل في المتاهة التي دخل فيها كثير من الفقهاء في عدم التفريق بين الخلافة الراشدة والملك العضوض، والشرعية والبغي لأن الكل لديهم خلفاء والحكم خلافة، متجاهلين الفارق بين الخلافة الانتخابية والملك العضوض وبين الشرعية والبغي. كما أنه لابد من طرح قضية حق الثورة على الإمام تبعا لقواعد المذهب الزيدي نفسه في حق الخروج على الإمام الظالم، والظروف الأن مهيأة لدراسة تلك الحادثة الفذة. وأحب أن أؤكد للجميع الذين مع وضد الثورة الدستورية  أن "مجلة المسار" ترحب بأي دراسة علمية موضوعية بشرط أن تكون الدراسة والحوار معها قائم على استبصار رشيد، لا على انتماء عاطفي أو عرقي أو مذهبي. وبعيدا من العواطف والانتماءات والميول والأهواء و الترسبات. 
خلاصة هذه النقطة أن قضية مصرع الإمام يحيى قضية لا تتشابه -في نظر البحث العلمي- بقضية ذبح فرقة كاملة من المسلمين، وسبي نسائهم ومصادرة أموالهم وخراب بيوتهم ومساجدهم؛ فإذا أراد كاتب ما أن يدين قتل الإمام يحيى فهو حر وما يعتقد، وليأت ببيناته وشهوده وأدلته، ويعلنها من "منبر المسار" إن أراد أو من غيرها، وإذا أراد أن يدين الثورة الدستورية فهو حر أيضا. أما أن يقارن بين مصرع الإمام يحيى وبين مذبحة جماعية لم يخرج أصحابها ثائرين على الحاكم، ولم يكن لهم مأرب في الحكم، بل كانوا يعتزلون الحكام في هجرهم العلمية ثم مع ذلك يجزرون جزرا، فأمر لا يهضمه البحث التاريخي حتى لو جرع معه مسهلات التوفيق والتبرير. فليس من شك في معتقدي أن المطرفية لم يرتكبوا ذنبا يستحقون عليه السجن بل القتل، ولم يعملوا سوى أنهم دافعوا عن أفكارهم، وأصروا على إيمانهم، وتمسكوا بمعتقداتهم، ومع ذلك ذبحوا. فكان الحري بنا بدون تعصب أن نرفع لهم الرايات احتراما لسبقهم العلمي ولريادتهم الفكرية لا أن نصفق لقتلهم، أو نحوقل بهدوء، أو نتأوه بصمت. وليس ذلك فحسب فقد سبيت نسائهم وأبيحت أعراضهم وهن مطرفيات مؤمنات مطهرات. وليس ذلك فحسب بل لم يدَّعِ أحد  أن أسرة الإمام يحيى تعرضت للسبي أو حتى الإهانة أو مصادرة الأموال، بل كُرموا تكريما وأعطوا من الأموال ما جعلهم يستخدمونها في الانقلاب على إمام الدستور والإطاحة به..!! فإين المقابلة؟ 
و قال: (ثوار 1948 استباحوا دم إمام معصوم الدم وهو الإمام يحيى حميد الدين وقتلوا معه حفيده وهو طفل ورئيس وزرائه دون أن يكون لهم مأخذ عليه وهو عدل من وجهة نظرهم، وقتل بعد مقتله بعض أولاده مع أن المقتول والقاتل موحدو العقيدة والمذهب والثقافة والعرق)  
فقوله أنهم قتلوا الإمام يحيى وليس لهم مآخذ عليه، وهو عدل الخ كلام لا يستند إلى شيء، لأنه يعلم علم اليقين أن هناك مـآخذ على حكمه، ولو لم يكن يعلم فكيف يناقش موضوعا يجهله، كان عليه أن يتساءل لا أن يجزم. وهل الميثاق المقدس إلا ترجمة جهيرة لتلك المآخذ؟ ثم ألم يفكر بأن علماء أجلاء أقدموا على الموافقة على قتله ؟ وهل يتصور أن يقدموا بدون مآخذ؟ أفهم أنه لو قال أن تلك المآخذ لا تبرر قتله، لكان حديثه صالحا للنقاش، أما أن ينكر المآخذ فقول أبعد ما يكون عن الصواب؛ فالحق -من الناحية التاريخية- أن لهم مآخذ عليه، وأنه لم يعد يمثل الإمامة العادلة كما كان في بداية أمره، وأنه لم يعد عدلا في نظرهم، وإلا لماذا قتلوه؟ وإنما أصبح يمثل الملك الوراثي الذي تحاربه الزيدية نفسها، وبتبنيه لورية العهد ألغى كل مبررٍ لثورات الزيدية على السابقين، كما لا يمكن إنكار أن ثورتهم  وجدت شرعيتها من المذهب الزيدي نفسه الذي لم يفرق بين حاكم ومحكوم والذي يوجب قتل الإمام الجائر. وإذا كان الأستاذ حسن رغم متابعته- كما يقول- لم يجد أي مبرر شرعي لما حدث، فقد وجد علماء مجتهدون مبررا لذلك. وقوله ذاك نوع من مصارة أفكار الآخرين، وهو أسلوب عفا الدهر عليه. على أن مجرد وجود مثل هذه الأقوال -في عالم من المفروض أن يمارس فيه البحث العلمي- يدل على أن مستوى الجهل بقضية معاصرة ما يزال سائدا، الأمر الذي يستدعي ضرورة فتح هذا الملف الذي لا أظن أن فتحه وتقليب صفحاته يعتبر عبثا وتمزيقا، فليس في اثبات الحق سوى الترميم والبناء. وخلاصة هذا الموضوع أن علينا أن نفحص كل حالة من الحالات على انفراد. 
*
ومما يحسن تصحيحه عدة نقاط جاءت في المقال. 
الأولى أنه قال: ( ويبدو أن الأستاذ زيداً خلط بين مذهب نشوان والمطرفية أو تأثر بما قيل عن المطرفية) فأريد أن أؤكد أن ما استنتجه من الخلط بين المطرفية والعلامة المجتهد الأكبر "نشوان بن سعيد" رضوان الله عليه هو استنتاج بدون اصل. ولست أدري من أين جاء له هذا الاستنتاج، فأنا لم أخلط قط بينهما، مع العلم أنني أشتبه –وأنا احقق هذه القضية- أن هذا العلامة الكبير  قد يكون من المطرفية أو قريبا من أفكارهم. وسوف يظهر رأيي هذا في كتاب سوف أنجزه قريبا عن رائد العلم الإمام مطرف بن شهاب.
الثانية في هذا السياق قال: (وهل عصمت الصلاة والصيام والقيام دم شيخ الإسلام الحسين بن علي العمري والطفل عباس؟) فأنا أولا متأكد والناس أجمعين متأكدون أن شيخ الإسلام الحسين بن علي العمري لم يقتل قط وأنه مات في فراشه قبل مقتل الإمام يحيى بست سنوات. أي في شهر شوال 1361/أكتوبر-نوفمبر1942. وربما خرج الإمام يحيى بنفسه لتشييعه. فعلينا إذن أن نعرف اسم القتيل قبل أن نناقش قضيته ونستدل به. ومن المؤكد أن الذي قتل مع الإمام يحيى هو القاضي الرئيس الجليل عبد الله العمري رئيس وزراء الإمام يحيى، وليس والده شيخ الإسلام الحسين، ولم يكن يقصد قتله. ولم يكن رحمه الله شيخ إسلام وإنما كان  رحمه الله عالما إداريا قديرا كاملا. 
كذلك علينا أن نتفق على اسم الطفل الذي قتل في السيارة مع الإمام يحيى فمن المؤكد أن اسمه ليس عباس، وإنما اسمه الحسين بن الحسن.(7) ولمعلومات الأستاذ الفاضل فلم يكن قتله مقصودا.
وأخر قولنا في هذه النقطة أن القول بعصمة الصلاة والصيام سلاح ذو حدين وقول يمكن أن يرفعه الظالم والمظلوم، وفي مكنة الإمام وأنصاره أن يرددوه عن المطرفية وفي وسع المطرفية وأنصارها أن يرفعوه في وجه الإمام فالإمام والمطرفية من المصلين الصائمين المؤدين للشعائر فهل عصمت صلاة الإمام دم المطرفية مثلا.؟ إذن فمثل هذه الشعارات لا تجدي في البحث فتيلا. 
الثالثة قوله: ( أريد أن أقول أن الأستاذ زيداً أختلق قضية لا علاقة لها بفكر المطرفية أو مأساتها. والقضية هي هل الخلاف بين الإمام عبد الله بن حمزة، والمطرفية، فكري عقدي أم سياسي؟) 
لقد قلبت الأمر على جوانبه لأصل إلى القضية التي اختلقتها فلم أجدها، ولم أصل إلى نتيجة؛ فالخلاف قطعا إما أن يكون فكريا، أو عقديا، أو سياسيا، ولا يمكن غير ذلك، كما أنه لا يمكن للإمام عبد الله بن حمزة أن يقتل الناس بدون خلاف معهم فكريا أو عقائديا أو سياسيا، وإلا فسيكون قد أدان نفسه. 
أما تأخر المعركة الفاصلة بين الإمام والمطرفية –التي اعترض بها- فأسبابها واضحة وليرجع إلى تاريخ بني الوزير والمستطاب فسيجد بعضها هناك. 
الرابعة قوله: (أنني لا أشارك في اتهام الإمام عبد الله بن حمزة في التنكيل بالمطرفية كما نُقل إلينا، وأميز بين ما نقل من أقوال الإمام في الحكم الشرعي عليهم وبين ما فعله بالفعل فيهم ؟ أي أن ما كل ما أفتى بجوازه فَعَله بالمطرفية)
من حقه أن لا يشارك في اتهام الإمام عبد الله بن حمزة في التنكيل بالمطرفية إلخ ولكن هل يسعفه التاريخ بجواب مؤيد؟ فمن ترى فعل بهم ذلك؟ من المؤكد أنهم لم يقتلوا أنفسهم، ولم يسبوا نسائهم، ولم يهتكوا أعراضهم. فمن الذي أبادهم؟ وأي دليل على رأيه هذا؟. والإمام لم يفرق بين أقواله وأفعاله، وكل كتبه التي أدارها عن المطرفية هي تبرير لما فعله فيهم من قتل وسبي وتشريد إلخ. فهل نحن إزاء حالة ما يسمى بملكي أكثر من الملك؟ 
الخامسة قوله: (لقد خالف الإمام عبد الله بن حمزة باعترافه سيرة الإمام علي عليه السلام ولم يجد مبرراً إلا من سيرة أبي بكر الصديق، مع من سموا بالمرتدين؟) وإذن فهو يعترف بأن الإمام عاملهم كمرتدين ولم يعاملهم كبغاة كما عمل الإمام علي لكنه ما لبث أن قال  (وأميل إلى القول أن الإمام عبد الله بن حمزة تعامل مع المطرفية كبغاة مثلوا خطراً على دولة الإسلام التي يمثلها) 
والسؤال الآن أي من رأييه نتبع؟ هل نتبع رأيه أن الإمام عبد الله بن حمزة خالف سيرة الإمام علي واتبع سيرة أبي بكر فاعتبرهم مرتدين وعاملهم معاملة الكفار الحربيين؟ أم نتبع رأيه الآخر وهو أنهم بغاة لا مرتدين؟ هل نتبع صاحب القضية والمعاصر لهم؟ أو رأي الاستاذ حسن الذي عاش بعدهم بما يقرب من تسعمائة عام فيرى غير رأي صاحب القضية المعترف بأنه عاملهم كمرتدين لا كبغاة. وكان الأولى وقد أثبت أن الإمام عاملهم كمرتدين أن ينفي صحة هذا الحكم أو يُثبته، أما أن يعطي رأيا مخالفا لنصوص الإمام فحالة تستدعي عجبا.
لو أقرينا أن الإمام اعتبرهم بغاة كالخوارج على الإمام علي، ثم حكم عليهم بأحكام الردة لتضاعفت بشاعة الحكم، لأن الإمام عاملهم بما ليس فيهم، أي عاملهم كمرتدين، في حين أنهم بغاة في نظر صاحب المقال، وهناك فرق شرعي بين أحكام البغاة وأحكام المرتدين. وعليه فإن التبرير هنا مضر بالإمام نفسه وهو موقف يشبه موقف الهرة عندما تأكل- من شدة الحب- بنيها. والأقرب إلى الاعتدال القول بأنه إنما استباح دمائهم وسبي نسائهم لأنهم في اعتقاده مرتدين محاربين فعلا. ولابد من أن نفترض هذا الاعتقاد لديه، بالرغم من أن موقفه من الحسينية يرد على هذا، ولأننا لم نسمع رأيه في الحسينية فإن الافتراض باقتناعه قائما، وهو لم يخفه، بل كتب عن معتقده وشرحه في أكثر من كتاب ورسالة وشعر ومقصورة، فليس وقد أظهر معتقده إلا أن نأخذ به. وعليه فتكون النقطتان الجوهريتان في هذا الموقف أو القضية هي: هل كانت أفكار المطرفية مرتدة، أم مؤمنة؟ هذه واحدة. والثانية هل لكل من يعتقد كفر الآخر  الحق في إبادته؟ هذان هما لب الخلاف مع وضد، ولا ينفع التهرب من مواجهة الواقع. أما أنا فلا يخالطني شك في إيمانية أفكارهم وعظمتها وعمقها، وفي عدم حق أي إنسان في قتل مخالفي الرأي. ولو لم نقل بهذا لصوبنا حُكْم غلاة الخوارج في قتل من لا يؤمن بآرائهم. والإمام "علي" وهو المرجع في محاربة البغاة لم يقاتل الخوارج عندما لم يحملوا السيف، بل حفظ لهم - عليه السلام- كل حقوقهم وهم يكفرونه، بل لم يستخدم الأسلوب الوقائي فيحتجزهم قبل أن يخرجوا عليه، بل تركهم أحرارا يشيعون افكارهم ضد فكره ما داموا لم يشهروا سيفا، حتى إذا شهروا سيوفهم قاتلهم. وهو يعرف أراءهم وتكفيرهم له. فهل خرجت المطرفية باغية على المنصور؟ لو كان ذلك كذلك لعاملهم معاملة البغاة، ولحكم عليهم بحكم أمير المؤمنين الذي لم يستبح عرضا، ولا سبى امرأة، ولا هدم بيتا ولا مسجدا. وأعتقد أن الخوارج كانوا على أمير المؤمنين أشد ضراوة من المطرفية على الإمام المنصور بما لا يمكن أن يقارن. ولكن الإمام المنصور عاملهم معاملة المرتدين فثبت من ذاك أنه قتلهم وسبا نساؤهم –كما أعلن وصرح وألف- بسبب آرائهم، لا بسبب خروجهم عليه. لأنهم – لسبب بسيط - لم يخرجوا عليه.
أما قتل الإمام – أي إمام- فينبغي أن نوضح -مادام كل شيء كما يبدو بحاجة إلى التوضيح- أن قتل الحاكم الظالم يمارس لا بسبب أنه قد كفر، وإنما لأنه قد ظلم، والتفريق بين الحالات مهم، والظالم ليس بكافر ومع ذلك فهو يستحق القتل. 
السادسة قوله: (من زاوية أخرى هل يجوز للمطرفية، استباحة دم الإمام عبد الله بن حمزة بدعوى الخروج عليه لظلمه، وهم ملزمون بعقد بيعة أي بمعنى: هل يجوز الانقلاب عليه وقتل الحاكم المسلم لمجرد المخالفة في الرأي)  وقوله (ولو فرضنا أن المطرفية لم يكونوا قوة سياسية شبه منظمة هل كانت أفكارهم ستقود إلى حدوث ما حدث؟ ولو فرضنا أن المطرفية حققوا النصر على الإمام عبد الله بن حمزة، هل كانوا سيعصمون دمه وما له وعرضه؟ ودماء وأعراض وأموال المخترعة؟)
لا يلبي البحث العلمي هذا الطرح لسبب بسيط أنه لم يحدث، ومنطق التاريخ لا يناقش ما لا يحدث، ولا يقبل افتراضات تائهة، ولا يمكن أن يصدر حكم على: "لو" وعلى : "افترضنا" إن الوقائع تثبت أن المطرفية لم يستبيحوا دم الإمام عبد الله بن حمزة، ولم يهموا بالخروج عليه، ولم يكن يكونوا طلاب حكم حتى ندينهم؟ حتى لو هموا ولم يخرجوا فحكمهم حكم من لم يخرج. أن التاريخ لا يحكم على افتراض ولا على نوايا، ولا يحاكم على مكنون الضمائر، وقد شجب العالم "محاكم التفتيش" على نجاوى الأنفس ومكنون الأعماق، وكُتب الإمام كلها وهي مطبوعة تقر بأنهم لم يخرجوا عليه، وإنما تشككوا في صحة بيعتهم له. أما الذين ذكروا الخروج عليه فهم مؤرخو سيرته ليبرروا ما حدث. وقد حدث فعلا أن ثار المشرقي بدوافع غير مطرفية لأنه لم يكن مطرفيا، وإنما بدوافع إحساسه بالظلم النازل على فرقة زادها الله إيمانا وهدى. وهو لم يثر إلا بعد أن بدأت المجزرة دفاعا عن نساء وولدان وأعراض كما كان يعتقد. علينا بحق عندما نتصدى لقراءة التاريخ أن نتخلى عن ترسباتنا وعواطفنا ونتعامل مع الحدث بدون أي انتماء مسبق، وهذا وحده هو السبيل الآمن للوصول إلى الحقائق. أما أن نتأرجح بين واقع لا نقدر على نكرانه، وبين عواطف خاصة لا نقدر على الانفلات منها فذلك لا ولن يوصلنا إلى البحث العلمي. 
والسؤال ينبغي على ضوء وقائع التاريخ أن يعكس على الشكل التالي (هل يجوز للإمام عبد الله استباحة دم المطرفية بدعوى وهم الخروج عليه واعتقادهم لظلمه، بدون أن يعدوا قوة ضده وهو ملزم بالوفاء بشروط بيعته أي بمعنى - هل يجوز قتل الجماعة المسلمة لمجرد مخالفتها لرأيه؟) والثابت تاريخيا حتى الآن أن المطرفية لم يستبيحوا دم المنصور ولم يخرجوا عليه ولم يحملوا سيفا في وجهه وحتى لو خرجوا عليه فلماذا سبي النساء؟. الحقيقة أن المقارنة بين القضيتين غير واردة تماما.
*
وأخيرا فهناك ما هو له وما هو عليه فإما ما هو له فتساؤلاته التي طرحها: ( لماذا استباح الإمام عبد لله بن حمزة من المطرفية ما لم يستبحه من غيرهم؟ إن كانت عقيدة المطرفية كما وصفت في كتب المخترعة فلماذا قبل الإمام عبد الله بن حمزة البيعة منهم؟) الخ  هي أسئلة جوهرية حقيقية بالبحث وعليه أن يجيب عليها ما دام وقد طرحها، لأنها تبدو على وشك الدخول إلى الخيمة المطرفية، إلا أن ثمة شيء يمنعها من الدخول فيها، ولعل الإعجاب بالأئمة الكبار والاعتقاد بأنهم لا يرتكبون الأخطاء الكبيرة وراء تلك المراوحة النفسية الصعبة بين الإقدام والاحجام، والتي يصعب الخروج منها بسهولة، فليس سهلا أن يتخلى الإنسان عن إعجابه المفرط بمجرد الصدمة الأولى. وهنا أود أن أؤكد أنه ليس في حب الأئمة الكبار ما يلام عليه الناس؛ فالمنصفون من الناس يحبونهم ويقدرونهم ويرفعون من شأنهم إن أصابوا، وقد أصابوا كثيرا، لكنه لا يعميهم حبهم للقادة العظام عن رؤية الأخطاء الجسام. كما أحب أن أثبت حقيقة مهمة، وهي أن نقد أحد هؤلاء الكبار لا يعني اطرادا شاملا على بقية الأئمة كما يعمل عنصريو هذا الزمن، ففيهم الهداة حقا، والمنصفون حقا فليس إلى التعميم سبيل، وانما هناك مقياس للتعامل معهم لا يغيب عن المنصف هو المقياس الذي قررته القاعدة القرآنية {كل نفس بما كسبت}. فالقضايا التي أتناولها عن المطرفية وعن غيرها لا أقصد بها إدانة أحد، وإنما أهدف إلى معرفتها على ما كانت عليه، لأنني إن فعلت غير ذلك فقد ظلمت نفسي، وأنا في الأخير مرافعٌ ينشر قضايا يطرحها من أجل إعادة أوراق الملفات إلى أصولها، لا قاض يصدر حكما. لو تمكنا من الانفلات من جاذبية داخلية لربما رُفع عن أعيننا الكثير من أغشية الضباب.
وأما ما هو عليه فتناقضه في بعض ما طرح. قال بالحرف: (ومع إعجابي الشديد بلغة الأستاذ زيد .. واتفاقي معه في أغلب ما استنتجه وتوصل إليه) فهو هنا يتفق معي على أغلب ما استنتجته، لكنه عاد فقال (كما أني لا أريد أن يفهم من محاولتي مناقشة الأحكام المتسرعة للأستاذ زيد لعدم اتفاقي معه على أغلب النتائج التي توصل إليها) وهو في هذه الفقرة قال أنه لا يتفق معي في أغلب ما استنتجته فأي الجملتين نأخذ؟ إن كانت الأولى فلم يعد للحوار أهمية، وإن كانت الثانية فإن الحوار مستمرا. عليه أن يقرر. وربما كان القلق والتوتر خلف هذا التناقض؟
وقال أنه يشاركني (الإعجاب بالمطرفية كفكر وتسليمي بأن لغيابها دوراً سلبياً في تطور الفكر -العلمي - والديني... في اليمن) وإذا كان لغياب الفكر المطرفي دورا سلبيا في تطور الفكر العلمي فما الحاجة بعد هذا إلى النقاش. أما إلى أي مدى كان هذا التأثير فأمر ثانوي ما دمنا قد سلمنا بوجود فكر علمي أثر غيابه سلبا على المسيرة العلمية الهادوية ومن ثم فهل كان هذا الفكر الذي أثر غيابه سلبا يستحق الإعدام.
  وقد يدخل في هذا الموضوع ما جاء في المقال من هجوم شخصي على ضوء المنهج العلمي. ففي فقرة "حيثيات بلا منهج" بدأ إيقاع التوتر في الارتفاع، وبدأت طبول الهجوم في تصاعد. والحيثيات التي تفتقر إلى المنهج  (الذي يدافع الأستاذ زيد عنه) هي أني حصرت الفكر العلمي في المطرفية، وأن هذا القول (لا يمكن أن تصدر إلا من زيد الأديب المتعصب لما يكتب عنه، وليس المؤرخ أو المفكر لأن العلاقة بين المطرفية والتفكير العلمي ليست علاقة شرطية أو سببية. ولا أظن الأستاذ يعتقد فعلاً أن المطرفية باب مدينة التفكير العلمي الوحيد في هذا العالم أو في اليمن أو لدى الزيدية.. لأن من الممكن أن يوجد الفكر العلمي دون أن يسمع بالمطرفية أو يعلم عن وجودهم) وأتبع ذلك سلسلة من مثل هذا الكلام (عدم تحري الأستاذ زيد الدقة العلمية في إصدار الأحكام) و (الأستاذ متعصب للمطرفية حتى أنه يراها الخير كله ومخالفها الشر كله.) و (الأحكام المتسرعة) ويقول عن نفسه(ولست متعصباً للمطرفية  كالأستاذ) الخ؛ فهذا التتابع في دقات الطبول يعكس ما ذكره عن التوتر والقلق الذي أحس به، ومن ثم  فهي تخل بالمنهج العلمي ، وما دام عرف السبب وهو القلق والتوتر فقد بطل العجب. ولكني أريد أن أوضح هنا لو أني تعصبت لأحد لتعصبت لابن عمي الإمام عبد الله بن حمزة، وكان لي في  علمه الواسع مندوحة ومبررا. إن الإمام "عبد الله بن حمزة" من أكبر الأئمة، وأكبر العلماء وأكبر الشعراء، وقائد عسكري كبير، وهو ذو مواصفات فكرية عالية، وما يربطني به من وشائج قربي هي أقرب إلي  من الإمام "مطرف بن شهاب" لكن الحق أحق أن يتبع. 
ومما يحتاج إيضاحه- نتيجة عدم الالتزام  بدلالة الكلمة-  إلى أني لم أقل أن المطرفية هي الوحيدة في العالم، أو أنها باب مدينة العلم قط، فإيرادها بهذا الشكل يرجع إلى ضغط التوتر والقلق. وما قلته كان حديثا عن الحركة العلمية في اليمن وليس في العالم. و في هذا الموقع الجغرافي كانت المطرفية وحدها بين المذاهب الأخرى الشافعية والحنفية والمخترعة الهادوية هي التي نهجت منهجا علميا بالمعني الاصطلاحي الحديث لمفهوم العلم. فتحدثت علميا عن تكون السحب ونزول البرد وهطول المطر والإحالة والاستحالة واستمرار الخلق والصوت والألفاظ وهي العلوم التي تحقق الآن علميا بعد ألف سنة. بينما تذهب بقية المذاهب لا إلى السنن التي ثبتها الله في نظام كامل متكامل أودع الله فيه كل ما يريد ويشاء،  ولكن إلى نفي أفعال وتفاعل هذه السنن حسب تكوينها الإلهي وتدخل الله الدائم والفوري في كل شيء سواء ما كان ضارا أو مفيدا. والله العادل لا يصنع الضرر. إن تدخل الله لم ينفه أحد، ولكن المطرفية تذهب إلى تدخله من خلال نظام كامل متكامل عبر عنه القرآن بقوله: {ولن تجد لسنة الله تبديلا}  وبهذا الفهم وضعت نفسها في الطريق العلمي. صحيح أن للإسماعيلية فكرا علميا، ولكنه علم انحصر في علم النجوم وما شابه، أما المطرفية فقد طرحت من الأفكار العلمية ما لم تطرحه فرقة أخرى في اليمن كالقول بتكون المطر والبرد والسحب والإحالة فأي فرقة أو مذهب طرح مثل هذه الأفكار العلمية فيما هو منشور مشاع حتى اليوم. وهذه الأفكار العلمية –بما فيها الأفكار الاجتماعية والاقتصادية والسياسية- هي التي أثارت المخترعة، ولولا أنها أفكار علمية غريبة عليهم وجديده لما أنكروها ذلك النكر، ولما استوحوا منها ما هو فوق مدلولها إلا لجهلهم بها، فليحدثنا من يريد– ومن حقه أن يحدثنا- عن أي فرقة أو مذهب تم طرح مثل هذه القضايا العلمية. 
وأظن ظنا قويا أن ما وجدناه عند الإمام "المهدي "أحمد بن يحيى المرتضى" من أفكار علمية عن الصوت والتلقي وقوة الجذب وغيرها قد كانت صدى وترديدا لمدرسة المطرفية. والمعروف عنه أنه ممن لم يكفر باللازم. وبالتالي لم يكفر المطرفية، بل أن ما وصل إلينا من النصوص توحي بأنه كان يدافع عنهم. ولعل الدكتور المحقق "أحمد المأخذي" الواسع المعرفة بفكر الإمام "المهدي" أن يتحفنا بما لديه في هذه القضية إثراء لهذا الموضوع الهام ثم أن غيابه قد طال عن المسار. 
ومما يدخل في سياق الهجوم الشخصي ويحسن إيضاحه والتأكيد عليه مرة ثانية هو أن الاستنتاج  يجب أن يقوم على أصل، فأين الأصل في قوله- وهو يتحدث عن الإمام "زيد" و "واصل بن عطاء" - أنني أتفق مع الأستاذ "إسماعيل الأكوع" في كتابه "حقيقة المذهب الزيدي" (في التأكيد على أن الإمام زيد مبتدع إلا أن فعل البدعة عند الأكوع وصمة وجريمة وعند الأستاذ زيد حسنة وفضيلة) فأولا لا ضير في أن يلتقي المرء مع آخر حتى لو كان له خصما؛ والأستاذ إسماعيل ليس خصما شخصيا بكل تأكيد، لكني لا اتفق معه في عنصريته ومذهبيته، والحكمة ضالة المؤمن فإن وجدتها لديه أخذتها منه. إما إذا كان البحث قد أوصل إلى نتيجتين متناقضتين  فأين يكون اللقاء، وإذا كان صديقنا الأكوع يراها وصمة وجريمة، وأنا أراها حسنة وفضيلة؛ فليس ثمة لقا بين الوصمة والجريمة، وبين الحسنة والفضيلة. ومع هذا كله فأنا لم أقل قط أن زيدا مبتدع، وإنما أقول دائما هو مبدع. وشتان بين القولين.
ومما يدخل في سياق الهجوم الشخصي قوله: (هل إثارة الصراع من جديد طبعاً في الجذور الفكرية بين المطرفية والمخترعة يحقق الهدف المعلن للأستاذ زيد وغيره من إثارة الموضوع؟ أم إن الإثارة عبث وتمزيق للفرقة الزيدية وصرفها عن مسؤوليتها التاريخية في الإسهام مع مختلف الفرق والمذاهب الإسلامية - في عملية التجديد والإحياء والتنوير للقيام بعملية الإصلاح المطلوب).
أقول أن إثارة البحث الموضوعي في فكر ما ليس صراعا ولا مجالدة، وإنما هو إحياء وإيقاظ لهذا الفكر من مرقده، لأن للفكر تاريخا لا يجوز أن يؤد، والفكر المطرفي فكر علمي بكل ما تحمل الكلمة من معنى، وليس الهدف من إثارته إلا الاستفادة منه والدفاع عنه ما دمنا نؤمن بأنه فكر بناء، فمن الحق لنا أن نبحث عنه وعما أصاب أصحابه من سوء، أما العبث والتمزيق فلا يصدر إلا  من مغرض وما هو العرض من تمزيق الزيدية. وبما أن الغرض معدوم فرفع هذه المقولة هو محاولة لصد إحياء عناصر الإبداع عن طريق التخويف في أي مذهب كان، ولماذا يعتبر إحياء فكر المطرفية تمزيقا وعبثا ولا يعتبر دعما وإثراء. فليس في بعث فكر أي صراع وإنما الخوف والإشفاق هو الخوف من دراسة ما حدث لهم من مأساة هو السبب فكثير يريد تعمية الحديث حتى لا يصاب الإمام عبد الله بن حمزة بسهم يذكر، والإمام عندهم وعندنا كبير الشأن عظيم المكانة لكن الكبير عندنا ليس معصوما من الخطأ الصغير والكبير. وفي نظرنا أن الإمام كان يعتقد أنه على صواب، وأنه كان شجاع الرأي لا يخفي أفكاره وإنما ينشرها على الناس جهارا، وإلا لما أقدم على تلك المجزرة، ونحن نعتقد أن اعتقاد الإمام نفسه فيهم كان هو الخطأ. ولهذا نناقشه فيه لافي معتقده عنهم، والأهم من ذلك أن نستخلص العبرة مما حدث، ونعترف جميعا بأن التكفير وما يترتب عليه باطل أصلا. وبهذا نعيد للفكر الزيدي المتسامح -الذي يؤمن بأن لكل مجتهد حقا- تماسكه. وهكذا فليس فيما نكتبه عبثا وتمزيقا، ومن المؤكد أنه بدون إعادة الفكر العلمي إلى الهادوية فستظل مذهبا فقهيا. باختصار فنحن لا نعتبر الحوار صراعا، ولا بعث الفكر العلمي عبثا وتمزيقا، وكل ميسر لما خلق له.
إذن فتصحيح وضع مغلوط ومظلوم ليس فتنة وإنما هو-بعد إسقاط كل حساب- أخذ العبر والدروس حتى لا يصاب الناس بمأساة جديدة. ولهذا فقد أسعدني أن يتفاعل الحوار حول مأساة المطرفية، وأن يأخذ اشكالا متباينة، ووجهات نظر مختلفة، من أجل إثراء الموضوع. ومجلة المسار التي عاهدت نفسها ألا تحتكر الآراء تفسح المجال لرأي غيرها، وترحب بأي حوار على أمل الوصل إلى ما يطمئن إليه الفكر الباحث، والتنقيب الهادف.

الحواشي والهوامش: --------------------
(1) انظر تفاصيل كل ذلك في حوار عن  المطرفية: الفكر والمأساة 35-46
(2) وقبل الدخول في التعقيب كنت أتمنى على الصديق الحسن-من أجل القراء واستكمالا لشروط البحث الموضوعي أن يقوس بداية النص وليس فقط نهايته كما فعل لأن في التقويس إبعاد قلم الكاتب -أي كاتب- عن تهمة التحايل على اللفظ، وهذه الطريقة تتيح للقاري أن يرجع إلى النص ليتأمل مقاصده، ومن ثم يستبين حقيقة وأبعاد ومرامي الخلاف. 
(3) توفى القاضي جعفر بن أحمد عام 573/77-1178 أو 576،80-1181
(4) المستطاب أ : 132, ب 114
(5) انظر عن الزيدية نشأتها ومعتقداتها ص 73. تأليف القاضي اسماعيل بن علي الأكوع. دار الفكر. دمشق. دار الفكر المعاصر بيروت الطبعة الثالثة 1418/1997) مع التحفظ على لفظ النص، لأن للأستاذ "اسماعيل الأكوع" جرأة كبيرة على تبديل الكلمات وتحريفها كما اثبتنا ذلك في مقدمة "مكنون السر" فانظره. 
(6) أرجو ألا يفهم من هذا التشبيه المقابلة فأنا لن أرد ذلك وإنما أردت ضرب المثل للحديث عن الكتابة عن قضية ما وشخص ما. كما لم يرد الأستاذ المقابلة بين موقف الهادي من الخلقاء الراشدين كموقف علي من أصحاب معاوية. فالأمثال هنا تضرب للتوضيح لا للمقابلة.
(7) انظر اسمه في المقتطف ص 328 طبعة منشورات العصر الحديث


جميع الحقوق محفوظة لمركز التراث والبحوث اليمني 2011 - 2012 ©