الدراسات والبحوث

المفكر الإسلامي زيد بن علي الوزير المفكر الإسلامي زيد بن علي الوزير

زيد بن علي بن عبدالله الوزير. أديب، شاعر، مفكر، سياسي، مؤرخ، محقق، يتميز بالوسطية والعقلانية في منهجه الفكري، مع إدراك عميق، وإلمام واسع، وطرح متزن.

 يتضح ذلك من خلال ما طرحه في بعض مؤلفاته الفكرية والسياسية لعدد من القضايا أبرزها مسألة الفردية في الفقه السياسي عند المسلمين، وما تمثله من أزمة في فهم صلاحية الحكم الفردي، أطروحة عميقة، ودراسة جادة صاغها وقدمها بحرية في كتابه (الفردية ـ بحث في أزمة الفقه السياسي الفردي عند المسلمين).

الميثاق المقدس والبعد الغائب

2011/9/3
- ترجمة :
- التبويب : -


لم تحظ "الثورة الدستورية" بدراسات معمقة حتى الآن، والسبب في ذلك يعود إلى شح المعلومات عنها، وباستثناء "رياح التغيير" لـ "أحمد الشامي" و"حياة الأمير" لأحمد بن حمد الوزير فليس هناك من قدم المادة الخام بنفس الموضوعية التي قدماها، والتي أحدثت إلى حد ما تغييرا في دراسة هذه "الثورة الدستورية" التي كانت قد خضعت لدراسات سياسية  عنصرية ومذهبية فترة طويلة طغت فيها الأوراق السياسية على الأوراق التاريخية. وحتى الذين تعاطفوا معها ظلوا خارج أسوارها السياسية، ولم ينفذوا إلى داخلها، مع أن هذه الثورة، وعلى المستوى الإسلامي كله قد أحدثت في الفكر السياسي-ولأول مرة- تغييرا جذريا كبيرا. 
ليس من شأني في هذا الحديث أن أتحدث بإسهاب عما قدمته هذه الثورة - في مجال الفكر السياسي - من نقلة نوعية غير مسبوقة ولا ملحوقة حتى الآن، وحسبي فقط أن أشير إلى أن إلغاء الصلاحيات المطلقة للإمام -والتي حفظتها له كل المذاهب الإسلامية- قد أسقطتها "الثورة الدستورية" عن طريق تحديد صلاحياته وربطها بـ "مجلس الشورى"، وأن أشير أيضا إلى أن الطاعة المطلقة للإمام في المنشط والمكره -والتي اشتطت كل المذاهب في اشتراطها له- قد أنهتها الثورة عن طريق قرارات "مجلس الشورى"، وهنا ندرك المغزى العظيم لهذين التغييرين اللذين يمكن اختصار مفعولهما: أن الإمام- أي الحاكم- أصبح  عليه هو أن يطيع الأمة ويخضع لقراراتها بدلا من أن تستسلم هي لصلاحياته الفردية المطلقة، وأن تخضع رقابها لطاعة عمياء في المنشط والمكره. 
هذه النقلة وحدها تكفي لأن تشكل في تاريخ الفكر السياسي ما شكلته "المقنا كرتا" من نقلة في تاريخ الفكر السياسي البريطاني خصوصا والأوروبي عموما. مع التسليم بالفارق الكبير بينهما في الرؤية والتطور من ناحية المضامين العميقة الجوهرية؛ ففكر "المقنا السياسي" متخلف بالنظر إلى مضمون فكر "الميثاق السياسي"، ولكن تأثير "الميثاق المقدس" لن يقل عن تأثير "المقنا كرتا" مهما قيل بأن "المقناكرتا" قد قادت إلى ديمقراطية حقيقية ورائعة، بينما لم يوصل "الميثاق المقدس" إلى شيء. إن هذا القول يتجاوز إحتساب الفترة الزمنية القصيرة بين الميثاقين، ويتجاوز صعاب التغيير والعراقيل التي تقف أمام سيره. ومن المسلم به أن التغيير قد يتعثر في أحيان كثيرة بسبب قيام تحركات تبتعد عن المسار الأساسي، وما يزال الوقت مبكرا للحكم على هذه القضية، لكن من المهم- للوصول إلى التغيير المطلوب- المحافظة على روح التغيير الفكري الأساسي وتمييزه عن النافر منه والمارق عنه، إذ بدون هذا التمييز لا يمكن استرجاع النافر ولا إصلاح المارق، وهذا الحرص على المحافظة على التغيير الأساسي-وإن لم تتقدم بالشكل المرئي والمطلوب- إلا أنها هي الطريق الوحيد. 
فالثورة الدستورية إذن كانت نقلة من نوعية متقدمة على "المقنا كرتا" لكنها كانت مثلها من حيث أنها شكلت منطلقا جديدا، بعد أن كان الفقه الإسلامي قد تجمد في صقيع نظريات مقدسة متجمدة طيلة تاريخه العملي، فجاء "الميثاق المقدس" لينبت الربيع في جذوره وغصونه وأوراقه، وأن يجري فيه خلقا آخر. 
من هذه المنطلق يجب أن تدرس هذ "الثورة الدستورية" لا من حيث ماقام به البعض من تفريغها من محتوياتها الرائدة واختزالها إلى صراع أسري، أو تصويرها بأنها مجرد ثورة سياسية، أو أن بقاء إمام على رأسها قد أسقط ماقامت به من تغيير، أوأنها امتداد لماضي هذا النوع من الحكم إلى آخر هذه الجوقة البالغة الشذوذ. إن هذه المقولات تكشف بدقة أن أصحابها لم ينظروا إلى المحتوى، وإنما إلى الحاوي، أي انهم تحولوا من دراسة المعنى إلى دراسة الشكل فأضروا بهما معا. ان الحق لايعرف بالرجال، ولكن بالحق يعرف الرجال، كما قال الإنسان العظيم "علي بن أبي طالب".
ولا أريد أن أدخل في حوار حول الشكل الخاوي والمعنى الممتلي بتفصيل أوفى، وحسبي أن اشير إلى أن فكرة الصراع الأسري إذا تعاملنا معها كقضية لن يكون لها محل هنا بعد أن فقد مبرر هذا الصراع طموحه بفقدان صلاحياته، فلم يعد ممكنا أن يتصارع الناس على شيء تكون نتيجته مفقودة سلفا، وهكذا ترى أن الإمام الذي قبل بتلك الشروط القاسية وضحى بكل تلك الإمتيازات التي أعطته إياها المذاهب الإسلامية كلها لهو حقا يملك فكرا مستنيرا متقدما تجاوز به حدود الصراع الأسري، وأنه مقتنع بتلك التغييرات الجذرية التي تقضم صلاحياته، وأن الرجال الآخرين الذين توصلوا معه إلى هذه النتائج لهُمُ حقا من السابقين لزمانهم والرواد لأمتهم والذين لايمكنهم القبول بأن يختزل كل نضالهم لصالح الصراع الأسري، وما يمثله هذا الصراع؛ فإمام الثورة الدستورية-سواء أكان إمامها الشهيد العظيم "عبد الله بن أحمد الوزير" أم كان غيره-  لايملك من الصلاحيات ما يبوءه المكان الأقوى، إذ تحول الصراع الأقوى من الرئاسة الأولى إلى "الميثاق المقدس" في شكل مجلس الشورى، والوزارة المسؤلة. وبهذا فقدت الرئاسة الأولى كثيرا من صلاحياتها بحيث لم يعد يرغب فيها إلا من ظل متمسكا بما أعطته المذاهب الإسلامية كلها من صلاحيات مطلقة وطاعة مفروضة، أما من قبل بها فقد قدم الدليل على أنه فوق أي صراع. 
يتبين مما قلناه آنفا أن الصراع الأسري قد اضمحل تأثيرة أمام تلك التقييدات الدستورية، وبفقدان الصلاحيات يتضائل الدور الأسري بل والسياسي، لأن الصراعين أنما يكونان بسبب صلاحيات وارفة، وليس على صلاحيات مجدبة. أي على افتقاد تلك الصلاحيات. ومن هنا تفقد تلك المقولة منطقها. 
وحسبي أن اشير إلى مقولة أخرى ألقت بدورها ظلالا من التشويه حول المعنى الأعمق. وتتلخص في أن بقاء إسم الإمام على رأس الدولة يفقدها التغيير المطلوب من حركة تغيير كبرى، ومن ثم فالنظام الإمامي، في تصورهم، باق على ما هو عليه. وجائهم هذا التصور الناقص من كونهم انحبسوا داخل اطار المتوكلية باعتبارها لديهم النظام الإمامي، ومن داخل هذا الكيان نظروا من خلاله. 
هذه المقولة هي انعكاس للتعامل مع الموروث السياسي باعتبار هذا الموروث المنحرف هو الأصل وهو الينبوع، وهو موروث اصطلى به تاريخ المسلمين بعد أن سقطت "المعتزلة" في العالم الإسلامي و"المطرفية" في اليمن. وهكذا بقي إسم الإمام هو المرئي وهو الذي أظهر لهم "الإمامة المتوكلية" كأنها نظام إمامة حقيقية، ومن هنا بقي اسم الإمام على رأس قائمة الإداريين وكأنه لديهم نفس النظام المتوكلي ولكن في ثوب جديد. 
إلى هذا المستوى من الإدراك سقط هذا التصور وراح بحكم تمكنه في الوعي واللاوعي يعشي الأنظار عن رؤية إلغاء صلاحيات الإمام، وتقييده بالدستور والشورى والمؤسسات الجديدة، أي عدم التقاط مفاد ذلك التغيير الجوهري الكبير. لقد عَشيت فعلا العيون –بحكم تثلج الموروث المزمن في اللاوعي- عن النظر إلى ماحدث من تغيير أبعد عمقا مما رأوه، ولم تسعفهم قوة تمكنها من النظر إليها إلا مغلفة برؤاها هي مع الأسف. 
وحسبي أن أشير إلى مقولة أخرى هي صدى للزمان الحاكي والتعامل مع الموروث لا من ناحية فساد نظام الإمامة كما أعتقدها السابقون أعلاه، ولكن من ناحية صلاحية هذا النظام المتوكلي نفسه. 
إن محدودية هذه النظرة أثبتت عدم قدرتها على الغوص إلى عمق التيار، بل أبقتها تنقب في الشواطئ عن بقايا ما تركه هذا التيار من مخلفات فقهية صاغتها عصور التخلف والإنحرافات، فانطلقوا منها وجاسوا من خلالها، وكان طبيعيا أن يخرجوا منها وقد تبلورت في أذهانهم نظرية البغي، ومن ثم رأوا في الحركة الدستورية بغيا وفي رجالها بغاة خارجين على القانون. لقد أسقطوا -وهم الزيديون كما يقولون- مبدأ أمير المؤمنين  "زيد بن علي" في الخروج، حيث قضى بشكل حاسم: أن الخروج على الظالم واجب ديني. 
إن أقل ما يقال في هذه المقولة أنها أثبتت عجزها عن استيعاب صوت الأجيال المكتوم وهو يتفجر قويا ساطعا في "الميثاق المقدس" الذي وضع نهاية حاسمة،من الناحية الفكرية، لحقوق الحاكم الفرد، والحكم الفرد، وهو وإن لم ينتصر، لكنه وضع مبدئا سيُثرى ويتطور، كما أثرى مبدأ "المقنا كرتا" البسيط.
إذا نظرنا إلى ماقدمه "الميثاق المقدس" من تغيير داخل "المذهب الهادوي" أو قل "الحمزي" على وجه أدق فلابد من استعراض سريع ومركز للتعرف على معتقد هذا المذهب، وعلى ما حصل عليه من تشدد. 
وضع الهادي إلى الحق "يحيى بن الحسين" عليه السلام شروطا رائعة لصحة بيعة الإمام، ملخصها أن يكون الإمام جامعا للشروط التالية: 1- من أبناء الحسنين.2- عالما. 3-ورعا. 4- زاهدا.5- خرج  داعيا إلى الله.6- مجردا سيفه. 7-خائضا للحتوف. 8- منابذا للطاغين.9- مقيما لحدود الله. 10-رؤوفا رحيما بالمؤمنين. 11-شديدا غليظا على الكافرين.12-شجاعا. 13-سخيا.(1)
 وكالعادة في حركة نشطة فإنها تظل تتطور حتى تستقر في صياغة أخيرة تتجمد عليها، وهذا ماتم لشروط الإمام الهادي إلى الحق حيث استقرت على الوضع الذي صاغه الإمام المهدي "أحمد بن يحيى المرتضى" وتعاملت به الأكثرية من العلماء. وهي: (1-مكلف. 2-ذكر. 3-حر. 4 علوي فاطمي.5- سليم الحواس والأطراف.6- مجتهد.7- عدل.8-سخي.8- يضع الحقوق في مواضعها.10- مدبر.11- أكثر رأيه الإصابة.12- مقدام.13-لم يتقدمه مجاب.14 طريقها الدعوة) (2)  ثم لم يُضف إلى هذه الشروط شيء سوى كثير من التبريرات.
بالمقارنة بين النصين نجد أن المهدي أضاف: مكلف، ذكر،  حر، سليم الحواس والأطراف، لم يتقدمه مجاب، مجتهد، مدبر، وأن الشرط رقم 10 يعبر عنه بصيغة أخرى هي الأنهض. ونشير هنا إلى أن شرط مجتهد جاء توسيعا لشرط  عالم عند الهادي عليه السلام. 
لاتتوقع مني أن أخوض في تاريخ تطور الفكر السياسي الهادوي، في هذا الحديث، ولعلي أعود إليه، ولكني هنا مدعو لدراسة سبب فشل تلك الشروط الرائعة في مجملها، ولكن قبل الحديث عن أسباب ذلك الفشل علي أن أشير إلى شرطين من تلك الشروط لم يكونا على مستوى الإبداع في بقية الشروط، بل أستبق القول فأقول أنهما كانا عاملي تحجر حالا دون وصول الكفاءات إلى حقها في الحكم . هذان الشرطان هما أولا: إحتكار الرئاسة الأولى في العلوي الفاطمي، وثانيا: اشتراط سليم الأطراف. 
وإذن وقبل دراسة أسباب فشل الشروط، فإنه لابد لنا من وقفة مع الشرطين العائقين. ونبدأ بالثاني لأن الوقفة معه قصيرة، ونؤجل الأول لأننا سنطيل الحديث عنه لأن آثاره كانت اكثر ضررا، ليس على مستوى المذهب الهادوي، وإنما على المذاهب كلها. إن اشتراط سلامة الأطراف أو فاقد حاسة الشم أو الطعم أو من له اصبع سادسة، لاتمت إلى الكفاءة بصلة، ولا يشكل عائقا للكفاءة الإدارية؛ فماذ يضر الإمام لو كان فاقد الشم، أو أن له اصبعا زائدة؟ من المؤكد أن هذا الشرط قد أبعد كثيرا من الكفاءات داخل المذهب نفسه، وبسبب لايمت إلى حسن الإدارة بصلة، ولا يمنع من إقامة العدل. إنه كن شرطا عقيما. 
أما شرط العلوية فشأنه شأن القرشية في الإحتكار، فكلاهما ضيق مساحة حق الأمة -المتعددة الجنسيات والثقافات- في انتخاب إمامها، مما جعل الكثيرون من غير القرشيين يفتشون عن حل يرضي طموحهم ويوصلهم إلى الحكم، بعد أن وجدوا القرشية قد أغلقت على كل مسلم في مشارق الأرض ومغاربها- ضمن فتاوى دينية شبه إجماعية- الأبواب.
كانت نتيجة هذا الإحتكار السياسي- سواء عن طريق القرشية السنية، أو القرشية العلوية الشيعية- تحطيم النظرية من داخلها، وعن طريق الطامحين من غير قريش. أي من قبل الذين لم يجدوا لطموحهم سبيلا للخروج من هذا المضيق المغلق سوى شطر الرئاسة الأولى إلى قسمين: خلافة للقرشيين، وسلطنة لغير القرشيين، وسار الإثنان في خطين منفصلين يكيدان لبعضهما بعضا حتى يفصل ما بينهما في النهاية قوة الأقوى. وفي سبيل هذه الغاية عمد السلاطنة(3)  -لحماية انفسهم- إلى العمل في ثلاثة خطوط متوازية: خط يضعف الخليفة القرشي، حتى يدل ضعفه على الحاجة إلى غيره،  وخط: يرفع الخلافة إلى رتبة القداسة ليستمد منها المتغلب- عبر خليفة ضعيف مسلوب- شرعية حكمه. وخط: يعطي التغلب حقه الشرعي الديني. ووجدوا لهذه الخطوط من يمنحها الفتوى الدينية. وهكذا ظهر المتغلب السني، والنائب الشيعي،على عرش  الحكم بجانب سدة الخليفة، وتم القبول بهما من المذهبين الكبيرين كحماة لهما. 
تمخض هذا الصراع عن تعميق المذهبية السياسية، وأصبح السياسي الآن وبإعلان جهير مسنوداً بالمذهبي والعكس صحيح. وعلى هذا الأساس حمى السياسيُ –بدهاء- المذهب، وقبل المذهبُ –بإندفاع- هذه الحماية. وهكذا بقي الخليفة المأزوم والسلطان القاهر السنيين حماةً للمذهب السني، كما ظهر الخليفة الغائب والأمبراطور الحاضر حماةً للمذهب الشيعي ، وكما وجد المتغلبون هؤلاء المساعدة من علماء السنة والشيعة كل حسب اتجاهه وجدت المذاهب في هذا الوضع حمايتها، فانطوى السنيون تحت مظلة المتغلب، واختبأت الإثنا عشرية تحت عباءة النائب، وأعلن المتغلب والنائب من ناحيتهما قبولهما بهذا التمثيل. 
شكل هذا التقسيم الكبير  فصلا تاما بين الروحي والزمني. ولعله من الفائدة أن أشير إلى أنني كنت في حديث سابق قد أشرت إلى أن "المماليك" هم من فصل بين الديني والسياسي، وفي هذا الحديث أقول مطمئنا أن الفصل بين الديني والزمني يعود إلى  الفترة التي اضطهد فيها أئمة المذاهب الإسلامية وغيرهم من العلماء الكبار، وأمكن إخراجهم نهائيا من التعامل والإقتداء السياسي واستبدالهم بفقهاء ظل تابعين للفلك السياسي الكبير الدائر حول القصر الإمامي أو السلطاني. وبذلك تم -عملياوليس نظريا، جوهريا وليس شكليا- الفصل بين الزمني والروحي في عملية إجهاضية انتجت وليدا مشوها. ولأن النتيجة لم تكن أفضل حالا فقد بلغت المظالم السياسة في ظلها حدا فاجعا، وأصبح عدم الإعتراض على الحاكم تحت شعار الطاعة له ما أقام الصلاة قانونا سائدا وتشريعا دينيا وحقا من حقوقه المقدسة، وتحت طائلة هذا القانون عذب أئمة الفقه الأربعة لعدم تعاونهم مع أئمة الجور. بعدها أصبحت القصور تتزين بمشايخ الظل الذين -علىالمستوى السياسي- يبررون للسلاطين سوآتهم. وهكذا يمكن القول بأن الفصل بين الديني والسياسي قد تم بدون أن يكون البديل هو الأفضل، على عكس ما حدث في الغرب حيثما تمت ولادة الفصل بدون عملية قيصرية وكان البديل هو الأفضل. وهذا موضوع آخر تعرضنا له في حديث سابق.
في الحالة الهادوية رفض  الهادويون-وخاصة الحمزيون- الملكية أو السلطنة رفضا باتا، وهنا أغلقت كل الأبواب والمنافذ أمام الزيود الأكفاء –من غير أهل البيت- فلم يجدوا مسربا- كما فعل السنيون والجعفريون- لتحقيق طموحاتهم سوى تكاظم المشاعر واحتقان التفاعلات قبل أن تتفجر على نحو ما رأيناه في إلغاء ما تبقى من الإمامة الحمزية عام1382/ 1962. 
ومن خلال ذلك يتضح لنا أن السنيين  احتفظوا بالسنة في ظل الإمام القرشي والسلطان البويهي، حيث تم تمثيل المذهب في السياسي سواء على مستوى الولايات أو الأقطار فكان الخليفة أو السلطان هو ممثل السنة في كل الأحوال، واحتفظت الإثنا عشرية بالتشيع في ظل الإمام المعصوم أو نائبه الإمبراطور، حيث تم تمثيل المذهب في السياسي أيضا. أي أن المذهبين  أوجدا منافذ للخروج من الهيكل المقفل، بينما أقفل الحمزيون الهادوية أي منفذ للآخرين، حتى أنها لم تعمد إلى إباحة الإمامة للمذهب نفسه كما فعلت الخوارج. ولو سمحت الحمزية بإمام زيدي كما كان يطالب به الزيدي الكبير "نشوان الحميري" لشرعت الأبواب داخل المذهب أمام  الأكفاء الآخرين، ولكان في ذلك إثراء متوقعا. لكن "الحمزيين" لم يتركوا حتى ثقبا بسيطا للولوج منه.
*
نخلص من الحديث عن هذين الشرطين لنتحدث عما وعدنا به وهو سبب فشل بقية الشروط الممتازة. نختصر الطريق إلى النتيجة فنقول أن غياب المرجعية المؤسسية كان السبب الرئيسي في ذلك الفشل المتكرر والمتعدد. فبغيابها ظلت تلك الشروط سائمة على وجهها، فريسة للتبريرات السياسية، متيحة المجال لتصارع الأئمة مع بعضهم بعضا داخل المذهب الواحد كل يرجع إليها ويستمد منها. أكثر من ذلك أصبحت أدواتَ تبرير لكل إمام يعتمد عليها ويحتج بها، وهكذا أدى غياب مؤسسة مرجعية تحمي تلك الشروط، وتحل خلافاتها، وتفصل في قضاياها، إلى أن تصبح عرضة للتبريرات الآنية يمليها الموقف الراهن لكل من يدعي الإمامة حسب مصلحته، وأصبحت هذا التبريرات هي شرعية التقاتل. 
واضح إذن أن هنا مشكلة حقيقية موجودة لم تدرس لتحل، ولم يحاول أحد فيما نعلم حلها، وتضاربت تبريرات أنصار الأئمة في تبرير قتال أئمتهم، وفي غياب المرجعية واستعلاء التبريرات تم اللجؤ -بشكل واضح- إلى افكار المرجئة، فاستجلبت -على نطاق واسع- الإرادة الإلهية في الاختيار والانتخاب، وإذا بمنكري المرجئة أساسا، يمارسون من حيث لا يشعرون ماأنكروه  على المرجئة، ولأن هذه التبريرات المؤرجئة لم تقدم تفسيرات مقنعة فقد سيسها خصوم الإمامة من حيث اتخذت فرصة لتقديم الدليل على فساد الإمامة من الأساس. وهذا التسييس يحمل نفس الخطأ في التقويم لأنه يعتمد على سوء التطبيق لا على النظرية في أسسها الانتخابية قبل الانحراف، لأن نظام الإمامة ليس فاسدا في أصله، بل كان رائعا ومتقدما لو لم تفسده التطبيقات السيئة والتبريرات الفقهية. إن تغييرات هامة قد طرأت على ثوابت النظام وأحالتها إلى شيء آخر تساوت فيه الإمامة مع الملكية مع السلطانية مع الجمهوريات العربية في الفردية، فالخلل ليس في الثوابت السياسية وإنما في التغييرات التي أطاحت بالثوابت عمليا نتيجة التبريرات المقيتة. وكانت النتيجة أن أصبح التعامل يتم مع البديل المنحرف لا مع الأصل النقي. 
وهنا يبدو السؤال ضروريا: لماذا؟. 
هناك قائمة بالأسباب شرحناها في غير هذا الحديث. أما هنا فسأكتفي بدراسة لماذا أصبحت هذه التبريرات الموبقة سببا في الإخلال بالثوابت. باختصار أقول أن التبريرات قد مُرِّرت على انها تفسيرات شرعية، وقامت مقام  المرجعية بدون مرجعية حقيقية حاكمة. وفي ظل هذا المناخ، و بفعل الاستمرار والممارسة أصبحت التبريرات هي المرجعية المسنوده بالقوة لاالشرعية. وليس من شك أن غياب المرجعية السياسية قد أدى -باختصار شديد ومنذ فترة مبكرة- إلى أن تريش أجنحة التبريرية على حساب التشريعات . 
إن الشروط التي وضعها الإمام الهادي إلى الحق قد ظلت بدون مرجعية تفصل في دعاوى إمامين إختلفا فيما بينهما، فتحكمها وتحميها وتراقبها، وتكون لها صلاحيات واضحة ونافذة ولا تقبل خارجها استئنافا،  بل أصبح التبرير الفردي هو المرجعية، ولو تم عمل مرجعية جماعية يكون لها الصلاحيات التي تملكها المحاكم العليا في الدول المتحضرة الحديثة، لما تمكن هذا الإمام وعلماؤه، وذاك الإمام وعلماؤه من جعل تبريراتهم هي الممر الصحيح لصحة بيعة إمامهم. 
وقد تحدثت في مقالين سابقين، عن خضوع شرط الأعلمية  والأنهضية والأسبقية لتبريرات مختلفة لم يبت فيها بصفة تمنع من العبث بها، وأريد اليوم أن أعيد الحديث عنها من زاوية أخرى لم أشر إليها في أحاديثي في "مجلة المسار" وهي أن الأسبقية قد ارتبطت بشرط غامض لم يفهم على حقيقته، أوقع الأكثرية في حباله، وأعني بذلك شرطَ "خرج  داعيا إلى الله" –كما في تعريف الإمام الهادي أو طريقها الدعوة كما في تعريف الإمام "المهدي" أوما يعبر عنه  بالدعوة إلى نفسه- فهذا الشرط مهما اختلفت صياغته قد  أدى إلى مناخ كبير للعبث السياسي، لايخفى على عين المتتبع، من حيث ذاته ولكن من ناحية أنه حُوِّر عن مجراه وأصبح مركبا لتعدد الأئمة في وقت واحد. 
إن شرط داعيا إلى الله أو طريقها الدعوة أو الدعوة إلى نفسه لم يكن منذ البدء مقصودا في ذاته، بل كان ردا على المذهب الجعفري الذي يدعو إلى الستر والتقية السياسية، فكان لابد من اشهار اسم الإمام-كخطوة أولى- ليكون إماما، ولم تكن لتتحقق الإمامة  إلا إذا تمت البيعة من أهل الحل والعقد –العلماء-  وذوي الشوكة- الرؤساء- فليس الإمام عندهم من أرخى ستره، وطوى اسمه، وإنما من دعا إلى نفسه، وشهر سيفه في قتال الطغاة، ومن ثم أصبح يعني الترشيح فقط ، ولهذا شرح الإمام المهدي شرطَ: وطريقها الدعوة بقوله: (وعلى من تواترت له دعوته دون كماله أن ينهض فيبحَثَه عما يعرفه وغيرَه عما لا يعرفه، وبعد الصحة تجب طاعته ونصيحته وبيعته إن طلبها) (4)  فالبيعة عنده تأتي بعد الدعوة، ومن هنا تعقد له الأسبقية. لكن في غياب المؤسسة المرجعية أصبح كل من يعلن عن نفسه- بمجرد الإعلان - هو الأسبق، وكان المفروض أن الأسبقية تحسب من البيعة العامة لا من  الظهور. 
على ضوء ماسبق  بقيت الخلافة الهادوية عمليا خارج  مؤسسة مرجعية، يكون لها الفصل النهائي في أي خلاف. وبسبب هذا الغياب أمكن لبضعة علماء يلتفون حول مرشح ما فيبايعونه، في نفس الوقت الذي يلتف فيه بضعة علماء آخرون حول إمام آخر يبايعونه، ومن ثم تشتعل الحروب، وتسفك الدماء، وكل فئة تملك تبريرها الخاص. 
ضاعف هذا الخطأ أن وجد تعدد الأئمة قبولا شعبيا في أغلب الأحيان، لا بفعل القناعة برجحان تلك التبريرات، وإنما من حيث المرجوع المالي لمغانم الحروب في مجتمع فقير، ولم تأت تلك التبريرات المتصارعة إلا وكأنها رديف لرغبة جارفة. وهكذا -ضمن مفارقة ساخرة- التقت تلك التبريرات السياسية الدينية مع الرغبات الكامنة في القتال فحقق كل جانب رغبته: الإمام وعلماؤه بإظهار إمامتة- ولو لم تنجح-  والقبائل المقاتلة بضمانة  دخل مالي جيد،  مدعومة بفتاوى تفرغ الإحساس بالإثم، وتفتح المجال للقاء واسع.  
وتنطبق هذه الحالة في خلع الإمام، إذ يصبح في وسع بضعة علماء أن يخلعوا هذا وينصبوا ذاك، بينما يظل علماء آخرون محتفظين ببيعة الأول، حتى ولو كان الآخر هو الأقوى، ومن ثم تظل منطقة ما مستقلة بنفسها، تقاتل منطقة أخرى ضمن المذهب الواحد. ولم يعد المذهب أي مذهب يصون الوحدة الجغرافية إلا بواسطة القوة والقوة وحدها، وفي أوقات كثيرة تتمزق المنطقة الشافعية بين شوافع، وتتبعثر المنطقة الهادوية بين هادويين. وكان هذا سمة المذاهب في بقاع العالم الإسلامي.
هذه الأمور ومثلها معها كانت بحاجة إلى مؤسسة مرجعية، تمنع التعدد الإمامي، وتثبت الأكفاء، وتعزل الأسوأ، وتوضح الشروط، وتفصل في الخلاف بين الأعلم الأقل أنهضية، و الأنهض الأقل علما، وبين السابق واللاحق، ويكون لها وحدها الحق في صحة خلافة الإمام، ثم في مراقبته، ثم في الفصل في بقائه أو خلعه. مع العلم أن هذه المتطلبات موجودة في الفقه السياسي لكنها بقيت أفكارا هائمة تخضع لتفسيرات متعددة، حسب هذه الفئة وتلك. وكان الإلتزام بها يأتي نتيجة مبادرات شخصية لا مرجعية، وأعمال أمير المؤمنين "عمر بن عبد العزيز" دليل على ذلك. ولو وجدت تلك المرجعية المؤسسية لما أدى إلى التبريرات العابثة، ولضبطت التفاسير، وخلقت عن طريق دراسة المستجدات عدة تشريعات عملت في تطوير المؤسسة المرجعية، ولأن ذلك لم يتم فقد بقيت الثوابت خاضعة لتفسير المصلحة الخاصة وإلى عدم التكامل.
ومن هنا يتضح وجود خلل كبير في حفظ وتطوير فقه الخلافة على المستوى العام ، كما رأيناه، على أنه يوجد خلل آخر عندما يتم تناوله تاريخيا، إذ حجب المؤرخون ذلك الخلل بأغطية كثيفة، منعت رؤيته وحالت دون معرفته، وبهما معا سقطت الخلافة من كل مكان. 
نستعرض حالات توضح اضطراب موقف العلماء من الثوابت السياسية في الحالة اليمنية؛ ويمكن استقدام حالة ثلاثة أئمة علماء إدعوا الخلافة في وقت واحد، وبحسب قواعد المذهب، فلا تصح إلا إمامة واحد منهم، لكنا نقرأ أن الثلاثة ظلوا أئمة، وتشبث كل منهم ومعه علماؤه وقبائله بصحة بيعته. وإذا كان يوجد مبرر لاختلاف العلماء حول الإمامين المنصور "علي بن صلاح" والمهدي "أحمد بن يحيى" للاستحالة العملية في معرفة من هو الأول منهما، فقد اختلف على الأعلمية والأنهضية، ثم اختلفوا حول المهدي "أحمد بن يحيى المرتضى" والهادي  "علي بن جبريل" وكلاهما من الأئمة العلماء الكبار المجتهدين. وكانت دعوة المهدي عند من لم يبايع المنصور "علي بن صلاح" ما تزال قائمة، لكن الهادي – وهو ممن بايع المهدي- رأى أن طول بقاء المهدي في السجن كاف لإسقاط خلافته فادعى الإمامة، وعندما ظهر المهدي في الشمال هاربا من سجن المنصور لم يتنازل أحدهما للآخر، وتمسك كل عالم ببيعة إمامه، بالرغم من أن كبير العلماء في وقته "عبد الله بن الحسن الدواري" ومعه علماء مجتهدون كبار قد أصدر حكمه في صالح الإمام المنصور "علي بن صلاح الدين" حيث تسقط بيعة الإمامين المهدي والهادي من البداية، لكن بعض العلماء لم يلتزموا به، بل استمروا في ولائهم للإمام المهدي "أحمد بن يحيى المرتضى"  ثم التزم آخرون ببيعة الهادي "علي بن جبريل"، وبقى هذان الإمامان في مناطق متقاربة يجمعان الزكاة، ويقيمان الأحكام، بينما بقى الإمام "علي بن صلاح" رجل الدولة العملي وحاميها وحارسها على مستوى الشمال كله. أي بتعبير أكثر تحديدا، كان الأولان زعيمين محليين، بينما كان الثالث رئيس الدولة اليمنية الهادوية. 
ولو وجدت مؤسسة مرجعية من العلماء لما كانت تلك الفوضى, ففي حالة المنصور "علي" والمهدي "أحمد" تعسَّر معرفة السابق من اللاحق، وكل من الجانبين ادعى ذلك- وفضلت الأكثرية من العلماء الأنهضية المتمثلة في "علي بن صلاح" على الأعلمية المتجسدة  في "أحمد بن يحيى" ودعم موقف علماء الأنهضية أن من اختارته كان رجلا فذا،  وكان في ذلك الإختيار المصلحة العامة التي اعترف بها في النهاية خصومه. فثبت من هذه الحالة أن الأنهض وإن كان أقل علما هو الأصلح، لكن لعدم وجود مؤسسة مرجعية لها القول الفصل، لم تعملها سابقة قانونية بل أبقت القوة هي التي تفصل بين المختلفين.
وقد ناقشنا في حديث سابق الأعلمية والأفضلية(5)  كما ناقشنا السابق واللاحق عندما تحدثنا عن الإمامين "يحيى حميد الدين" و "الحسن الضحياني"(6)  لكن قد يقال أن الحديث عنهما كان في عصر تدنى فيه الفقه السياسي إلى أدنى درجاته، لكن ظاهرة تكرره كانت منذ عصور قديمة. 
فمن الثوابت في الفكر السياسي الهادوي حق السابق في استمرار بيعته مادام  أنه كامل الشروط، واف بتعهداته. ومن هنا قرر المشرعون منع ظهور إمام آخر في منطقة واحدة. ويعتبر الإمام الثاني منشقا يجري عليه حكم الباغي. هذه القاعدة خرقها كثير من الأئمة وكثير من العلماء مع وجود الشروط، وليس أشد فوضى من هذه الفوضى التي تجعل النقض والابرام يخضع لحفنة هنا وحفنة هناك. 
قاعدة الأسبقية هذه تركت سائبة يلعب بها مغيران: العلماء من جهة، ومشائخ القبائل من جهة ثانية، وقد التقيا في حلف غير مقدس، وتضافرا في فتح باب يخرج منه إمام سابق، لم يُحدث أمرا فريا، ومعه علمائه وقبائله، ليدخل منه إمام لاحق، ومعه علمائه وقبائله. وبهذا سُحقت الشروط تحت عقب المصالح، وشهدت الساحة دعوة إمام لاحق محاط بحفنة من العلماء تلقفها بضعة مشايخ ومجموعة من القبائل، فالتفوا حول اللاحق، وتحت رايته إشتعلت المعارك، وحسم الأقوى في النهاية الموقف  لصالحه. نلمس هذه الحالة تقريبا في بيعة الإمام السابق أبي طالب "أحمد بن القاسم"، والإمام اللاحق المتوكل على الله "إسماعيل بن القاسم"، وبالرغم من أن المتوكل "اسماعيل" كان هو الأعلم، والأنهض، لكنه كان اللاحق، ومع أن انتصار اللاحق كان فيه الخير لليمن كله، لكن العلماء لم يحلوا القضية على ضوء ترجيح حق الأعلم والانهض على حق السابق حلا تشريعيا، فبقيت القوة هي التي فصلت الأمر. أقصد أن العلماء على ضوء تجربة الأخوين لم يعملوا على توضيح النصوص بحيث لا يتكرر حدوثه، ولو لم يتنازل "أبو طالب" عن الإمامة لأخيه لبقي إماما ومعه علمائه وبعض قبائله في منطقة الشمال حتى لو بقي في قرية واحدة فإن علماءه يدينون له . ومع أن إنتصار المتوكل كان فيه الخير حيث وحد اليمن كلها إلا ان سابقة قانونية كان يجب أن يأخذ بها العلماء، وكان عليهم ان يستنبطوا منها الفائدة.  
مرة أخرى يتغلب اللاحق على السابق في تجربة ثانية لم يكن اللاحق أعلم  ولا أنهض ولا أعدل من الأول، كما في حالة المتوكل "المحسن بن أحمد" ضد الإمام المنصور "محمد بن عبد الله الوزير"، ومرة أخرى لم يحل العلماء هذه القضية، ولكن المتوكل انتصر بفضل تأييد مشايخ القبائل الذين سلبهم الإمام السابق إقطاعياتهم الوفيرة يؤازرهم العلماء لنفس السبب، وهكذا كانت القوة هي التي فصلت الأمر. وقد تكون حالة المتوكل "محسن" مع الإمام المنصور "محمد بن الوزير" هذه أوضح دليل على توحد مصالح بعض العلماء مع مصالح بعض المشايخ، وكان إلغاء الإقطاع هو السبب في إزاحة الأول وتغليب المتأخر.
ومرة ثالثة يكون اللاحق أكثر علما، ولكنه أقل أنهضية، كما هو الحال مع المهدي "محمد بن القاسم الحوثي" والإمام الأنهض و السابق الهادي "شرف الدين بن محمد"، وكانت النتيجة أن فصلت القوة هذه القضية. وفي هذه الحالة يتبين لنا حالة المتقدم والمتأخر، وحالة الأعلم والأنهض معا. وإذ مثل الإمام "الهادي" الأسبقية والأنهضية، مثّل "المهدي" اللاحق والأعلم. وليس من شك أن دعوة "المهدي" كانت متأخرة عن وقتها، كما أنه ليس في سلوك الإمام الهادي "شرف الدين بن محمد"-على ضوء الوقائع التاريخية لا الدعاوى- ما يوجب وجود إمام آخر، والخروج عليه؛ فالإمام "شرف الدين" بإجماع المؤرخين ومعظم العلماء جامع للشروط ومطبق لها، فهو إمام حسب المذهب مفترض الطاعة، ومع ذلك فقد عارضه العالم الكبيرالمهدي "محمد بن القاسم الحوثي" وأيده قلة من العلماء.
وهنا تظهر مفارقة ساخرة وهي أن الإمام المنصور "محمد بن عبد الله الوزير" كان الأعلم وكان السابق، فاحتج خصومه العلماء بالأنهض لصالح المتوكل "محسن"، بينما انعكست الآية في حالة  الهادي الأنهض و الأسبق، وكان المهدي "الحوثي" هو الأعلم واللاحق والأقل نهضة فاحتج علمائه بالأعلمية ورفضوا الأنهضية التي سبق وأن أقاموا عليها صحة بيعتهم للمتوكل. صحيح أن لكل حالة حكما يشرع لها العلماء، ولكن هؤلاء العلماء لم يشرعوا قانونا ملزما يحتذى ويطبق في أي حالة من الحالات. 
ومرة رابعة يتساوى الإمامان في العلم كما هو في حالة الهادي "الحسن بن يحيى الضحياني" مع الإمام المتوكل "يحيى بن محمد حميد الدين" فالسابق كان الإمام يحيى.  ومع ذلك فإن علماء الضحياني تمسكوا بإمامته حتى قُهروا بالقوة. ومن ثم لم يحل العلماء هذه القضية وإنما حلتها القوة، بل يمكن القول بأن العلماء قد ساعدوا بانضمامهم للإمام الضحياني لبقاء المشكلة عالقة طيلة حياة الضحياني. 
ونريد أن نشير  إلى أنه مهما كان السبب ومهما ثبت صلاح اللاحق على السابق (أبو طالب والمتوكل إسماعيل) أو الأنهض على الأعلم (المنصور "علي بن صلاح" والمهدي "أحمد بن يحيى المرتضى") فإن الحاجة لتأسيس الثوابت ضرورة لأن ماحدث فمصادفتان حصلتا بعد البيعة وتبين فيها الصواب متأخرا، ولكن لايصح أن يصبح الصواب المتأخر هو حجة ما لم يكن قائما على تشريع، ومن خلال تلك الحالات لم تعتبر أي حالة تشريعا ملزما.
وأنا هنا لا أحكم لهذا أو ذاك وإنما لأدلل على كيفية التلاعب بالثوابت السياسية، بسبب أنها لم "تؤسس"، إذ ليس همنا الآن إدانة المخطئ او تصويب المصيب، بقدر ما يهمنا قراءة ما حدث من أجل التدليل على أن غياب المؤسسة المرجعية السياسية قد أدى إلى كل تلك الفوضى. وبالطبع فليس المطلوب من الهادوية القديمة أن تنشأ محكمة عليا، كما هو الحال في الدول المتطورة، ولكن كان من المفروض أن يكون هناك مرجعية، ومن العجيب أن علماء الهادوية في مرحلة متأخرة نجحوا في وضع قواعد للفقه جعلت منها مرجعية تشريعية ولو خالفت المذهب الهادوي أو حتى الإمام "زيد" نفسه مما يعتبر تطورا عظيما، لكنها عجزت عن فعل شيء مثله في الإطار السياسي بعد أن كانت الأقرب إليها من بقية المذاهب. وهي باعتبارها عقلانية التوجه كانت أولى أن تطور المؤسسة السياسية، لكنها لم تفعل لأنها وضعت الإمام على رأس الهرم إدارةً وتشريعا، ولأنها فعلت ذلك فقد تمحور كل شيء حوله. ولأن العلماء استبقوا القواعد على ما هي عليه مع وجود تناقضات الواقع فقد سمحوا لأنفسهم باستغلالها بدون العمل على إصلاحها.
وهكذا لم نجد عبر تاريخ الإمامة الهادوية مرجعية تصون الشروط الرائعة، ولم يأخذ العلماء من تلك الأمور ما يرقعون به ثوبا يمزقونه.
وبقيت الأمور على هذا النحو، حتى جاءت "الثورة الدستورية" عام 1367/1948 فنقلت الإمامة من مطلق إلى مقيد منذ أن قام "الهادي إلى الحق" بل منذ أن قام "معاوية"، ولكن تلك الشروط الرائعة بسبب غياب المرجعية قد  شق الطريق إلى التخلص من الإمامة نفسها ضمن أسباب أخرى أيضا، لكني أرجو أن يكون ثمن الدم المستباح لشهداء "الثورة الدستورية" هو استمرار النقلة النوعية البعيدة التأثير في تاريخ الفكر السياسي عند المسلمين.
وفي ظل هذه النقلة المتطورة ينبغي أن يدرس البعد الغائب في هذه "الثورة الدستورية"، وأن تدرس الظروف التي دعت أن يكون على رأسها إمام، وهي الظروف التي لم تكن-في تلك الفترة- تقبل غيره، فكان الإمام الدستوري هو النقلة الإدارية التي ترضي المرحلة وتلبي طلب التغيير الذي طالب به الهادوي والشافعي معا، وارتضياه وعملا من أجله. ومن هنا لم تكن الإمامة شرطا دينا أو مذهبا لإسم الدولة، إذ لانص في "الميثاق المقدس" على هذا الأمر. بل لم يوجد نص يبقي اسم الإمامة على الدولة الجديدة، حتى أن الأمير "علي الوزير"-كما يقول الزبيري (7) - وهو المجتهد الزيدي الكبير رفع شعار الجمهورية بدون أن توجه إليه السهام.  


هوامش البحث: ----------------------------
(1) الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين، المجموعة الفاخرة .. وانظر د. عبد الرحمن عبد الواحد الشجاع، اليمن في عيون الرحالة. بيروت-دمشق: دار الفكر ، دار الفكر المعاصر، الطبعة الأولى 1413/1993.ص،23ح، 2.
(2) الإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى، كتاب الأزهار في فقه الأئمة الأطهار، صنعاء: دار الحكمة اليمانية 1414/1993، ص ص313-314
(3) أعتبر السلطان في ظل السلجوقيين والخوارزميين والغانويين، أنه أعلى رتبة من ملك. 
(4) الإمام المهدي، كتاب الأزهار، ص 315.
(5) المسار العدد التاسع.
(6) المسار العدد الثامن.
(7) في خطبة له ألقاها واحتفظ بها المرحوم نعمان.


مجلة المسار العدد (16 - 17) السنة السادسة العددان الأول والثاني  1426هـ 2005م

جميع الحقوق محفوظة لمركز التراث والبحوث اليمني 2011 - 2012 ©