الدراسات والبحوث

الأستاذ محمد يحيى المنصور الأستاذ محمد يحيى المنصور

- محمد يحيى المنصور.
- كاتب وشاعر وصحفي يمني.
- من مواليد عام 1965م بمدينة المحابشة م/ حجة.
- بعد تخرجه من الجامعة/ كلية الآداب/ قسم اللغة، عمل في المجال الصحافي، والإبداعي.
- رأس تحرير صحيفة الأمة اليمنية الأسبوعية للمرة الثانية حتى توقفها القسري عام 2007م.
- صدر له ديوان شعر بعنوان «سيرة الأشياء».
- له العديد من الدراسات النقدية والأدبية.
- عضو نقابة الصحافيين اليمنيين والعرب.
- عضو اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين والعرب.
- شبه متفرغ للكتابة والبحث ومقيم بصنعاء ت275488.

أحمد محمد الشامي ملامح المشروع الإبداعي والنقدي الرائد في اليمن

2011/6/25
- ترجمة :
- التبويب : -

أحمد محمد الشامي

ملامح المشروع الإبداعي والنقدي الرائد في اليمن

محمد يحيى المنصور

بعد 58 عاماً من اليوم الذي سقطت فيه صنعاء. وفي يوم الجمعة 11مارس 2005م أي قبل ذكرى سقوط الثورة الدستورية بيوم واحد، سقط "أحمد الشامي" الذي كان آخر صوت للثورة جهير، وصمت الصوت الذي هتف، والحريق الذي يلف صنعاء، وصمت الصوت الذي نسف اليأس في ظلمات السجن ولحق "أحمد الشامي" بالرفاق الأبرار وهو وإن رحل لكن صداه ما يزال يستنبت القوة، ويحيي الأمل([1])

توطئة

في 17 مارس 2005م شيّع بضع مئات من المواطنين جثمان الأديب اليمني الكبير والبحاثة الموسوعي ذا الريادة المحققة الأستاذ المناضل أحمد بن محمد الشامي (1924 – 2005) إلى جوار ربه بإحدى مقابر صنعاء.

كان الجمع خليطاً من أقارب الفقيد وبعضاً من العلماء والأدباء والمناضلين ممن عرفوه حق المعرفة.. أما الغالبية -  لا سيما جيل ما بعد الثورة 1962م - فأزعم أنهم ربما يكونون قد سمعوا به للمرة الأولى عقب وفاته.. وأزعم ثانية أن الغالبية تلك لم تقرأ أحمد الشامي شاعراً، أو ناقداً أو مؤرخاً أو ... إلخ.

فباستثناء برقية نعي من رئاسة الجمهورية تؤبنه كأديب وكعضو مجلس جمهوري وسفير سابق فإن أحمد محمد الشامي ورحيله، لم يكن سوى حدث عابر تناولته بعض الصحف بأخبار مقتضبة تعبر عن فداحة الجهل والتجاهل لهكذا حدث.. في هكذا مناسبة لم يكن صاحبها مجرد عابر في تاريخ اليمن المعاصر.

وليس الأستاذ الكبير أحمد بن محمد الشامي استثناء ممن تشملهم ثقافة النفي والاستبعاد والتجاهل التي تستهدف: مبدعين ومناضلين وعلماء ومثقفين ومجتهدين قدامى ومعاصرين – ومحكومة بعوامل التخلف والجهل المسيطر على الواقع في شتى مناحيه السياسية والثقافية والاجتماعية والإعلامية.. إلخ.

ويشعر المرءُ بأنَّ ثمة قطيعة معرفية بين الأجيال الحالية والأجيال التي سبقت، تمثل تجلياً لأزمة الهوية التي يستشعرها الباحث والمراقب والمتابع للشئون والتطورات اليمنية منذ عدة عقود. لقد أفضت حالة الانفصام والتضاد المختلقة بين الآن والأمس إلى تكريس مزيد من مظاهر التخلف والجهل أسفرت عن بروز إشكالية محورها: (من نحن وماذا نريد).. في مقابل بروز النظرة الانتقائية المؤدلجة للماضي والحاضر.. أفضت لصعوبة رؤية المستقبل. وإذ يهيمن السياسي ويطغى على ما سواه في الراهن القائم في اليمن نرى – من ثم – استتباع فضاءات الثقافة والفكر والاجتماع والاقتصاد لذلك الطغيان الفج ما جعل المثقف والأديب، والإبداع كقيمة .. يتراجع على صعيد الفاعلية والتأثير التي كانت – عبر تاريخ اليمن – أبرز عوامل صنع التحول في شتى مساراته. بفعل تلك الوضعية تتسع باضطراد ثقافة الاغتراب والنفي المتبادل بين الإنسان المبدع المفكر الحالم بالأجمل والأفضل وبين الواقع. بناءً على ذلك التصور وتأسيساً على التجربة والملاحظة – الخاصة والعامة – أقول بأن رحيل عَلَم من أعلام اليمن الكبار – أعني الشامي – ورمز من رموز عطائها لم يكن ليكون على تلك الشاكلة المحزنة والمحبطة لمن تبقى من جيل الريادة والتأسيس.. ولمن لا يزالون يشاطرونهم أحلامهم الكبيرة إزاء الوطن والإنسان من الأجيال اللاحقة على قلتهم!!

نعم كان أحمد الشامي ورفاقه من جيل التغيير والثورة والحلم زاهدين في البريق الزائف، ولم يكونوا ممن يتاجرون بالمبادئ التي أخلصوا لها، ولم يتزيَّدوا أو يزايدوا على وطنهم بما بذلوا وضحّوا من أجله، لكنهم لم يكونوا ليتصوروا هذا الصمت والتجاهل، والجحود التام لهم ولأدوارهم ولعطاءاتهم وتراثهم، فأحمد الشامي – وهو من هو – يكاد يكون مجهولاً اليوم بين أبناء وطنه إلا لدى قلة من الدارسين للأدب، وأدبيات النضال اليمني منذ الأربعينات حتى أواخر السبعينات تحديداً.

وبرغم أنه كان شاهداً على عصره الحاسم في التغيير السياسي والاجتماعي بوصفه مشاركاً في الأحداث حيناً وقريباً منها حيناً.. فإنه كان الشاعر الرائد والناقد السبَّاق، والمؤرخ الفذ للأدب اليمني والمنافح عن اليمن وعروبتها وآدابها وتاريخها وحضارتها، وقل من بزّ الشامي أو تفوق عليه لناحية العطاء والإنتاج الغزير والمتنوع.

ومن المؤسف – حقاً – أن يكون صاحب أول ديوان شعر يمني مطبوع (من اليمن) قبل الثورة عام 1962م بعقود مجهولاً للمثقفين والقراء اليمنيين في الأغلب وأن تظل دواوينه ومسرحياته الشعرية المطبوعة والتي تربو على الـ18 ديواناً ومسرحية من ذوات الطبعة الوحيدة حتى اليوم، وأن تكون كتبه النقدية المؤسسة والمهمة للنقد الأدبي والسياسي والاجتماعي والفكري في اليمن بعيدة عن متناول القراء في وطنه وخارجه..، علماً بأن بعضها موسوعات لا يستغني عنها القارئ والباحث ومن أهمها (في مجال الدراسات الأدبية والنقد):

1-    قصة الأدب في اليمن "دراسات وتاريخ".

2-    من الأدب اليمني "نقد وتاريخ".

3-    مع الشعر المعاصر في اليمن "نقد وتاريخ".

4-    مع الأدب في اليمن "نقد وتاريخ".

5-    تاريخ اليمن الفكري "موسوعة في 4 مجلدات".

6-    المتنبئ شاعر مكارم الأخلاق.

7-    نفحات ولفحات.

8-    رياح التغيير "الجزء الأول من ذكريات الشامي".

9-    جناية الأكوع على ذخائر الهمداني.

10-        شعراء اليمن في الجاهلية والإسلام، نشر منها الجزء الأول بعد نشرها حلقات في صحيفة الشرق الأوسط اللندنية.

وفي مجال التحقيق صدر له عام 1983م ديوان الهبل، وفي عام 1989م أصدر ديوان صديقه الشاعر الراحل إبراهيم الحضراني بعنوان "القطوف الدواني من شعر إبراهيم الحضراني" وله إضافة إلى ما سبق عدد من المؤلفات أشار إليها في مؤلفاته الأخيرة قائلاً أنها تحت الطبع منها:

-     رسائل الشامي.

-     عشرة في حياتي.

-     في سبيل الدستور.

-     يقول علي بن زايد وغيرها كثير ولا شك.

ومن سوء حظ الأدب والثقافة في اليمن انعدام المؤسسات الثقافية – الرسمية والشعبية – التي تعني بطباعة ونشر وتسويق الكتاب، وضمان الحقوق الفكرية للمؤلف وجهات الإصدار، وقد حمل أدباء اليمن وشعراؤها ومؤرخوها وعلماؤها على كواهلهم عبء طباعة نتاجهم العلمي – غالباً – ومنهم الراحل الكبير أحمد محمد الشامي الذي دأب على إصدار كتبه ودواوينه من مغتربة والعمل على توزيعها في اليمن وخارجها حتى أوائل الثمانينات – تقريباً – مع صدور كتابه الرائع "رياح التغيير في اليمن"، وبعدها اختفت أو تلاشت دواوينه وكتبه من أرفف المكتبات اليمنية وجنبات معارض الكتاب السنوية وغيرها. لقد جنت عملية غياب التقاليد المؤسسية في طباعة ونشر الكتاب على الشامي وغيره من المبدعين اليمنيين والمؤرخين والعلماء وغيرهم مما يلقي بالمسئولية على المؤسسات الرسمية دوماً في هذا الجانب تحديداً.

لقد تظافرت عوامل عدّة رافقت حياة الأستاذ الشامي – رحمة الله – في إعاقة الكثير من طموحاته الأدبية والفكرية الكبرى، فبتأثير السياسة وتقلباتها ظُلِم أحمد محمد الشامي الشاعر والأديب والمفكر والمؤرخ في حياته وأسهمت حياة الترحال والسفر والاغتراب الطويل عن اليمن في الجهل بنتاجه الإبداعي والفكري ودوره النضالي، أو على الأقل الحدَّ من تناميها والتفاعل معها إيجاباً في سياقاتها الإبداعية والفكرية الطبيعية أو المفترض بأن تكون.

الشامي المتعدد والرائد

وفي شخصية أديبنا الراحل ثمة جوانب متعددة، تمثل جدلية العلاقة بين السياسي والمثقف "المبدع" حتى ليصح القول أن شخصية أحمد بن محمد الشامي السياسية التي تبدو للوهلة الأولى «متقلبة» قد كانت المدخل لمصادرة أو لنقل تجاهل رصيده الإبداعي والفكري الكبير من قبل التيارات والقوى النافذة في الحكم، طيلة سنوات الصراع السياسي والإيدليولوجي الذي أعقب قيام الثورة اليمنية 26 سبتمبر، وامتد بإثارة ليتخذ شكل العداء والتهميش للآخر ثقافة وانتماءً وحقاً في المغايرة والاختلاف.

لقد أدرك أحمد الشامي بفطنته وحساسيته الفنية والإبداعية طيلة حياته – أنه قد خُلِق للشعر والإبداع والنقد والتأليف، وأن خوض غمار السياسة والانغماس فيها لم يكن بحال ليشكل البديل عن الإبداع، وهذا الوعي بحقيقة الذات وموقفها من الحياة تتردد أصداءه شعراً، فمن قصيدة أنشدها سنة 1364هـ يقول الشامي:

وما أنا إلا شاعرٌ صادقُ الهوى

بمجدكَ أشدو في الورى وأغرِّدُ

حياتي حياةُ البحر آمال مهجتي

كأمواجه في كل آنٍ تجدّدُ

ولي من إبائي عاصف إن تجهمت

له حالةُ يُرغى عليها ويزبدُ

وأعماق قلبي تهضم الكون كله

بما فيه: غاباتٌ، وبيدٌ وجلمدُ

أظل وفياً مخلصاً؛ لا بشاتي

سرابٌ ولا حبي خداعُ فيفسدُ

لقد تلازمت في شخصية الشامي ثنائيتا: المبدع/ السياسي، وكأنما كانت القصيدة والفكرة هي الجانب المكمل لمشروع الثورة والتغيير..، ((إذا قلت أن رحلة أحمد الشامي الحياتية هي رحلة أفكار لم أبعد عن الصواب، وفي تلك الرحلة التي خاض لججُها الصاخبة، وحلّق في آفاقها الهادرة بشلالات التاريخ، أمدنا أحمد الشامي بكتب وبحوث ودراسات تساعدنا على أن نواكبه في رحلته الفكرية، وهي رحلة في تراث الأمة، وفي أعماق التاريخ الذي يضيء درب المستقبل للأمة بالعزة والكرامة))([2]).

ومن عوالم الشعر والإبداع الشعري جاء الشاعر أحمد الشامي إلى السياسية وعوالمها، وتقلباتها، وظل الشامي على وفائه وإخلاصه لذلك العالم الجميل حتى وهو يخوض غمار النضال والثورة؛ ومن اللافت للنظر أن معظم رجالات ثورة 1948 – سواءً الذين أعدموا في حجة، أو ممن بقوا على قيد الحياة - كانوا من الأدباء. وممن نظموا الأشعار والمقالات، ومارسوا الكتابة النقدية وغيرها في صحف ومجلات ذلك العصر – في اليمن وخارجها – وقد بقي بعضهم على صلة وثيقة بالشعر، وبعضهم أخذته الحياة إلى شئون أخرى. وللشامي تتواتر شهادات مرموقة بالسبق والتفوق الشعري والأدبي التجديدي، فالأستاذ المناضل أحمد حسين المروني الذي كان يلقب بشاعر الجيش يقول عن الشامي وريادته: ((وهو من أضفى على الأدب اليمني ثوباً جديداً، وألبسه حلة قشيبة وجعل له مركزاً محترماً في الأقطار العربية إذ لم يزل الأدب اليمني إلى قبل ظهور الشاعر ورفاقه الزبيري والحضراني أدباً شعبياً راكداً حتى إذا ما ظهر الشباب المذكورون وأمثالهم جعلوه يساير الأدب العربي وأغراضه ومعانيه المبتكرة، وتكيفه بنهضة العصر الحديث)) ([3]).

وتلك الريادة الشعرية للقصيدة الجديدة في اليمن تحدث عنها عدد من النقاد المرموقين ومؤرخي الأدب منهم الأديب والناقد د. عبدالعزيز المقالح في عدد من كتاباته النقدية، ومنها قوله: ((لقد قفز الشعر الحديث في هذه البلاد قفزات سريعة وطويلة بفضل أربعة شعراء نادوا من خلال الممارسة الإبداعية، لا من خلال البيانات وحدها. إلى تحطيم القيود التي كانت تكبّل الشاعر وتمنعه من الانطلاق إلى الأفق الأرحب والإبداع، وهؤلاء الشعراء هم: إبراهيم الحضراني، أحمد محمد الشامي لطفي جعفر أمان، عبدالوهاب الشامي، لقد نجح هؤلاء الأربعة في تخليص الشعر من سيطرة الكلاسيكية الجديدة التي كانت قد بدأت في أواخر الثلاثينات وأوائل الأربعينات بمنطلقاتها الفكرية التوفيقية التي تسعى – كما يقول روادها – إلى الجمع بين موضوعات العصر وقضايا الساعة بأسلوب الأقدمين، وفي إطار نهجهم المحافظ على وحدة البحور ووحدة القوافي)) ([4]). ويحسب للشامي شعراً أنه ورفيقه الحضراني أول من نظما ما سمي بشعر التفعيلة - الشعر المرسل كما يسميه البعض – والذي سبقا فيه شعراء العراق المشهورين: بدر شاكر السياب ونازك الملائكة، ذهب إلى ذلك الشامي نفسه في أكثر من مؤلف له.

الشامي وملامح المشروع

سبقت الإشارة إلى الجوانب المتعددة في شخصية الأستاذ أحمد محمد الشامي والتي جعلت منه الواحد/ المتعدد والمثقف الموسوعي النقدي الشامل، بمقاييس عصره وزمنه، وتلك الخصوصية التي يشاركه فيها آخرون من مجايليه زاد عليها الشامي اهتماماً بما أسماه صديقه المفكر الأستاذ إبراهيم بن علي الوزير "الحس التاريخي" والذي تشكل في سجون حجة كما يحدثنا الشامي نفسه: ((وهناك – في معتقل حجة – تفرغت لما لا يستطيع شابٌ معتقل يعشق المعرفة إلاًَّ أن يتفرغ له؛ التأمل، والتفكير، والبحث عن الحقيقة، وهي نِعمٌ لا تستطيع قوة مادية مهما طغى بطشها واستعرم أن تحرمها على الإنسان ولو زُجَّ به بين السدود والقيود! فتجردتُ أولاً؛ وقبل أن يؤذن بدخول الكتب إلى (السجن) – للتأمل والسؤال والاستفسار، بل ومحاولة هضم ما سبق استيعابه واستثمار معارفه، وكان (السجن) يضم الخيرة من رجالات اليمن علماً وأدباً، وبينهم فطاحل الحفاظ، والفقهاء، والشعراء والأدباء وزهرة شبان صنعاء وذمار، وإب وتعز من طلبة العلم، وكان كل ينفق بسخاء مما آتاه الله، ونعمر أوقاتنا بالمذكرات والمناقشات والمناظرات في شتى المعارف الإنسانية، وكنتُ ألتقط بل وأدوّن كل مفيد جديد، عليّ، وأختزن بفكري الطرف التاريخية والأدبية، ولا سيما منها ما يتعلق منها باليمن وتاريخها الاجتماعي والسياسي والثقافي)) ([5]).

ويمكن أن نقسم فترة النشاط العلمي والفكري في حياة الشامي إلى فترتين.

الأولى: التي صاحبت الاشتغال بالسياسة والعمل العام.

الثانية: التي أعقبت انصرافه من الوظيفة العامة وقراره الإقامة ببريطانيا أي منذ سنة 1974م وحتى وفاته في العام 2005م.

في المرحلة الأولى بدأ الشامي تأسيس مشروعه العلمي والنقدي – الموازي للشعر ومزاولته – وبدأت ملامح ذلك المشروع الذي يتداخل فيه السياسي بالفكري والوطني بالقومي والإنساني بالتكون في سجون حجة – كما سبقت الإشارة – ومن خلال القراءات الواسعة والمعمقة لمختلف العلوم والآداب وكتب الفكر والفلسفة وغيرها لاحظ الشامي ((إن الذين أرّخوا لأُدَّاب العرب أو كتبوا عنها من المحدثين، أمثال "الرافعي" و"الزيات" و"أحمد أمين" و"زكي مبارك" و"طه حسين" و"جرجي زيدان" لا يتكلمون عن علماء وأدباء وشعراء اليمن ولا يتعرضون لذكرهم إلا نادراً)) ([6]). وآلمت الشامي تلك الظاهرة التي تعبر عن الجهل والتجاهل لليمن، فسعى جاهداً منذ خروجه من سجن حجة 1955هـ، لتوضيح الصورة الملتبسة والمغلوطة ((ولما أطلق سراحي والتحقت بالمفوضية اليمنية بالقاهرة وعُينت عضواً في وفد اليمن بالجامعة العربية سنة 1375هـ/ 1955م حاولت التعريف بأُدَّاب اليمن، وكدت أتفرغ لهذا الغرض، وتعرفت بالكثير من أدباء العرب، وألقيت عدة محاضرات، وزرت الدكتور طه حسين وكان يرأس اللجنة الثقافية التابعة للجامعة العربية وذكرت له أخطاءه التي تبناها في كتابه عن ((الشعر الجاهلي)) مع الشواهد والبراهين فتلقى كل ذلك بصدر رحب واعترف بأنه قد جانب الصواب، وأنه لم يعد يعتقد حرفاً مما سبق أن قاله في ذلك الكتاب)) ([7]).

وجاء صدور كتابه "قصة الأدب في اليمن" عام 1965م متمثلاً هذه المرحلة خير تمثيل، والذي يعد اللبنة الأولى للمشروع الفكري والعلمي والنقدي لدى الشامي، ومن وجهة تاريخية فإنه يعتبر نصاً مؤسساً في الثقافة اليمنية المعاصرة، فهو وإن جاء بدافع الانتصار للأدب والتاريخ والرموز الإبداعية لليمن، وإزالة اللبس فإنه كذلك كان تأصيلياً للكثير من القضايا التي طرقها بمنهجية علمية، وبموضوعية أعطت للكتاب قيمته العلمية وللكاتب مكانته الرائدة، ولا بأس أن نستعيد عناوين أهم فصول الكتاب لنرى أبرز ملامح مشروع الشامي النقدي والفكري في كتابه الأول "قصة الأدب في اليمن"([8]):

1) حضارة اليمن. 2) مع علماء التاريخ. 3) اللغة [وفي هذا الفصل فندت أوهام الدكتور طه حسين]. 4) الشعر والشعراء. 5)  عصبية العرق ومعركة القحطانية والعدنانية. 6) موجز تاريخي. 7) أدب المهاجرين. 8) خصائص الشعر اليمني. 9) المسند. 10) الكتابة وأصل الخط العربي. 11) الأدب الشعبي .. إلخ.

لقد اعتبر النقاد والدارسون هذا الكتاب، وكتاب الأستاذ زيد بن علي الوزير "دراسات في الشعر اليمني قديماً وحديثاً" سبّاقين في الكتابة الأدبية في اليمن، إذ صدر الأول سنة 1964م وصدر الثاني سنة 1965م"([9]).

أما المرحلة الثانية على صعيد الإنتاج النقدي والفكري. أعني مرحلة الاغتراب ببريطانيا، فهي الأكثر ثراءً وإنتاجاً وذلك بعد أن استقر الشاعر وتفرغ للكتابة، وترك السياسة وشجونها وراءه. وهي المرحلة التي شهدت صدور معظم كتاباته العلمية والنقدية (التاريخية والأدبية) والتي أهمها:

-     من الأدب اليمني "نقد وتاريخ" ط1974م.

-     جناية الأكوع على ذخائر الهمداني "نقد تاريخي" ط1980.

-     مع الشعر المعاصر في اليمن "نقد وتاريخ" ط1984م.

-     رياح التغيير في اليمن ط1987.

-     شعراء اليمن في الجاهلية والإسلام صدر منه المجلد الأول ط1986م.

-     تاريخ اليمن الفكري "4 مجلدات" 1987م.

-     الأعمال الشعرية الكاملة "مجلدان" 1986م.

-     نفحات ولفحات أو السوانح والبوارح ط1988م.

في مجال التحقيق

-     ديوان الهبل ط1983م.

-     ديوان الحضراني ط1989م.

وبالإضافة لما هو مخطوط من إبداعاته الشعرية والنثرية وكتاباته التاريخية والنقدية، ومالم نشر إليه من مطبوعاته يكون الأستاذ أحمد محمد الشامي قد أسس لمشروع إبداعي وعلمي حقيقي، يتداخل فيه الأدبي بالتاريخي.. بالديني .. بالسياسي والاجتماعي "هكذا فقد مضى أحمد الشامي في معظم كتاباته مدافعاً عن الحقيقة ومنبهاً على خط الزيف كاشفاً له بقوة منطق وبرهان وحجة، إلا ما ندر، كأن يكون في حال اضطرار أو تقية مبررة من وجهة نظره، ومن دراساته للتاريخ والفكر نشعر بتأكيده الدائم على "الحس التاريخي" الذي يكشف الحق ويميّزه من الباطل، والأصيل من الزيف والزور، ويقوي في الأمة المناعة ضد الانحراف، والسقوط في مهاوي الذل والطغيان"([10]).

ونظراً لضخامة ذلك المشروع الذي أنجزه الشامي، اتسعت مجالاته النقدية ما بين التنظير والتطبيق، وقد جمع بين عدة مناهج في دراساته وممارساته النقدية، منها: التاريخي واللغوي والفني والانطباعي ففي مجال الأدب يمكن القول أنه جمع بين "الذوقين الفردي والشخصي وما يتألف منه من الأحاسيس والمشاعر والأخلاق والمعتقدات والذوق التاريخي الذي يمكن الناقد من أن يحس التاريخ الأدبي والحضاري للأمة. فتتبين التقاليد الفنية في كل عصر وما يتغلغل فيها من روح الجماعة"([11]). ومن ذلك المنطلق  يمكن لنا أن نفسر الموقف النقدي للشامي من البردوني شاعراً وناقداً لا سيما في كتابه «رحلة في الأدب اليمني قديمه وحديثه» وموقفه كذلك من الدكاترة: عز الدين إسماعيل، وعبدالعزيز المقالح وآرائهم النقدية عن الشعر والأدب في اليمن في كتابه "مع الشعر المعاصر في اليمن نقد وتاريخ" لقد جمع الشامي في منهجه بين مناهج النقد الانطباعي، واللغوي، والتاريخي والفني، إذ كان يصحح المعلومة، ويفند الأحكام القطعية، ويعرّي نزعات التحامل والمصادرة، ويكشف عن الدوافع الأيديولوجية، ينتصر للمظلومين، ويحاور الآخر بأسلوب علمي دقيق، مستخدماً الوثيقة التاريخية ويعمد إلى الشواهد والأمثلة التي تدعم حجته. وبالمثل نراه مفنداً ومصوباً ومصححاً ومستدركاً على باحثين آخرين مثال ذلك مناقشته لكتاب شعر «الغناء الصنعاني" للدكتور محمد عبده غانم. وكان الشامي رائداً في فضح النزعات الأيديولوجية التي تتعمد طمس الحقائق وليّ عنقها لأسباب سياسية وعنصرية لا علاقة لها بالبحث العلمي المجرد مثال ذلك كتابه "جناية الأكوع على ذخائر الهمداني" وما تضمنه كتابه "رياح التغيير في اليمن" من تفنيد لآراء وادعاءات عبدالرحمن البيضاني وغيره من ذوي النزعات والأحقاد.

لقد تصدى الشامي في كتاباته للدفاع عن المظلومين في التاريخ – إذا جاز التعبير – سواء من الشعراء أو المؤرخين أو غيرهم... وفي هذا السياق نشير إلى مناقشة "الشامي" للشاعر الأديب علي بن علي صبره في مقدمة ديوان الهبل مفنداً تحامل الأديب علي بن علي صبرة على الهبل، وجنايته على المنهج العلمي والذوق الأدبي، وكذلك دفاع الشامي عن الزبيري والانتصار له رداً على ما ذهب إليه الأستاذ البردوني في كتابه "رحلة في الأدب اليمني".. والتي جاءت بمثابة المثال على اقتدار الشامي على الانتصاف لمن ظلمتهم نزعات التعصب (المذهبي والعنصري) تحدوه في ذلك نزعة البحث عن الحقيقة والإنصاف التي اتسم بها الشامي في معارك دفاعه النقدية عن الحقيقة الموضوعية المتصلة باليمن تاريخاً وأدباً وفكراً ورموزاً وحضارة.. سواً التي تجاهلها الآخرون أو جهلوها بغير قصد – طه حسين مثالاً – أو بقصد مثلما فعل محمد أحمد العقيلي الأديب السعودي الراحل في تحقيقه لديوان الشاعر اليمني القاسم بن علي بن هتيمل (ت722هـ) والذي تصدى له بالحجة والمنطق الأستاذ أحمد بن محمد الشامي مُصوباً، ومسدداً، ومنتصراً لحقيقة بن هتيمل التاريخية والموضوعية. وأحسب أن تلك الإشارات المقتضبة عن المنهج النقدي للشامي في مجال الأدب والتاريخ والفكر هي للتمثيل والإشارة العابرة فهي مما يحتاج عناية وتوقف جدير بها أكثر من مقام.

النقد والتاريخ:

يتردد مصطلح "التاريخ" لدى الشامي ويبرز في عناوين مؤلفاته النقدية كمرادف للنقد، وكمجال يتصل فيه الماضي بالحاضر والمستقبل، وتتقاطع عنده – أحياناً – حياة الشاعر، وشخصيته من خلال أحداثه ووقائعه، وقربه وبعده من الأحداث ونتائجها سلباً وإيجاباً "لقد كنتُ ثائراً ومعارضاً، ثم صرتُ موظفاً حكومياً، وتطورت دستورياً ثورياً، واعتقلتُ وتعذبتُ وتعرضتُ للمنون مراراً، ثم أُطْلِقْتُ وأصبحتُ وزيراً وشخصاً بارزاً في حكومة الملكيين، ثم ناديتُ بالمصالحة الوطنية، وانتخبت عضواً في "المجلس الجمهوري" وبعدها سفيراً للجمهورية في "لندن" و "باريس" حتى طلبت التقاعد راضياً مختاراً، وأقسم أني أخلصت كل الإخلاص لكل دور مثلته وأرادته الأقدار لي، لم أغش ولم أخادع ولم ألعب على حبلين قط"([12]). كان الشامي والحال تلك رجل تاريخ فاعلاً ومنفعلاً بالأحداث، ومن موقعه كمثقف أدرك الشامي أهمية الدور الذي على النقد أن يقوم به، بعد أن أصبح التاريخ (الماضي والحاضر والمستقبل) مجالاً للصراع السياسي ونزعات السيطرة والامتلاك والاحتكار، وأصبح الشامي نفسه ودوره وانتمائه ووطنيته، وإبداعه – في لحظة بعينها من الزمن – مستهدفاً بسهام الأيديولوجيا ذات المنطلقات الإلغائية له ولما يمثله في المعادلة الوطنية فكرياً واجتماعياً وسياسياً.. إلخ. بذلك تلازم المفهومان النقدي والتاريخي وأصبحا من خصوصية الشامي ومنهجيته التي عمل من خلالها على فضح الأيديولوجيا وتزييف الحقائق بالدفاع عن الوطن كقيم عليا غايته إنسان متحرر من التخلف والعبودية والجهل ومن العصبيات والأهواء الذميمة. وكما مارس الشامي النقد للظواهر والانحرافات والأهواء في المجال المعرفي والثقافي وضمن الانفتاح على الآخر من خلال الحوار العلمي الهادف والرصين.. فإنه قد مارس النقد الذاتي الذي عده البعض غير مسبوق، خاصة فيما يتعلق بنقد الانحرافات المنسوبة لورثة النظرية الزيدية في أكثر من مناسبة ومؤلف بخاصة في كتابه "تاريخ اليمن الفكري" مع تأكيده احترامه للنظرية وسمو مقاصدها. وبلغت نزعة النقد الذاتي لديه ذروتها بما سطره في كتابه "تاريخ اليمن الفكري" عن قصة الصراع بين الإمام عبدالله بن حمزة (ع) ت614هـ والمطرفية.. مما أثار ردود فعل ناقدة ومؤيدة للشامي حتى اليوم كونها فتحت صفحة شائكة من تاريخ اليمن الإسلامي "الزيدي" حاول البعض أن يوظفها للنيل من فكر وتراث  الزيدية ورموزها رغم أن الشامي لم يهدف إلى ذلك.

(فاليمن) تاريخاً وإنساناً وحضارة وتعايشاً وتطوراً تمثل الهدف والغاية لدى الشامي ومشروعه الشعري والنقدي (الأدبي والتاريخي).

وسوف أسمح لنفسي بأن أقتبس من الشامي نفسه بعض خطراته عن النقد الذي يرتقي به إلى مستوى المهمة الرسالية بالمعنى المعرفي والقيمي:-

1-             "والنقد - بشروطه الأصلية – والتي يلزم توفرها في "الناقد" قوة تقدس القدرة، وأمانة تكفر بالمحاباة، وطموح يرفض الشذوذ..، شذوذ لغة الشعر حين تتنكر لقواعدها الأصيلة الجميلة، وشذوذ المشاعر حين تحارب إنسانيتها الخيِّرة، وشذوذ الأخلاق عندما تجحد الحريّة والعدل والسلام قولاً، وعملاً، وتعايشاً وسلوكاً.

إن مسئولية ناقد الكلمة لا تقل عن أي "مسئولية" أخرى، وكل الصفات التي يجب أن تتوفر في "المسؤول يلزم أن يتمتع بها الناقد"([13]).

2-             "إن الأسماء والشعارات تتغير، وتتلون، ولكن "الحق" الذي هو من أسماء الله لا يتغيّر ولا يتلون، وعلى المؤرخ والناقد الحصيف ألا ينفعل بالعوامل المؤقتة، فيضفي صفات المجد والخلود على ما يرتضيه مزاجاً، لأنه رياح الأقدار العاتية يدبر تغييراتها خبيرُ قدير"([14]).

ومن مصطلحات علم الحديث يوظف الشامي مصطلح "الدراية" لنقد وتمحيص الرواية التاريخية، ويشهر الدعوة إلى تبني هذا المصطلح في كتابه "رياح التغيير في اليمن" وفي سياق الدعوة إلى كتابة تاريخ الثورة اليمنية بتجرد وأمانة والذي كان لمناسبة إقامة مركز الدراسات والبحوث اليمني ندوة عن تاريخ الثورة اليمنية عام 1984م.

يقول الأستاذ الشامي تحت عنوان "نقد الدراية وخطورة التعميم".

3-             "وأود أن أذكر بما لا يعزب عن بال عالم، وهو أن التزويد قد يشمل الكثير مما نسميه مستندات ووثائق ولا سيما ما كان منها كتابة أو تصويراً..، ومع ذلك فلا بد من نقد "الدراية" فقد عزَّت الأمانة إن لم تكن قد رُفعت..، وإلى جانب نقد "الدراية" أُذَكِّر أيضاً بخطورة الإجمال والتعميم عندما ننقد فكرةً أو رأياً، أو انحرافاً دون أن نسمي ونحدِّد ونعيّن صراحة اسم المخطئ أو المضلل أو المنحرف لأن التعميم يربك طالب المعرفة، ويأخذ البريء بالمذنب، ويخلط الصواب والحق بالخطأ والباطل"([15]).

ولعل تلك المقتبسات – من الشامي نفسه - توضح طبيعة المفهوم النقدي، ودور الناقد، وغاية العمل النقدي بوصفها نشداناً للحق والحقيقة. ودونما تحيّز لأحمد الشامي ومشروعه النقدي الضخم – المطبوع منه على الأقل – نكتشف أن ذلك النتاج يمتلك شروط (النصوص المؤسسة) في الثقافة اليمنية، يمكن للتخلف والتجهيل الممارس في واقعنا اليوم.. أن يمارس ضدها الإقصاء.. لكن ليس على المدى المستقبلي المأمول الذي تتخلق فيه ومعه شروط جديدة لثقافة التعدد، والتسامح، وحرية الإبداع والبحث العلمي. وما يعزز الثقة بقدرة الإبداع والفكر الحر على تجاوز واقع التخلف، وثقافة الإلغاء، استخلاص العبرة من التاريخ وتجاربه التي برهنت على استحالة إلغاء فكر الآخر، بدواعي التعصب، والإدعاء بامتلاك الحقيقة المطلقة.

إننا نطالب كل الغيورين على اليمن – الإنسان والحضارة – أن يسارعوا إلى إعادة طباعة ونشر تراث الشامي الفكري وغيره من أدباء اليمن وعلمائها ومفكريها ومناضليها، وأن يبذلوا ما بوسعهم لإحياء ذلك النتاج المشرق في قلوب وعقول أبناء اليمن والأمة العربية والإسلامية، كإحدى سبل النهوض من عثرات الاستبداد والتخلف.. وما أكثرها في اليمن وغير اليمن.

رحم الله أستاذنا القدير أحمد بن محمد الشامي.. فلقد أشعل شمعة كبيرة تضيء الدرب نحو التقدم والنهوض باليمن.. نرجو ألا نسمح جميعنا بأن يحجب ضوءها لأي سبب كان.


([1]) أ/ زيد بن علي الوزير – من افتتاحية مجلة المسار – العددان الأول والثاني 1426هـ - 2005م.

([2]) تاريخ اليمن الفكري – أحمد محمد الشامي – من مقدمة بقلم الأستاذ إبراهيم بن علي الوزير منشورات العصر الحديث – بيروت ط1/1987 – المجلد الأول ص هـ.

([3]) النقد الأدبي في اليمن – د. رياض القرشي – مكتبة الجيل الجديد بصنعاء ط1/1989م ص124.

([4]) ديوان الحضراني – جمع وتقديم علوان مهدي الجيلاني – إصدارات وزارة الثقافة والسياحة بصنعاء ط1 – 2004م ص8.

([5]) تاريخ اليمن الفكري – المقدمة ص9.

([6]) نفسه ص10.

([7]) نفسه ص11.

([8]) المصدر السابق ص 13.

([9]) النقد الأدبي في اليمن – مصدر سابق ص124.

([10]) تاريخ اليمن الفكري – مقدمة الأستاذ إبراهيم بن علي الوزير ص هـ.

([11]) البحث الأدبي طبيعته ومناهجه – د. شوقي ضيف – دار المعارف بالقاهرة ط5 – 1983 ص112.

([12]) رياح التغيير في اليمن – أحمد محمد الشامي – المطبعة العربية – جدة – ط1 1984م ص14.

([13]) مع الشعر المعاصر في اليمن – أحمد محمد الشامي – دار النفائس بيروت – ط1- 1980 ص8.

([14]) المصدر السابق ص19.

([15]) رياح التغيير ص53.

جميع الحقوق محفوظة لمركز التراث والبحوث اليمني 2011 - 2012 ©