الدراسات والبحوث

الاستاذ حسن محمد زيد الاستاذ حسن محمد زيد

الاستاذ حسن محمد زيد
كاتب وباحث وسياسي بارز.
الأمين العام لحزب الحق في اليمن.

ولد في عام:  01 يناير، 1954‏

محنة المطرفية وشيخ الإسلام العمري

2011/6/25
- ترجمة :
- التبويب : -


مقدمة
تابعت الجدل الذي دار  بين سيدي المولى/ بدر الدين بن أمير الدين الحوثي والأديب السيد/زيد بن علي الوزير والأستاذ المحقق محمد يحيى سالم عزان، والذي نشر فيما بعد في كتيب بعنوان (المطرفية, الفكر والمأساة) فاستثرت لاهتمامي الخاص والقديم بالمطرفية لذا أحببت أن أعلق على ما قرأته عن فكر المطرفية الغائب عن الحوار والمأساة المؤلمة التي لم تفهم حتى الآن فكانت هذه الأسطر الموجهة إلى الأديب الأستاذ/ زيد بن علي الوزير لاتفاقي معه حول أهمية فكر المطرفية المجهول حتى الآن, إلا إذا كان فكر الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين وجدّه القاسم (عليهما السلام) كما أعتقد ومشاركتي له إدانة عمليات القتل ممن كانت, آملاً أن يشاركني إدانة اغتيال الإمام يحيى حميد الدين, وحفيده, وشيخ الإسلام الحسين بن عبد الله العمري (رحمهم الله) وكل من قتل ويقتل دون حكم شرعي نهائي بات، فإذا جاز قتل الإمام يحيى ومن معه غيلة فكل دم مباح. 

هدف التعرض لفكر المطرفية
يقول السيد الأستاذ: زيد بن علي الوزير إن هدفه من التعرض لفكر المطرفية هو إيقاظ للفكر العلمي من سباته. والمطرفية هم رموز هذا الفكر بدون شك ولا يمكن للفكر العلمي أن يستيقظ إلا إذا تم استرجاع الفكر المطرفي من الإبعاد القسري والنفي الإجباري فهم وحدهم رجال هذا الميدان [1] ويقول أيضاً [2] تصحيحاً لما أورده يحيي بن الحسين في المستطاب والذي جاء فيه أن السلف من أهل البيت قبل استقرار المذاهب مجتهدون مستقلون ومنهم راجعون إلى غيرهم من الصحابة والتابعين في زمانهم، فما زالوا كذلك مّدتهم والمجتهدون مثل الحسنين وأولادهم كعلي بن الحسين والصادق والباقر وزيد بن علي وكانوا في الأصول الدينية على قول واحد حسبما كان عليه سيد البريّة وأما الفروع الفقهية فيختلفون فيها بحسب اجتهادهم )
يقول زيد عن ذلك - إن هذا القول إن صدق على غير الإمام زيد من أهل البيت إلا أنه لا ينطبق عليه لأنه يناقض التاريخ !!! فالمؤرخون مجمعون على أن الإمام زيداً كان من رواد علم الكلام وسواءً كان شيخاً أو تلميذاً لواصل فهو في كلتا الحالتين يعتبر أحد منبعي الفكر الكلامي لذلك فإن الزيدية تعد بين الفرق لا في المذاهب. وسواءً كان تلميذاً لواصل أو شيخاً له فقد أثر فيه أو تأثر به. وهكذا علينا أن نستقبل ما رواه يحيى بن الحسين في المستطاب بقبول غير حسن، لأن زيداً وواصلاً كانا بداية لمنهج سيفرض نفسه بقوة.

الإمام زيد (ع) والمطرفية:
وحرص الأستاذ زيد على تأكيد علاقة الإمام زيد بعلم الكلام مبني على اعتقاده تلازم القول بإخراج زيد من علم الكلام بخروج المطرفية وهم من علماء الكلام من الزيدية ويفك الارتباط بينهما ويلغي من ثم الولاء الذي تتمسك به المطرفية أشد التمسك، ومن الجلي أن إقرار هذا القول- ويعني به الأستاذ زيداً أن الإمام زيد وأئمة أهل البيت المتقدمين كانوا في الأصول الزيدية على قول واحد كما كان عليه سيد البرية- يقول زيد إن هذا القول ليس سوى إبعاد للمطرفية عن الانتماء لزيد بن علي من حيث أن ما تقول به المطرفية لم يقل به الإمام زيد عليه السلام، ويقول- ربما أن زيداً لم يقل بما قالته المطرفية بالضبط وبالشكل الذي طرحته ولكن ما من شك أنه امتداد لفكرة أو طريقة بدأ بها زيد بن علي و واصل بن عطا. وهكذا يبدو الغرض من الفصل بينهما إذا استجليناه من جهة معاكسه. أي من ناحية أنه إذا ما ثبت دور زيد في تأسيس علم الكلام فقد بطل الفصل بين الزيدية والمطرفية وثبت الانتماء [3].

دور الإمام زيد في علم الكلام
ويرفض بشده ما ذهب إليه يحيى بن الحسين- من أن مذهب الهادي إلى الحق في الأصول والفروع قد طغى على مذهب الإمام زيد بن علي- لعدم قدرة ما قاله يحيى بن الحسين- على الوقوف أمام البحث العلمي. 
إن دور زيد في علم الكلام حقيقة تاريخية ثابتة كما قدمنا، وواصل هو رأس المعتزلة والبلخي- شيخ الهادي- أحد أتباعه الكبار فحلقة الوصل بين الهادي وزيد تأكدت من طريقين طريقة آبائه وأجداده وطريقة البلخي المعتزلي، وهذا يضعنا أمام مُسلّمة أخرى وهي أن تأثر الهادي بأبي القاسم البلخي ليس انسلاخاً أو خروجاً عن آراء الإمام زيد بل هي انتساب موصول وامتداد متصل وتطور مستمر لأن زيداً وواصلاً بن عطاء كانا من مدرسة واحدة. يؤكد هذا الانتماء أن معتقدات الهادي في التوحيد والعدل والوعد والوعيد ما تزال هي التي أرساها الإمام زيد تقريباً - ثم إن إجماع الهادوية على إمامة زيد تعني ربطها بقيادته السياسية والفكرية بالرغم من مخالفة الهادي له في بعض الشروط.
 والخلافات بينهما هي اجتهادات خاصة أملتها ضرورة الزمان والمكان لتواكب متطلبات عصره ويقرها المذهب الزيدي نفسه ويورث شبهة الانفصال بين الهادي وزيد سببان:   
الأول: يرجع إلى وجوب الاجتهاد.      
الثاني: أن أصحاب الهادي عمدوا إلى أفكار الهادي فخرجوها وقاسوها وفرعوها على غرار ما عمل أصحاب المذاهب الأربعة.. فالنسبة إلى الهادي كالنسبة إلى الشافعية والحنفية وغيرهما وهي في الفروع. 
وإزاء هذه الحالة تراءى للمستعجل أن هناك مذهبين قضى الآخر على الأول وهو تصور كليل لم يقدر على النفاذ إلى خلف الرؤية السرابية، والثابت أن الزيدية الهادوية في الأصول فرقة واحدة مهما تنوعت أجنحتها.... لأنها تنبثق من أساس واحد[4].    

علاقة أبي الجارود بالزيدية والهادوية
ويقول الأستاذ زيد عن علاقة المطرفية بالجارودية التي أثبتها يحيى بن الحسين نقلا عن الإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى إن علينا أن نعرف ما هي الجارودية -؟ - ينقل عن يحيى بن الحسين نفسه قوله إن أبا الجارود هو الذي أثبت النص على الإمام علي عليه السلام على معنى أنه لم يكن النص على إمامته صريحاً باسمه بل بأوصاف واضحة لم توجد إلا فيه، ولما اختصت به جعلوها كالنص عليه باسمه وأثبت هو ومن أتبعه الإمامة في البطنين بالدعوة مع العمل والفضل)- ويضع الأستاذ زيد سؤالاً! هل تصح نسبة أبي الجارود إلى الزيدية لمجرد قوله بفكرة النص بالوصف وإمامة البطنين؟        
ويجيب أنه بهما يخالف رأي الأمام زيد كل المخالفة ويناقض رأيه كل المناقضة، بل يناقضه في بقية أفكاره كإمامة المفضول على الأفضل وتولي الخلفاء الراشدين والترضية عليهم فماذا بقي من لقاء؟   
ويخلص إلى القول, وعليه فموالاة أبي الجارود لإمامه زيد لا تدخله ضمن المذهب الزيدي إلا إذا اعتبرنا الخوارج زيدية لأنهم قاتلوا مع الإمام زيد.. ووالى أبو حنيفة زيداً والأئمة الزيدية وقال بإمامتهم ودعم خروجهم ولم ينسب إليهم. إذن فالانتماء لا يتم بلقاء فكرة واحدة أو حتى أكثر من واحد ة وإنما بمجموعة من الثوابت يتم الإيمان بها وهذا ما ليس موجوداً بين زيد وأبي الجارود.) ويضع سؤالاً آخر:
هل كان أبو الجارود هادوياً؟ ويجيب إنه لا يعتقد ذلك أيضاً وإذا كان الهادي قد وافقه على إمامة البطنين فقد خالفه في أمرين رئيسيين: 
 الأول: أن الهادي يقول بالنص الصريح في إمامة أمير المؤمنين - بينما يذهب أبو الجارود إلى النص بالوصف.
والثاني: أن الهادي يرضّي على الخلفاء الراشدين، بينما يذهب أبو الجارود إلى الشتم . وقد ثبت أن الهادي أمر بجلد من يسب الخلفاء الراشدين، وثبت أيضاً أن مقال الجمهور من الزيدية القول بمقالة زيد بن علي من الترضية والولاء لهم وحتى إمام المخترعة الإمام عبد الله بن حمزة كان يرضي على الخلفاء فأين هي هذه الجارودية السياسية التي انبثق عنها علماء المطرفية كما قال المهدي ونقلها يحيى بن الحسين.

علاقة المطرفية بالجارودية:
ويتبين من هذا النقاش- والكلام كله لا يزال للأستاذ زيد- أن أبا الجارود ليس زيدياً ولا هادوياً ولكنه مستقل بمذهب خاص به يوافق زيداً في بعض القضايا، والهادي في بعض القضايا، ويتهم المخترعة بإدخال أبي الجارود ضمن الهادوية من خلال قوله بإمامة زيد وإمامة البطنين لأنها الفكرة المركزية عند الإمام عبد الله بن حمزة بوجه خاص. بل إن المخترعة ضمته إلى الزيدية الهادوية قسراً وهو إلحاق غير شرعي بل كان إلحاقاً سياسياً وافق حاجة الفكر الحمزوي إلى شرعية إمامة البطنين [5] . ويصل في النهاية إلى الجزم أو الحكم حيث يقول: فإذا تقرر لنا أن الجارودية ليست هادوية فقد وصلنا إلى نتيجة قاطعة وهي أن المطرفية كفرقة كلامية لم تنبثق من الجارودية بل إنها تنبثق من تعاليم الإمام يحيى بن الحسين عليه السلام وإنها توصف بأتباعه المتمسكين باجتهاده الذين يحرمون اجتهاد غيره على اجتهاده، وإنها بهذا الحرص على أفكار الهادي لم تخرج من إهاب الجارودية[6].
وختم الأستاذ زيد تمهيده لمشاركته في الحوار بالتوضيح الرابع. وفيه نفى عن المطرفية تطابقهم مع الطبائعية).
ومع إعجابي الشديد بلغة الأستاذ زيد وأسلوبه الراقي في التعبير عن قناعاته واتفاقي معه في أغلب ما استنتجه وتوصل إليه ومشاركتي إياه الإعجاب بالمطرفية كفكر وتسليمي بأن لغيابها دوراً سلبياً في تطور الفكر - العلمي - والديني... في اليمن.

حيثيات بلا منهج:
ومع ذلك إلا أنني شعرت بقلق وتوتر لعدم وضوح الحيثيات التي بنى الأستاذ زيد أحكامه عليها ولذلك سمحت لنفسي بمناقشة ما ورد في كلامه الذي حرصت على نقله بالنص وأطلت في النقل ليتسنى لمن لم يطلع على المسار أو الكتاب الثاني للمسار أن يفهم بوضوح موضوع الحوار الذي أردت به التعريف بالكتاب الثاني للمسار أو التمهيد للتعريف به.
ويرجع قلقي إلى أن الحيثيات افتقرت للمنهج العلمي الذي يدافع الأستاذ زيد عنه ولنبدأ بالأولى، وهي قول الأستاذ زيد إنه لا يمكن للفكر العلمي أن يستيقظ إلا إذا تم استرجاع الفكر المطرفي.......فهم وحدهم رجال هذا الميدان وهذا النص كما أعتقد فيه مبالغة لا يمكن أن تصدر إلا من زيد الأديب المتعصب لما يكتب عنه وليس المؤرخ أو المفكر لأن العلاقة بين المطرفية والتفكير العلمي ليست علاقة شرطية أو سببية.
 ولا أظن الأستاذ يعتقد فعلاً أن المطرفية باب مدينة التفكير العلمي الوحيد في هذا العالم أو في اليمن أو لدى الزيدية.. لأن من الممكن أن يوجد المفكر العلمي دون أن يسمع بالمطرفية أو يعلم عن وجودهم وكما وجد المطرفية سيوجد غيرهم والإشارة إلى هذا النص من كلام الأستاذ زيد ليس مقصوداً لذاته ولكنه محاولة للفت نظر الأستاذ وقارئه إلى عدم تحري الأستاذ زيد الدقة العلمية في إصدار الأحكام حتى لا يحمل كلامه أكثر مما يحتمل، فالأستاذ متعصب للمطرفية حتى أنه يراها الخير كله ومخالفها الشر كله. أو أن بعث فكرها الذي لم نعلم عنه بعد إلا القول بالإحالة والاستحالة هو الشرط الوحيد لاستيقاظ الفكر العلمي إنني لا أريد هنا التشكيك في مدى وعي الأستاذ زيد بهدفه من مناقشة مأساة المطرفية وفكرها مع أن هذا وارد بجلاء كامل كما أني لا أريد أن يفهم - من محاولتي مناقشة الأحكام المتسرعة للأستاذ زيد لعدم اتفاقي معه على أغلب النتائج التي توصل إليها - اهتمامي بموضوع مناقشة مأساة المطرفية بل على العكس فأنا كنت منذ أن سمعت عن المطرفية في شوق للإطلاع عن الموضوع وكما قلت سابقاً فأنا أتفق معه على أن المطرفية تعرضت لمأساة كان التاريخ الزيدي في غنى عنها ولكني لست متعصباً للمطرفية - كالأستاذ - وأعتقد أن تعصب الأستاذ للمطرفية سيحرمه من القدرة على أنصافهم وبعث فكرهم من جديد لأنه سيقاتل بتعصب بل وسيبدو وكأنه لا يريد أكثر من استئناف المعركة الفكرية بين المطرفية والمخترعة وأخشى أن يتم بتبادل الأدوار بين مخترعة اليوم و مطرفية اليوم فيتحول الضحية بفعل التعصب الذي يحكم لغته إلى حمزاوي والعكس .

الإمام زيد وواصل بن عطاء:
وعنف الأستاذ قاده إلى مشاركة من يتهمون الإمام زيداً والزيدية من بعده بالابتداع ومخالفة ما كان عليه النبي صلى الله عليه وآله والمتقدمين من آل البيت وإن اختلفت دوافع الأستاذ عن دوافع خصوم الزيدية كإسماعيل الأكوع في كتابه (حقيقة المذهب الزيدي) فما الذي قاله الإمام زيد مخالفاً لأئمة آل البيت؟ هل في العدل أم التوحيد أم وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أم الإمامة؟ وما الذي أخذه عن واصل أو نقله إلى واصل مما لم يقله المعاصرون له من أهل البيت؟
وما الذي كان عليه خير البرية - وخالفه الإمام زيد فيه، ليتفق مع واصل؟ وهل يوجد في نص يحيى بن الحسين الذي وصمه الأستاذ زيد بالكليل ما يفيد ولو ضمناً نفي ريادة الإمام زيد ومشاركته في الجدل الكلامي؟ والظاهر أن الأستاذ يعتبر مجرد القول - أن الإمام زيد كآبائه وإخوانه من أهل البيت في عصره في كونه مجتهداً وعلى قول واحد معهم على ما كان عليه سيد البرية - في الأصول - انتقاصاً من الإمام زيد وبهذا يتفق مع إسماعيل الأكوع في التأكيد على أن الإمام زيد مبتدع إلا أن فعل البدعة عند الأكوع وصمة وجريمة وعند الأستاذ زيد حسنة وفضيلة.
 لم يقدم الأستاذ زيد ما الذي اتفق فيه الإمام زيد مع واصل واختلف فيه مع علماء أهل البيت.
هل هو القول المنسوب لواصل - بأن الإمام علياً (ع) لم يكن على يقين من الصواب في حروبه مع معاوية, وأن أحدهما فاسق لا بعينه أم في القول بالمنزلة بين المنزلتين؟ أم وجوب الخروج والثورة؟ 
 من المؤكد أن عقيدة الإمام زيد (ع) عن حروب الإمام علي (ع) لا تختلف عن عقيدة آبائه وإخوانه وأغلب الأمة في أن الحق مع الإمام علي (ع) وأن معاوية هو الباغي لأن إمامة الإمام علي (ع) شرعية والخارج عليه باغ وأن الإمام علياً (ع) كان يعتقد أنه على صواب في حروبه ولم يخالجه شك في وجوب ذلك عليه. لأن الإمام زيداً يرى القتل على الشك كالقتل ظلماًً ولا أظن الأستاذ زيداً يخالفنا هذه المسلمة الواضحة بل البديهية لأن كل من روى مواقف الإمام زيد وقرأ ما نسب إليه, يعلم بوضوح أن موقف الإمام زيد من خلاف الإمام علي (ع) والخارجين عليه لا يختلف عن موقف الشيعة وأغلب أهل السنة وهو تخطئة الخارجين على الإمام والجزم بأن الحق كل الحق مع الإمام. 
وبالنسبة للقول بالمنزلة بين المنزلتين فلم يثبت استخدام الإمام زيد بن علي (ع) لهذا المصطلح الآن عدم استخدامه لا يعني إطلاقاً عدم اتفاقه مع واصل بن عطاء أو عدم اتفاق واصل معه ومع السائد آنذاك بين علماء الأمة بمن في ذلك الحسن البصري وأغلب المرجئة لأن الخلاف لفظي. والمنزلة بين المنزلتين ترجمة أو توضيح لمعنى فاسق الذي هو في منزلة بين الكفر والإيمان- أو العاصي.
 ووجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولو بحد السيف ليس اجتهاداً خاصاً بواصل أو بالإمام زيد بن علي (ع) فخروج الحسين بن علي (ع) وثورته أوضح تعبير عن كونها مبدءاً أصيلاً في الفكر الذي أسماه الأستاذ الفطري وما دور الإمام زيد بن علي عليه السلام إلا إحياء له- مشاركاً في ذلك من قبل الخوارج الذين- وإن اختلفوا مع الزيدية والمعتزلة في عدم القول بتوسط الفسق والعصيان بين منزلة الإيمان والكفر- ألا أنهم من القائلين بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والخارجون على عثمان رضي الله عنه كانوا من القائلين- بالخروج والثورة- وهم زمنياً أسبق في الوجود من واصل والإمام زيد (ع) والإعرابي الذي أجاب أبا بكر رضي الله عنه[7]  (لقومناك بسيوفنا) كان يعبر عن شيوع ورسوخ هذا المبدأ في الذهنية الفطرية.

العدلية والقاسم المشترك:
إن الريادة التي تحسب لواصل وعمرو بن عبيد ليست نظرية - كما قد تبدو للمتعجل في التصنيف- ولكنها في الأساس عملية تتمثل في إعداد تنظيم سياسي يقوم على إرسال الدعاة للثورة والتحريض عليها بأسلوب منظم شارك في وصول الناقص من الأموية إلى السلطة, والتف حول عمر بن عبد العزيز ثم تبنى البحث عمن يقود الثورة ضد السلطة الأموية التي فقدت مبررات وجودها وكان من الطبيعي أن يتجه إلى الإمام زيد بن علي (ع) باعتباره - كما عرف آنذاك - أفضل هاشمي في عصره. يتبنى الثورة والخروج على الظالم. 
وريادة الإمام زيد نظرية وعملية، نظرية في تأصيله لثورة الإمام الحسين عليه السلام وتجسيد النظرية في موقفه العملي بالدعوة والخروج السياسي والفكري والاجتماعي.
أما الفكر كفكر العدل والتوحيد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو القاسم المشترك بين جميع من عرفوا بالعدلية فيما بعد من شيعة ومعتزلة وخوارج وجمهور أهل السنة الذين شاركوا في كل الثورات ضد السلطة أو عمالها كالحجاج وأبن زياد وغيرهما. وكما تعجل الأستاذ زيد دون حيثيات- في إثبات تتلمذ الإمام زيد على واصل أو العكس لميله إلى المعتزلة تأثراً بمن يخاطبهم في المسار- تعجل أيضاً في نفي انتماء الجارودية إلى الزيدية، تأثراً بحملة بعضهم على الجارودية مع أن الجارودية حتى وإن خالفوا الإمام زيداً في موقفه من الشيخين أبي بكر وعمر إلا أنهم زيدية. لأن الخلاف منحصر في موقف الإمام زيد (ع) من المتقدمين على الإمام علي (ع) وهو خلاف تحتمله الزيدية كما احتملت الخلاف بين واصل والإمام زيد (ع) في الموقف من الإمام علي (ع) وهو أولى وأخطر.
هل يتفق الإمام زيد مع ما نسب إلى أبي الجارود ومن وافقه أم لا؟.
وإذا ثبت نسبة كتاب الإمامة والصفوة وما جمعه الأستاذ العلامة المحقق محمد يحيى سالم عزان في كتاب(مجموع كتب ورسائل الإمام زيد (ع) وهو ثابت - فان القول بالنص الخفي على إمامة الإمام علي عليه السلام وأبنائه من فاطمة عليها السلام هو عين مذهب الإمام زيد (ع) وبهذا فان دعوى الأستاذ زيد- مخالفة الجارودية للإمام زيد (ع) ومناقضتهم كل المناقضة- لا يجد لها سنداً في الواقع, بل على العكس تماماً فان أبا الجارود يتفق مع الإمام زيد في مسألة الإمامة تمام الاتفاق إذا استثنينا رأي أبي الجارود من الصحابة المتقدمين على الإمام علي (ع) ودعوى مناقضة الجارودية للإمام زيد (ع) في جواز إمامة المفضول على الفاضل لا يوجد لها سند فكري، من أفكار الإمام زيد (ع) أو أبي الجارود لأن بالإمكان الجمع بالقول: إن عدم تكفير الإمام زيد أو تفسيقه للمتقدمين على الإمام علي (ع) لا يعني تصحيح الإمامة فيهم لأن عدم البراءة منهم شيء وإقرارهم على ما فعلوا شيء آخر.
ولو قرأ الأستاذ زيد كتاب "الرائق" أو كتاب د/ على محمد زيد "معتزلة اليمن في القرن السادس" لوجد التطابق الكامل بين أفكار مطرف بن شهاب والمطرفية في مسألة الإمامة مع ما روي عن أبي الجارود ويبدو أن الأستاذ زيداً خلط بين مذهب نشوان والمطرفية أو تأثر بما قيل عن المطرفية في كتاب أبن الأمير وعصره الذي أنتقده د/ علي محمد زيد قائلاً (ليس صحيحاً ما قاله كتاب ابن الأمير وعصره بعد قيام الجمهورية سنة 1962 وما يشاع على ألسنة الكثيرين دون تمحيص من أن المطرفية لا تشترط أن يكون الأمام من منصب مخصوص كما يقال في علم الكلام الزيدي- أي من آل الحسن والحسين- ذلك أن المخطوطة الوحيدة الباقية في علم الكلام المطرفي توضح ذلك بلا لبس وتبين أن المطرفية تأخذ نظرية الإمامة عند الهادي والقاسم الرسي مع التشدد في شروطها ولم تتهم المطرفية قط بأنها أبطلت نظرية الإمامة الزيدية بل إن أكبر خصومها الإمام- عبد الله بن حمزة- أتهمها بالتشدد في شروطها حتى عطلتها)
وينقل عن مؤلف الرائق قوله في مقام الرّد على من لم يجزم بخلافة الإمام علي (ع) لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بلا فصل قوله: -(وإنما بنى الكل ممن قدمنا ذكره ذلك على أصل فاسد وهو القول بولاية من تقدم على أمير المؤمنين على بن أبي طالب وأن خطيئة من تقدم عليه صغيره مغفورة.

المطرفية والمخترعة:
 والذي يذهب إليه أهل البيت عليهم السلام ومن طابقهم من علماء الإسلام أن أمير المؤمنين (علياً) أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأن من تقدمه أو جلس مجلسه فمخطئ في ذلك، وكذلك الحسن والحسين أفضل الناس بعد أبيهما وإليه ذهب أبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي والمقداد بن الأسود وعمار بن ياسر ونظراؤهم من الصحابة وهو مذهب الشيخ أبي عبد الله البصري والمدرسة البغدادية وقاضي القضاة (الشيخ عبد الجبار) والشيخ أبي رشيد، وهو الصحيح المعول عليه. ص 95 - 96. كما ينقل عن الرائق الرّد على القائلين بجواز إمامة المفضول مع وجود الفاضل بأدلة من الكتاب الكريم والسنة والإجماع. أي أن مذهبهم عين مذهب الجارودية في الإمامة والموقف من الصحابة فهل يخرجهم الأستاذ زيد عن الزيدية كما أخرج أبا الجارود، ويجب أن يخرج معهم أغلب معتزلة بغداد من الانتماء للمعتزلة. لأنهم في الإمامة كالجارودية - في تفضيل الإمام علي على من تقدمه - وأن الأمة أخطأت في صرفها عنه والخلاف ليس في القول بالخطأ ولكن بالحكم هل الخطأ كبيرة أم صغيرة مغفورة والظاهر من كلام الرائق أنه من القائلين بأن الخطأ - ليس صغيراً، وهو قول المطرفية إن صحت نسبة الرائق إليهم . وهذا عين ما تميزت به الجارودية عما روي عن الإمام زيد.
لقد كان الأستاذ زيد في غنى عن التعرض بالذكر - للجارودية - وكذلك كان في غنى عن التعرض لنص يحيى بن الحسين - عن أن الإمام زيداً بن علي كإبائه وإخوانه ومعاصريه من أئمة آل البيت على قول واحد في الأصول وهو ما كان عليه سيد البرية لأنه - أراد أو لم يرد - أثار مشكلة ولم يبذل جهداً كافياً لحلها، والمقارنة بين الإمام الهادي عليه السلام وأبي الجارود كان في غنى عنها وإذا كان ولابد فكان عليه أن يتحرى الدقة في حديثه عن مذهب الإمام الهادي عليه السلام والجارودية، فالقول بأن الإمام الهادي عليه السلام يقول بالنص الجلي معناه تخطئة من لم يعمل به وإدانة من خالفه. والقول بعدم جواز سب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ومعاقبة الإمام الهادي عليه السلام لا يعني أنه يرضّي عنهما لأنه قد يكون كموقف الإمام علي (ع) في نهيه أصحابه عن سب أصحاب معاوية معللاً ذلك بأن السب ليس من أخلاق المؤمنين المؤمن ليس بسبّاب ولا لعّان.
وقد يكون نهي الهادي (ع) مبنياً على قوله تعالى (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم) أقول هذا مع اعتقادي أن الهادي لا يكفر ولا يفسق كبار الصحابة رضوان الله عليهم. ولم يفصل أحد من المخترعة بين المطرفية والإمام زيد (ع) بحجة أن المطرفية علماء كلام. والإمام زيد (ع) ليس كذلك لأن المخترعة ينتسبون إلى علم الكلام أيضاً ولم يعتبر المخترعة خروج المطرفية عن الدين لموافقتهم المعتزلة بل على العكس من ذلك تزعم المخترعة مخالفة المطرفية لمشائخ المعتزلة لأن المخترعة أيضاً يقرون بمشيخه المعتزلة لهم . فالمطرفية ليسوا أولى بالتتلمذ على المعتزلة من المخترعة بل على العكس لقد لجأ القاضي جعفر بن عبد السلام إلى الفكر الإعتزالي للرد على حجج المطرفية، والخلاف بين المطرفية والمخترعة لم يكن على الأصول العامة للزيدية أو العدلية في العموم ولكنه حول قضية واحد وما ترتب عليها وهي لخصها الأستاذ زيد في قول المطرفية بالإحالة والاستحالة - وقول المخترعة بالاختراع وهذه المقولة لم يقل بها الإمام زيد بن علي (ع) ولا غيره من أئمة آل البيت، أو مشائخ المعتزلة أو غيرهم ممن يجمعهم القول بالعدل والتوحيد وبهذا فأن المطرفية لا يمكن أن يكونوا أولى من المخترعة بالإمام زيد بن علي (ع) وأيضاً العكس. ولم يدع مطرف بن شهاب أو أي ممن وافقه أنه يختص - دون مخالفيه من الزيدية آنذاك - بالإمام زيد بن علي (ع) ولكن المطرفية أدعوا أنهم أقرب إلى الهادي والقاسم عليهما السلام. في موضوع كيفية خلق الله للعالم وما انبثق عنها.

الخلاف عقدي أم سياسي؟
أريد أن أقول أن الأستاذ زيداً أختلق قضية لا علاقة لها بفكر المطرفية أو مأساتها، وأيضا لا علاقة لها بفكر المخترعة وليست معنية بها. والقضية هي هل الخلاف بين الإمام عبد الله بن حمزة، والمطرفية، فكري عقدي أم سياسي؟ وهل هذا الخلاف الفكري بين الإمام عبد الله بن حمزة ومن قبله الإمام أحمد بن سليمان والمخترعة من جهه والمطرفية من جهة أخرى هو السبب في انفجار الصراع بين الإمام عبد الله بن حمزة والمطرفية؟
وإذا كان الأمر كذلك فلماذا تأخرت المعركة الفاصلة بين الطرفين؟ ولماذا أتسمت بتلك الحدة .؟ بمعنى لماذا لم يستبح الإمام عبد الله بن حمزة أو أي من أئمة المخترعة من قبله ومن بعده دماء من كفروهم تصريحاً أو تأويلاً من المعاصرين لهم في كل زمن إذا كان القول بإلزام - فرقة أو مذهب - بالكفر يترتب عليه استباحة الدماء والفروج؟. وهل كل من يفتي - بجواز فعل ما يستدل من فتواه أنه فعل أو سيفعل ما أجازه كالفتوى بجواز الجمع بين أربع زوجات.؟ وهل إثارة الصراع من جديد طبعاً في الجذور الفكرية بين المطرفية والمخترعة يحقق الهدف المعلن للأستاذ زيد وغيره من إثارة الموضوع؟ أم إن الإثارة عبث وتمزيق للفرقة الزيدية وصرفها عن مسؤوليتها التاريخية في الإسهام مع مختلف الفرق والمذاهب الإسلامية - في عملية التجديد والإحياء والتنوير للقيام بعملية الإصلاح المطلوب.

أصول الإمامين يحيى وزيد (ع) واحدة:
قبل الاسترسال في وضع الأسئلة التي أعتقد أنها ملحة ولها الأولوية؛
أود أن أتعرض لما قاله العلامة يحيى بن الحسين وعلق عليه الأستاذ زيد عن الإمام الهادي (ع) لمنهج الإمام زيد ومذهبه من عدم ذلك سواءً في الأصول أو الفروع.
هل التزم الهادي (ع) منهج الإمام زيد ومذهبه.؟
أعتقد جازماً أن الإمام الهادي يحيى بن الحسين - كان يعتقد - اعتقاداً جازماً أن مذهبه هو عيْن مذهب الإمام زيد (ع) وعيْن مذهب أي إمام من أئمة أهل البيت المتقدمين ويجب أن يكون مذهب أي إمام من أئمة أهل البيت . 
 هل يوجد أي اختلاف بين مذهب الإمام زيد في الأصول والفروع ومذهب الهادي؟ في الواقع ونفس الأمر-؟ أعتقد أنه لا يوجد أي اختلاف لأننا لو قلنا بوجود خلاف في الأصول ونحن نعني بالأصول ما تعرف به عند الزيدية أو غيرهم من أنها التي لا يجوز فيها التقليد والمتابعة لأن الحق فيها واحد غير متعدد كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، أو الإيمان بأن الله واحدٌ فرد صمد لا شريك له ولا شبيه أو ند - لا يفعل القبيح لغناه عنه وأنه أمرنا ونهانا عما نقدر على فعله ونستطيع الامتناع عنه وأنه لا يرضى الظلم أو يحبه ولم يرده.. بهذا المعنى - لا يوجد أي اختلاف بين الهادي والإمام زيد والإمام علي (ع)، أو الباقر والصادق والقاسم والناصر ومن جاء بعدهم سلام الله عليهم، وإن أختلف التعبير عنها من إمام إلى آخر, بحسب المقام والمتلقي .
ويحيى بن الحسين وصاحب الجامع الكافي لم يقصدا أن الإمام زيد والإمام الهادي مختلفان في العدل والتوحيد، أو الإمامة والوعد والوعيد، ووجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولو بحد السيف، فهما عدليان في مقابل الجبرية، وهما غير مشبهين في مواجهة المجسمة والمشبهة وهما وعيديّان في مقابل المرجئة وهما قائلان بوجوب الدعوة والخروج والثورة على الظالم عند توفر الشروط لذلك ويتفقان على إمامة البطنين........إلخ . ووجوب النظر وعدم جواز التقليد للقادر على الاجتهاد ووجوب العرض على القرآن فيما روى عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وأختلف فيه، وإن إجماع أهل البيت حجة لأن ما أجمعوا عليه لا يمكن أن يخالفوا الحق فيه، وأن الطريق إلى الإمامة هي الدعوة والخروج للجهاد. ولقد وافق الأستاذ زيد في قوله بأن الزيدية تعد بين الفرق الكلامية، وأود الإضافة بأنها فرقة كلامية وحركة سياسية ومذهب فقهي. فرقة كلامية كعدلية لها رؤية في مسائل العدل والتوحيد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمنزلة بين المنزلتين والنبوة والإمامة والمعاد - في مقابل المرجئة والمشبهة والمجسمة والجبرية، وحركة سياسية تتفق مع الإسماعيلية و الخوارج في وجوب الخروج وتختلف معهم في التكفير والتفسيق والإمامة، ويختلفون ..عن الجعفرية والحنابلة في القول بعدم جواز الخروج على الحاكم . ومذهب فقهي في مقابل الحنفي والمالكي والحنبلي وإن كان المذهب يتميز عن المذاهب الفقهية الأخرى في أن قواعده، نفي وإقرار للتمذهب، نفي للتمذهب لا يجابها الاجتهاد على كل قادر على الاجتهاد وعدم تجويز الاكتفاء بالظن فيما يمكن العلم به وإيجابها تقديم الإنسان لعلم نفسه على علم غيره - كائناً من كان الآخر - وتقديم ظن الإنسان لنفسه على ظن غيره. وإقرار للتمذهب بتجويزها التقليد لغير القادر على الاجتهاد وتصويب فعل العامي فيما فعله معتقداً لصوابه ما لم يخرق الإجماع والإلزام في المعاملات بمذهب الحاكم حتى لو خالف اجتهاد الفاعل وهو مذهب الإمام زيد والإمام القاسم والناصر والمرتضى بمعنى منهجهم في كيفية الاستنباط حتى لو خالف المذهب النتائج التي توصل إليها أي واحد من أئمة المذهب لأن مذهبه في الاستنباط بمعنى المنهج أو القاعدة التي سار عليها في استنباط الحكم الشرعي هي المذهب وليست النتيجة التي توصل إليها ولهذا خالف المذهب، الإمام زيد أو الإمام الهادي أو الإمام القاسم والناصر - بل وبعض ما روى عن الإمام علي سلام الله عليهم التزاماً بمنهج هؤلاء الأئمة كما فعل الإمام الشافعي في مخالفة نفسه أو بمعنى أدق عندما تغيرت البيئة وتوسعت معرفته بالنصوص وكل مذهب فقهي هو كذلك حتى مذهب أهل الحديث والظاهرية لأنهم يلتزمون القواعد. والقواعد الأصولية - كالهندسة أو الرياضيات- لا يمكن أن يبتدعها كلها شخص واحد- بل يبني المتأخر ويضيف إلى ما ابتكره المتقدم ولكن الريادة للأول وكما توسعت وتشعبت قضايا أصول الدين لدى المتكلمين حتى وصلت إلى فرعيات تطبيقية حول الأفعال المتولدة والطفرة والكمون والجزيء والذرة والجزء الذي لا يتجزأ والإحالة والاستحالة......, حدث بشكل أوضح هذا التطور في الجدل الفقهي المذهبي وكما حدث التمايز والانقسام بين المذاهب حدث التمايز والانقسام داخل كل مذهب.

أصوليون وإخباريون:
 إلا أن استكمال بناء القواعد- في المذهب الزيدي نتيجة للتنوع الذي مثله علماء المذهب ومجتهدوه وتنوع البيئات التي وجد فيها يجعله كما يقول عنه محمد أبو زهرة-  أكثر المذاهب نماءً عبر العصور، وللشيخ محمد أبو زهرة في كتابه، (الإمام زيد) بحثٌ مميزٌ عن ماهية المذهب الزيدي بالمقارنة مع المذهب الحنفي والمالكي والشافعي. والأهم من كل ما سبق - فيما يتعلق بفكر المطرفية ومأساتها هو الإجابة عن السؤال.
لماذا استباح الإمام عبد لله بن حمزة من المطرفية ما لم يستبحه من غيرهم؟ إن كانت عقيدة المطرفية كما وصفت في كتب المخترعة فلماذا قبل الإمام عبد الله بن حمزة البيعة منهم؟
في إجابة - السيد المولى العلامة المجتهد بدر الدين الحوثي ما يفيد أن متأخري المطرفية ليسوا كمتقدميهم - بمعنى أن تطور الجدل بين المخترعة والمطرفية قاد متأخري المطرفية إلى الغلو فيما ذهبوا إليه مما يلزم منه الكفر. ولكن إجابة - المولى بدر الدين الحوثي مبنية على مسلّمة لدية وهي أنه لا يمكن أن يصدر من الإمام عبد الله إلا الحق والعدل باعتباره إماماً له ما للإمام من حق علينا في اعتقاد ذلك، وهذه المسلمة ليست واضحة أو مسلم بها لدى الجميع لأن الإمام عبد الله بن حمزة مهما كان فضله وعلمه وتقواه بشر معرض للخطأ في الحكم خصوصاً مع الخصومة، إلا أن هذا القول لا يعني الجزم بخطأه وأدانته لأن الإمام حكم بما أدى إليه نظره وهو مجتهد معنى بالأمر بحسب تعبير العلامة محمد يحيى عزان (ص 179 المطرفية الفكر والمأساة) إلا أن مناقشة ما حدث وفهمه واستيعابه ضرورة لعدم تكراره أو الاستفادة منه في فهم أسباب وعوامل الصراعات التاريخية. وما حدث لا يمكن أن يكون سببه طرفاً واحداً لأن الصراع بين طرفين أسهم كل طرف ولو بنفسه في تكوين العلاقة بينهما ودفعها إلى ما وصلت إليه. والأهم أننا كمسلمين معنيون بسبر أغوار مكوننا العقيدي لنجيب على الأسئلة المطروحة بحدة علينا.

متى يستباح دم المسلم؟ ومتى يستباح دم الإنسان؟
ومن هو المسلم المعصوم الدم والمال والعرض؟ وهل الخروج من دائرة العصمة يتم بمجرد قول ما يعتقد الآخر المسلم أنه يلزم من قول ذلك الكفر؟ ولو فرضنا أن المطر فيه لم يكونوا قوة سياسية شبه منظمة هل كانت أفكارهم ستقود إلى حدوث ما حدث -؟ ولو فرضنا أن المطرفية حققوا النصر على الإمام عبد الله بن حمزة، هل كانوا سيعصمون دمه وما له وعرضه؟ ودماء وأعراض وأموال المخترعة -؟
أقول هذا لأن ثوار 1948 استباحوا دم إمام معصوم الدم وهو الإمام يحيى حميد الدين وقتلوا معه حفيده وهو طفل ورئيس وزرائه دون أن يكون لهم مأخذ عليه وهو عدل من وجهة نظرهم وقتل بعد مقتله بعض أولاده مع أن المقتول والقاتل موحدو العقيدة والمذهب والثقافة والعرق وحتى اللحظة لا يزال بعض الإسلاميين يفاخرون بفعلتهم اغتيال الإمام يحيى وحفيده العباس بن الحسن دون أن يبرروا شرعاً بالمبرر الشرعي الذي أجاز لمن أفتى بقتل الإمام "غيلةً" وتعريض حياة من قد يكون معه للخطر وحرمة قتل الطفل أعظم من حرمة السبي ومن قتل نفساً فكأنما قتل الناس جميعاً، لأن استحلال قتل نفس ومليار هو نفسه، وكلنا من نفس واحدة آدم وكل واحد منا آدم هذا على فرض جواز قتل الإمام يحيى، مع أنني حتى الآن رغم متابعتي لم أجد أي مبرر شرعي لما حدث. وهذا أسوأ ما في الموضوع ، لأنه يعني بأن من يفاخر بالمشاركة ولو بالتأييد المعنوي في إهدار دمه لا يكلف نفسه التبرير وكأن الأصل إباحة الدماء وليس العكس إن على السيد بدر الدين وأي زيدي يرى أن الإمام عبد الله بن حمزة نموذجاً للإمام الزيدي العظيم، أن يجيب على الأسئلة التي لم يجب عليها الإمام نفسه فيما يتعلق باستحلاله لدماء وأعراض المطرفية ومن جاورهم .
هل هم أكثر كفراً وعداءً لدولة الإسلام من كفار قريش يوم الفتح الذين قال عنهم. الرسول صلى الله عليه وآله وسلم اذهبوا فأنتم الطلقاء؟
هل هم أكثر عداءً من خوارج النهروان وبغاة صفين والجمل؟
وما حكم "العلمانيين" فيما لو قامت دولة الإسلام !!! التي قدوتها الإمام عبد الله بن حمزة - وهؤلاء أكثر بعداً من المطرفية؟ 
 لقد خالف الإمام عبد الله بن حمزة باعترافه سيرة الإمام علي عليه السلام ولم يجد مبرراً إلا من سيرة أبي بكر الصديق، مع من سموا بالمرتدين؟
أنني لا أشارك في اتهام الإمام عبد الله بن حمزة في التنكيل بالمطرفية كما نقل إلينا وأميز بين ما نقل من أقوال الإمام في الحكم الشرعي عليهم وبين ما فعله بالفعل فيهم -؟ أي أن ما كل ما أفتى بجوازه فعله بالمطرفية وأميل إلى القول أن الإمام عبد الله بن حمزة تعامل مع المطرفية كبغاة مثلوا خطراً على دولة الإسلام التي يمثلها، لأنهم بدأوا بما أعتبره بغياً (الخروج على الإمام ونصب داعية وأخذهم الزكاة) مع أنهم ملزمون ببيعة ورفضوا كما ذكر د/علي محمد زيد الحوار معه - ولكنني لا أستطيع التبرير للإمام عبد الله بن حمزة لأنه تجاوز فيما أفتى به ما ألتزمه الإمام علي (ع) في تعامله مع البغاة والخارجين عليه. والأستاذ زيد مطالب بالإجابة على الأسئلة نفسها ولكن من زاوية أخرى هل يجوز للمطرفية، استباحة دم الإمام عبد الله بن حمزة بدعوى الخروج عليه لظلمه، وهم ملزمون بعقد بيعة أي بمعنى- هل يجوز الانقلاب عليه وقتل الحاكم المسلم لمجرد المخالفة في الرأي-؟ وسواءً جاز التكفير بالإلزام أم لم يجز، فهل تعصم الصلاة والصيام وأداء الزكاة والإقرار بالشهادة، دم المسلم حتى لو أعتقد ما نعتقده كفرا.؟ وهل عصمت الصلاة والصيام والقيام دم شيخ الإسلام الحسين بن علي العمري والطفل عباس؟

هوامش البحث:ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1]المطرفية الفكر والماساة ص: (6).
[2]المصدر السابق ص: (36).
[3] المطرفيةالفكر والمأساة ص: (37).
[4] المطرفيةالفكر والمأساة ص: (40).
[5] المطرفية الفكر والمأساة ص: (45).
[6] المصدر السابق ص: (46).
[7] الصحيح هو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب – رئيس التحرير.

جميع الحقوق محفوظة لمركز التراث والبحوث اليمني 2011 - 2012 ©