مجلة المسار

د. عبدالعزيز المقالح د. عبدالعزيز المقالح

باحث، شاعر، أديب، كاتب، له عدة كتب في فنون مختلفة.

قاسم بن علي الوزير.. في ثلاثية الشوق والحزن والإشراق


الواحد والأربعون
( الرابعة عشرة : الثاني : 1434 / 2013) - رقم الصفحة : 147 - ترجمة :

- التبويب : -

في ثلاثية الشوق والحزن والإشراق

د. عبدالعزيز المقالح(*)

- 1 -

ينتمي الشاعر المفكر قاسم بن علي الوزير إلى أسرة عريقة منالعلماء والشعراء والشهداء، وتضم في ثلاثية شعرية أخيرًا عن (دار المناهل 2011م)المجموعات الآتية: "الشوق يا صنعاء" و"أزهار الأحزان"و"لم تشرق الشمس بعد". وكان قاسم قد بدأ كتابة قصائده في أواسط خمسينياتالقرن الماضي في السجن، وهو فتى في الرابعة عشرة من العمر، بعد أن اقتيد كل أفرادعائلته من الذكور شيوخًا وكهولًا وأطفالًا إلى السجن في أعقاب فشل الثورةالدستورية 1948م، وقد قُطِعتْ رؤوس بعض أفراد هذه العائلة، وفي مقدمتهم والدالشاعر رئيس مجلس وزراء الثورة علي بن عبدالله الوزير. أما من نجا من أفرادالعائلة فلم يسلم من عذاب السجن وترويعاته. حدث ذلك في تراجيديا بالغة المأساويةوالقسوة قلَّما تحدث إلَّا نادرًا وفي بعض العصور المظلمة.

وفي السجن تبلورت موهبة الفتى الذي صار شابًّا يقرأ كل مايتسلل إلى السجن من كتب قديمة أو حديثة. وكانت لجبران خليل جبران - كما لمصطفىصادق الرافعي - مكانة خاصة لدى كثير من السجناء الذين وجدوا في أدب الأول أبعادثورة رومانسية تعكس أشجانهم وحنينهم إلى التغيير، ومقاومة تكسير الأجنحة، كماوجدوا في أدب الثاني جنوحًا باذخًا نحو الحلم والخيال.

وأزعم أنني أقترب – بعد تلك السنوات الفاجعة – من تجربةسجناء 1948م، والتقيت بعضهم وأفدت من معارفهم العلمية والأدبية، وجمعتني بالشاعرقاسم الوزير صداقة عميقة قادت إلى لقاءات لا حصر لها بعد أن خرج من السجن، وتولىشؤون العائلة في صنعاء نيابة عمن تبقى من أشقائه الذين كانت قد استقبلَتْهمالمنافي. وكان قد استطاع في فترة قصيرة تكوين مكتبة صغيرة لكنها نوعية وعامرةبالأهم من عيون الأدب القديم والحديث فكانت منهلًا سائغًا لعشاق الأدب وشُداته.ولا يمكن استيعاب تجربة هذا الشاعر المفكر دون أن يلم القارئ بتلك الملامح منحياته العاصفة التي جعلت منه شاعرًا، وفتحت أمام مخيلته عوالم الإبداع، ودفعت بهإلى الإنصات لصوت الشعر وهو يتموج في كل ما يحيط به من معالم الحياة وصور الناسوالأشياء. ومن المهم أن أشير هنا إلى أن معظم ما كان يكتبه من شعر إن لم يكن كلهيبقى مطويًّا في صدره، أو في الأوراق، في انتظار الزمن الذي يسمح بالنشر، وهيمشكلة عانى منها كثير من مجايليه في بلد لا وجود فيه لأبجدية الطباعة والنشر.

وفي هذا السياق، يبدو لي أن ما ورثناه نحن اليمنيين ومااكتسبناه أيضًا من المخزون الهائل من الأحزان والذكريات المؤلمة كفيل بأن يجعلنانبدع أعظم الملاحم الشعرية، وأحيانًا يبدو الحال على العكس من ذلك، حين يلفني شعوربالدهشة والغرابة وأنا أتساءل كيف استطاع هذا العدد من الشعراء اليمنيين المعاصرينأن يكتبوا – في مناخ مغلق – شعرًا ينتمي إلى هذا العصر ويواكب ما أبدعه أشقاؤه فيمشرق الوطن العربي ومغربه؟ فقد كان الإنسان في هذا البلد البائس، وفي أربعينياتالقرن العشرين وخمسينياته خاصة، يعيش في أسوأ واقع يمكن لعقل إنسان معاصر أنيتخيله. ومع ذلك كان لليمن شعراء كبار تمكنوا من تحدي ظروفهم القاسية ومن أنيتغلبوا - وذلك هو الأهم – على انقطاع التواصل مع أشقائهم من مبدعي الوطن العربي.ولم يكن الشاعر قاسم الوزير سوى واحد من هؤلاء المبدعين الذين تحدَّوا واقعهمالخاص والعام، وأثبتوا وجودهم بجدارة في عالم الشعر العربي المعاصر.

ولا ريب أن هذه المجموعات الشعرية الثلاث التييضمها مجلد واحد والصادر في نهاية العام 2011م، تشكل إنجازًا شعريًّا جديرًابالاحتفاء، وبأن نستقبلها بفرح غامر بعد سنوات الانتظار الطويل الذي كاد يتلاشىبعد أن تحول اهتمام صاحبها إلى الكتابات الفكرية؛ يمنحها وقته، ويسعى إلى توسيعآفاقها لتتلاءم مع الواقع العربي والإنساني الراهن، وفي وقت يبدو فيه الشعر وكاندوره قد تضاءل حتى وهو يخوض – دون هوادة – معركته مع القضايا السياسية والاجتماعيةالتي تشابكت وتعقَّدت وصارت واقعًا مفزعًا ومثيرًا للقلق بعد عقد من الأملوالثورات والمحاولات الدؤوبة في اختراق جدار التخلف السميك على أمل اختصار الطريقوالعبور السريع نحو المستقبل بأقل قدر من التضحيات والخسائر. ومع ذلك يبقى للشعرحضوره الفاعل واقتداره المكين على فتح نوافذ الروح نحو آفاق أبعد مما تستطيعالبندقية أن تفعله أو تراهن عليه.

البندقية لا الكتابْ..

باتت طريق الضاربين إلى الغد المجهول

في وحل الترابْ.

الخوذة السوداء

تملي ما تشاء وعندها فصل الخطابْ

ولا سؤال ولا جواب.

والشعر؟

حتى الشعر يُكتب بالحراب

وأنت من بابٍ لباب

قد طال بحثك.. عمَّ تبحث تحت أقدام الذئابْ؟

مَنْ ذا سيقرَؤُك الغداةَ..

ومن يدارسك الكتابْ؟

إن الجريمة وحدَها يا صاحبي بطل المدينة!

ص134.

-  2 -

في قراءة كهذه ، محدودة المساحة، لا يمكنالوقوف على الملامح الدلالية والفنية في ديوان يضم أغلب المنجز الشعري للمفكروالشاعر قاسم بن علي الوزير. وكنت في بحث لي بعنوان "الشعر العربي الحديث بينالتلقائية والتصنع"، وهو بحث مطول لم ينشر بعد على أمل أن يتطور إلى كتاب، قدألمحت إلى تجربة شاعرنا بوصفه واحدًا من الشعراء الذين وجدت أنهم يذهبون في كتابةالشعر مذهب التلقائية، فلا تشعر وأنت تقرأ قصيدة من قصائده في أي موضوع كان، بأنهيتكلف الصياغة أو التقاط المعنى، وإنما تراه ينساق مع سجيته مسترسلًا كالنهر الذييجري في واد مبسط شديد الاستواء، أو كأنه يكتب، أو بمعنى آخر، ينقل شعره من ألواحمرسومة أمامه بوضوح خال من التعقيد والغموض. وهذا في رأي النقد الصحيح هو الشعرالحقيقي الذي يخلو مما كان يشكو منه القدماء، ولا يزال يشكو منه المعاصرون تحتعيبي (التوعر والتعقيد)، وهذان العيبان لا يرافقان الشاعر الموهوب بل الشاعرالمتصنع الذي يظل يكد ذهنه إلى أن يصل إلى ما يعدّه معنىً طريفًا أو جملة مثيرة أوصورة بارعة. ومن الأمثلة التي اخترتها لشاعرنا في بحثي المشار إليه هذا المقطع منقصيدة حوارية طويلة تدور بين مواطن وطاغية.

وأنا يا مولاي

أضحك منك ومن نفسي

أبكي منك على نفسي

أبكي منك عليك.

أعرف أنك لا تبصر إلا نفسك

لا تعشق إلا نفسك

كم أرجو أن تخرج منها مرة..

فتراها من خارجها

إذ ذَّاك ستعرف عنها.

ما يعرفه كل الناس!

ص474

ولعل أبرز ما يميز شعر قاسم الوزير ذلك الحزنالشفيف العميق الذي يكسو قصائده الأقدم منها كتابة والأحدث، وفي المقدمة التيكتبها للثلاثية الدكتور راشد المبارك إشارة تقول: (إن أول ما يستوقف القارئ فيقصائد الشاعر هو طابع الحزن الذي يسربله شعره؛ لأنه إلى الحزن صار ومن الحزنانبعث) وكأن الدكتور المبارك تحاشى الحديث عن أسباب ذلك الحزن الذي يعود إلى ما تجرَّعهالشاعر من مصاعب في طفولته وشبابه، وما عاناه من السجن والبعد عن الأهل والوطن،وكلها كافية لتجعل من شعره دموعًا تسيل على الورق بغزارة، وليس في ذلك عيب، بلالعيب أن يكبت المبدع مشاعره ويكابد الصمت وهو القادر على البوح والإفضاء. ويمكنالقول في هذا الصدد بأن قصائد الحزن في الشعر العربي هي أجمل ما ينطوي عليه هذاالشعر من أشجان المبدعين وتأوهاتهم، وما استوعبته حياتهم من وحشة الطريق ومكابدةالأحداث. إنه حزن يستحضر في صوره ومجازاته حزن الإنسان أينما كان وحيثما يكون، وهوليس حزنًا ذاتيًّا مفرطًا في الذاتية، وإنما هو حزن شفاف يختزن في مكابداتهالشفافة التجربة الإنسانية في خصوصيتها وعموميتها:

أحمل في قلبي أحزان جميع المحزونين

أطعم أشعاري منها

لكن.. لا أطعم منها الأشعار!

أشعاري؟

ما أتفه أن يحكي الإنسان

إذا كان خرير الأنهار

هذا زمن الطبل الأجوف

والقلب الأجوف

والعقل الأجوف

والشبق المهتاج إلى الدم.

(ص246)

وواضح أن شاعرنا لم يشغل نفسه بالاصطفاف إلىتيار شعري معين، من التيارات التي استحدثتها التحولات الأخيرة في مجرى التطور، بلترك موهبته على سجيتها تختار الشكل الذي تفرضه اللحظة الشعرية، فهو يكتب القصيدةالبيتية (العمودية) كما يكتبها المجددون من أنصار هذا الشكل الشعري، ويكتب قصيدةالتفعيلة على غرار ما يكتبها رواد هذا النوع من الكتابة التي تجمع بين الوزنوالتحرر من السيطرة البيتية، وقد تسوقه موهبته إلى تجاوز هذين الشكلين غير معنيبالاشتباك الذي يحدث بين أصحاب هذا الاتجاه أو ذاك، فالشعر عنده هو الشعر في أيشكل وفي أية بنية. وهذا مقطع من إحدى عمودياته:

كفكف الدمع! ليس تجدي الدموعُ

أبلغ الحزن صمته المفجوعُ

الرزايا كأنها قطع الليـ

ـل، قطيعٌ يمضـي ويأتي قطيعُ

تتوارى النجوم ما ضوَّأت منـ

ـه هزيـعًا إلا طواها هزيعُ

يكتب الموت كل يومٍ من الشعـ

ـرفنونًا تهمي أسىً وتروعُ

بعض أوزانه النواح وبعـ

ـضٌ من قوافيه في القبور ضجيعُ

لسنا في هذه القصيدة وأمثالها أمام قوالب لغويةتتصيد المعاني والصور العابرة، بل نحن أمام نهر يتدفق وهو يعرف مجراه، ولا يغفلعما يشكِّله جريانه المتدفق من جماليات اللغة والمعنى، ومن الصوراللَّمَّاحةالشفيفة التي تأسر قلب قارئها وتحمله برفق إلى حيث تريد ويريد، وفي شعر يعكس ثقافةتراثية باذخة، وثقافة حديثة ذات ملامسات إنسانية وفنية تنطلق من نسق رومانسي شفافوقدرات تخييلية لا تبتعد عن الواقع ومعاركه ومعاناته ورؤاه.

 

* * *



(*) باحث، شاعر، أديب، كاتب، له عدة كتب في فنونمختلفة.

جميع الحقوق محفوظة لمركز التراث والبحوث اليمني 2011 - 2012 ©